“كوني صوتي”.. صحفية إيرانية تقارع النظام في عصر العالم المفتوح

“عندما لا يوجد الحجاب، لن توجد الجمهورية الإسلامية الإيرانية”. تلخص هذه المقولة للناشطة والصحفية الإيرانية “مسیح علي نجاد” الإستراتيجية التي تنتهجها منذ سنوات في نشاطها السياسي المعارض لحكومتها، كما تعكس الغضب العميق الذي تحمله الناشطة السياسية، وهي تحارب على جبهة من جبهات الصراع ضد النظام الإيراني.

تسلط المخرجة الإيرانية المقيمة في السويد “ناهد برسون” في فيلمها الوثائقي “كن صوتي” (Be My Voice) الضوءَ على ابنة بلدها التي تقيم في الولايات المتحدة، وهي تقود منذ سنوات معركة شرسة خسرت فيها الكثير ضد الحكومة الإيرانية، وتخاطر بحياتها وحياة أهلها المقيمين في قرية إيرانية صغيرة.

يبدأ الفيلم بمونتاج سريع لنساء إيرانيات ينزعن حجابهن في الشارع، في مشاهد بعضها أصبح معروفا، بسبب العرض المتكرر على الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. ينتقي الفيلم مشاهد بعينها من التي تحمل شاعرية ما، مثل تلك التي تنزع بها إيرانيات حجابهن، ويرفعن بعد ذلك قطعة القماش رايةً للنصر.

تابعت المخرجة مثل كثيرين من أبناء بلدها نشاط الإيرانية “مسيح” على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك على قناتها التلفزيونية التي تبث من نيويورك تحت رعاية مؤسسة “صوت أمريكا”، وهذا ما سيلهم في النهاية المخرجة لترك حياتها الهادئة في السويد، والتوجه إلى واحدة من ساحات الصراع الدائر بين المعارضين الإيرانيين في الخارج وحكومتهم، وينطلق هذه المرة من ضاحية أمريكية هادئة قريبة من مدينة نيويورك، حيث تعيش الناشطة الإيرانية مع زوجها الصحفي الإيراني.

“لنقُد ثورة الشعر المنكوش”.. حوار هزلي وهاتف لا يصمت

حين قابلت الناشطة “مسيح” مخرجة الفيلم للمرة الأولى لفت انتباهها أن لديهما نفس تسريحة الشعر المنكوش، فقالت لها مازحة: “لنقُد ثورة الشعر المنكوش”، ثم قالت “علينا أن نتعلم كيف نتحدث ونصور في الوقت نفسه”، فهي لا تتوقف عن الكلام والضحك ومراقبة هاتفا الذي يصدر أصواتا متواصلة.

تتلقى “مسيح” أكثر من ألف رسالة إلكترونية من إيران يوميا، عدا الرسائل التي تصلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تنشط عليها، ويصل عدد متابعيها للملايين، إضافة إلى الذين يشاهدون البث التلفزيوني الذي تقدمه من الولايات المتحدة.

تضع الناشطة السياسية هاتفها أمام وجه المخرجة لتريها فيديوهات وصلتها للتو من إيران. ثم ينتقل الفيلم بعدها لمشهد صُوّر بلقطة متوسطة لهما وهما يتفرجان على شاشة الهاتف الصغيرة، وبعد لحظات قصيرة من المشاهدة يتلبد وجه المخرجة، لكنها تواصل رغم ذلك التحديق بالشاشة الصغيرة، بينما كانت صرخات الألم من كل الأنواع تنطلق من الهاتف.

تحول هاتف الناشطة “مسيح” إلى نافذة على مشهد شديد القسوة في بلدها، أما الفيديوهات التي تصلها، فتتدرج من القاسي إلى الشديد العنف، كالفيديو الذي صُوِّر سرا ونقل اللحظات الأخيرة لإعدام شباب إيرانيين في ساحة عامة.

في ذلك الفيديو نرى الحرس يضع الحبال في رقاب شباب في بداية العشرينيات من عمرهم، ثم نراهم بعد ذلك وأرجلهم تتدلى في الهواء، بعدما علقوا في رافعات وضعت خصيصا في الميدان العام.

“أرجوك كوني صوتنا”.. تلبية النداء الإيراني باهظ الثمن

تخصص “مسيح” معظم وقتها لنشاطها العام، وهذا ما يظهر من اليوميات التي يسجلها الفيلم الوثائقي، فهي لا تترك هاتفها طوال الوقت، فقد أصبح أحد المنافذ على الوضع داخل إيران، كما أن الهاتف ذاته أصبح سلاحا لها تنشر فيه بعض غضبها مما يجري، ووسيلة لإظهار تعاطفها مع أبناء بلدها.

بوستر فيلم “كوني صوتنا” للإيرانية “مسيح نجاد”

وتصل إليها طلبات من إيران في رسائل صوتية ومصورة تقول لها “أرجوك كوني صوتنا”، وهذه المسؤولية سـتأخذها بجدية كبيرة، بل ستكرس حياتها لها، وهو أمر ستكون له أثمان باهظة للغاية، سنشهد على بعضها عبر زمن الفيلم نفسه.

ترافق كاميرا الفيلم “مسيح” في قناتها التلفزيونية التي تقدم فيها برنامجا طويلا تخاطب فيه الإيرانيين الذين يستلمون بث القناة، سواء عبر التلفزيون أو عبر الإنترنت، وقد بدت واضحة الطاقة الكبيرة التي تملكها الناشطة الإيرانية، وسوف تتفجر أمام كاميرات القناة التلفزيونية.

تواصل الناشطة السياسية في برنامجها التلفزيوني ما تفعله على مواقع التواصل الاجتماعي، أي التركيز على الشأن الداخلي الإيراني، وبالخصوص وضع المرأة الإيرانية وحريتها في نزع الحجاب الذي فرض عليها مع وصول رجال الدين إلى سدة الحكم في إيران.

يُبيِّن الوثائقي أن الناشطة الإيرانية قد تحولت إلى اسم معروف في بلدها، فهناك من صار يسخر منها أو يمزح معها في فيديوهات تلقى رواجا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي. بيد أن بعض الفيديوهات الساخرة لرجال إيرانيين ستجرحها وتصل بها للبكاء، إذ تراها تندرج ضمن محاولات قمع النساء في إيران.

أيام إيران.. صحفية تغني للرئيس وتتحدى الظلام

يعود الفيلم إلى التاريخ العائلي لشخصيته الرئيسية، ويعرض مشاهد لها عندما كانت تعمل صحفية ببلدها قبل لجوئها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت تغطي شؤون مجلس النواب الإيراني، لكنها لم تكن شخصية عادية، ولم تذعن للقوانين السائدة، فنراها في مشهد كوميدي تطلب من الرئيس الإيراني محمد خاتمي أن تغني له لأن لديها صوتا جميلا، وحين تغني يستمع لها الرئيس بابتسامة عريضة، فقد عرف عنه التسامح.

تتصادم الصحفية الشابة مع النظام الموجود في بلدها، وتنتهز فرصة سفرها إلى بريطانيا لتلجأ من هناك إلى الولايات المتحدة، وهي تعيش فيها اليوم مع زوجها الصحفي الإيراني الذي تلقى كل الدعم منه، كما تبين المشاهد الدافئة بين الزوجين، وتحمله لانشغال زوجته المتواصل والطريق الخطر الذي سلكته.

المخرجة الإيرانية ناهد برسون مع الصحفية مسیح علی نجاد في شوارع نيويورك

ولدت “مسيح” في أسرة فقيرة من الريف، وعاشت العوز والحاجة، بيد أن أهلها وقفوا دائما خلفها وشجعوها على التعلم، وهي تتذكر قصة من طفولتها عندما كانت تخاف الذهاب إلى دورة مياه خارج الحقل الزراعي الذي تعيش فيه العائلة، وأن أمها أخبرتها أن تتغلب على الخوف خاصة في المساء، بأن تعتبر الظلام كائنا ما، وأن عليها أن تنظر في عيني هذا الظلام وتتحداه. هذه القصة ستلهمها في حياتها كلها.

“هذا ليس روح الله الذي أعرفه”.. ألاعيب السلطة القاسية

ترد السلطات الإيرانية بقسوة كبيرة على ضربات الناشطة السياسية، فتلقي القبض على أخيها الذي يعيش في إيران، وكان من الملهمين لها بطفولتها، ومن المساندين لها في حياتها كلها. وفي مشهد مؤثر جدا تسقط على الأرض من شدة الألم، حين تفشل في الاتصال بأهلها، بسبب الرقابة الحكومية.

ترغم السلطات والدة “مسيح” وأختها على التبرؤ منها في مقابلة تلفزيونية لقناة رسمية إيرانية، بل إنها تصبح رمز العداء للثورة الإيرانية، كما عرض الفيلم في مونتاج سريع تغطيات صحف وقنوات تلفزيونية لقصتها، بل إن مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي نفسه ذكرها في إحدى خطبه.

يهتم الفيلم بالخطر الأمني المحتمل الذي يحيط بالناشطة الإيرانية، فيرافقها وهي تقابل كاتبة إيرانية تعيش في الولايات المتحدة، وقد كرست حياتها المهنية للكتابة عن سجل النظام الإيراني في تتبع معارضيه خارج إيران وتصفيتهم، أو التضييق عليهم.

تكشف المخرجة الإيرانية “ناهد برسون” عن قصتها الخاصة الموجعة مع انتهاكات الحكومة الإيرانية لحقوق الإيرانيين خارج إيران، فقد قبضت على صديقها الصحفي الإيراني المعارض “روح الله زَم” في العراق في عام 2019، ثم أعدمته بعد ذلك.

إيرانيات أمام البحر بدون حجاب

تعرض المخرجة مشاهد لصديقها المعارض الذي كان يعيش في فرنسا بين أولاده، ومشاهد لها في مقابلة تلفزيونية مع قناة إيرانية بعد إلقاء القبض عليه، يعترف فيها بخيانته لبلده. وتتحدث المخرجة للكاميرا قائلة وهي تتذكر صديقها الراحل: هذا ليس روح الله الذي أعرفه.

شعور المسؤولية.. روح معذبة تحمل طاقة لا تنضب

تطلب المخرجة أحيانا من شخصيتها الرئيسية أن تصمت قليلا، فهي لا تتوقف عن الحركة والكلام والقفز من مكان إلى آخر، وتنتقل أحيانا من غرفة في بيتها إلى الحديقة لتسقي الأشجار، وأحيانا ينطلق صوتها بغناء أغان إيرانية قديمة، كما فعلت في محطة مترو في نيويورك المكتظة بالمسافرين، وعندما انتهت التفتت إلى رفقيتها المخرجة قائلة: انظري، غنيت ولم يحتجزني أحد.

تحت طبقة المرأة الصلبة القوية كانت “مسيح” تخفي ألما وعذابا لا يحتمل، وكان ينفجر أحيانا في نوبات بكاء، وبالخصوص بعد حبس أخيها والغموض الذي لف عملية احتجازه، أو كيف يمكن أن تنتهي أزمته. ويؤثر على الناشطة الإيرانية ما يصلها على حساباتها بمواقع التواصل الاجتماعي من مآسي الإيرانيين، وتصرخ من الألم بعد سماع قصص معينة، مثل قصص النساء اللواتي يُسجنَّ بسبب خلعهن للحجاب.

آخر ما تفكر به الناشطة الإيرانية هو الخروج من المعركة، رغم الأثمان الباهظة التي بدأت تدفعها من حياتها الخاصة. تملك “مسيح” شعورا بالمسؤولية لا تستطيع تفسيره تجاه أبناء وبنات بلدها.

لحظات الانكسار والقوة.. مقارعة في كل الظروف ضد النظام

رافق الفيلم الوثائقي شخصيته الرئيسية أثناء سفرها إلى أوروبا، بعد دعوة من مجالس النواب لدول أوروبية للحديث هناك، وفي أوروبا نتعرف على وجه آخر للناشطة الإيرانية، فقد رتبت أفكارها وأعدت جيدا لكلماتها، وتحذر فيها من التعاون مع النظام الإيراني أو التآلف معه، وتذكرهم بالتاريخ الذي سيحاسبهم.

إيرانيات ينزعن حجابهن في تحد لسلطات بلادهن

وفي سلسلة من المشاهد التي تكشف عن الحالة النفسية للناشطة الإيرانية، يتابعها الفيلم وهي تستعد لأول مناظرة لها مع ممثل للحكومة الإيرانية في لندن، وقد نظمته محطة فضائية أوروبية. وكانت “مسيح” تتأرجح بين القوة والارتباك، والخوف من أن لا تمثل قضيتها بالشكل الأمثل.

يتسلل كثير من طاقة الشخصية الرئيسية إلى الفيلم نفسه، فعلى الرغم من روحه الآنية، فقد نجح في أن يكون بورتريها مثاليا وشهادة مهمة للتاريخ عن الناشطة الإيرانية. وهو يُوازن بين عرض القضية الثقيلة التي تحملها المرأة الإيرانية، وبين تبيان لحظات انكسارها وضعفها الكثيرة، وحاجتها للمساعدة النفسية أحيانا، وهي تحصل عليها من زوجها ومن صديقة إيرانية تلجأ إليها متى شاءت، لتبكي عندها بدون حدود أحيانا.

يرافق الفيلم شخصيته الرئيسية فترة طويلة نسبيا كانت حافلة بالأحداث، وهذا يمنح العمل الوثائقي إثارة غير متوقعة، وخاصة عند القبض على أخيها والإبهام الذي أحاط بالقضية، وعندما بدأ الفيلم بالتقرب من الأخطار التي بدأت تصل إلى الشخصية الرئيسية. وكذلك عندما غطى الاحتجاجات الإيران التي ذهب ضحيتها مئات الضحايا، ووضحت مرة أخرى الرؤية بالنسبة للحال الإيراني واستبداد النظام هناك.

حرب الحجاب.. معركة ضد تسلط السلطة لا الإرادة

لا ريب أن حساسية المخرجة للتفاصيل النسوية طبعت فيلمها بالحميمية، ولا سيما في المشاهد التي تقربت فيها كثيرا من عالم شخصيتها الرئيسية، والتحديات الهائلة التي تواجهها على الصعيد الخاص والعام.

يُخبرنا الفيلم في نهايته أن “مسیح علي نجاد” ما زالت على حالها تقارع النظام الإيراني بكل الوسائل التي تملكها، كما يعلمنا بحال الإيرانيات اللائي مررن عبر سياقات الفيلم، واللواتي نلن عقوبات طويلة بالسجن لأسباب تبدو في غاية الظلم، مثل نزع الحجاب في مترو طهران، كما في حال المرأتين اللتين كانتا توزعان الزهور بمناسبة عيد المرأة، أو الأم التي كانت تشكو من سجن ابنتها الشابة 25 عاما، لتتلقى هي أيضا بعد ذلك عقوبة بالسجن 5 سنوات، لأنها بينت مظلومية ابنتها على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولئن كان نزع الحجاب يبدو هو الوقود الذي يغذي غضب الناشطة الإيرانية، فإنها لم تكن بالحقيقة ضد الحجاب الذي تختاره النساء بأنفسهن، بل هي في حرب مع الحجاب بنسخته الإيرانية المفروضة على النساء، وفي واحد من مشاهد الفيلم الوثائقي العفوية والدالة تمرّ امرأة مسّنة تلبس الحجاب الإسلامي أمام بيت “مسیح علي نجاد”، فتهديها زهورا من حديقتها، وتتمنى لها يوما لطيفا.