“بنات ألفة”.. قصة أم تونسية قاسية فرت ابنتاها إلى داعش في ليبيا

بدأت الواقعة في تونس عام 2016، قصة تداولتها وسائل الإعلام عن أمّ تونسية هربت اثنتان من بناتها الأربع للالتحاق بتنظيم داعش في ليبيا، ومع التغطية الإعلامية الواسعة التي حظيت بها قضية أُلفة، استمعت المخرجة التونسية كوثر بن هنية للقاء إذاعي معها، وقد أثار الحوار تساؤلات عدة لديها عن دوافع مراهقتين لهذا الخيار المَرَضي مثلا.

أثارت انتباه المخرجة أيضا أقوال ألفة، ورأت فيها شخصية سينمائية بامتياز، بكل تناقضاتها وغموضها وعيوبها، فالسينما تميل إلى هذا النوع من الشخصيات، لما تكنّه من غنى وعمق وإثارة، وتوفره من قدرة على المفاجأة والإدهاش.

تصوير الفيلم.. تطفل على خصوصيات أسرة يمزقها الإرهاب

هذه القصة المعقدة والفظيعة تركتْ أثرا في نفس المخرجة، حفّزها للتفكير بعمل فيلم وثائقي عنها، وقد اشتُهرت عبر هذا النوع السينمائي، لا سيما مع فيلمها “شلّاط تونس” (2014)، قبل أن تقدم أفلاما أخرى روائية مثل “الرجل الذي باع ظهره” (The Man Who Sold His Skin) عام 2020.

لكن هذه القضية كانت حساسة، فهي لا تتعلق فقط بانتماء فتيات لتنظيم إرهابي، بل بعلاقة أمّ مع بناتها، وكل ما ينتج عنها من جدال وتمرد، وعنف أحيانا. إنّها تطفّل على حميمية أسرة. لذلك لم يكن ممكنا -كما صرحت المخرجة نفسها- الاعتماد على التسجيل والتوثيق فقط، وقد تجلّى ذلك في فشل أوّلي عند محاولة تصوير أُلفة في فيلم وثائقي تقليدي يستعيد قصتها الموجعة مع بناتها.

بعد توقف طويل، عاودت المخرجة العمل من زاوية أخرى عبر اللجوء إلى أسلوب يُخرج العمل من المراوحة، فقد قررت الاستعانة بممثلين في محاولة لتسهيل تحرير الكلمة من أفواه المعنيات، أي الأمّ والأختين آية وتيسير اللتين بقيتا في المنزل معها. ليأتي فيلم “بنات أُلفة” وثائقيا ممزوجا بلمسات روائية.

“العين الذهبية”.. جائزة بالمناصفة في مهرجان كان

عرض الفيلم (وهو السادس للمخرجة) في المسابقة الرسمية للدورة الماضية لمهرجان كان 2023، وكان الوثائقي الثاني فيها، وبعد مشاركات تونسية عدة سابقا في تظاهرات موازية في كان، تأتي هذه المشاركة اليوم لتكون الثانية في المسابقة الرئيسية بعد فيلم “قصة بسيطة كهذه” (1970) للمخرج طارق بن عمار.

ورغم أن الفيلم لم يخرج بجائزة فيها، فقد نال “العين الذهبية” التي تذهب لأفضل وثائقي، مناصفة مع المخرجة المغربية أسماء المدير عن فيلمها “كذب أبيض” الذي شارك في تظاهرة “نظرة ما”، كما حظي الفيلم بجائزة “العمل الإيجابي”.

حميمية بيت العائلة.. مسرح يستعرض الذاكرة والأمومة والتربية

تحاول المخرجة أن تبني قصة عن الذاكرة والأمومة ودور التربية في مجتمع ذكوري، لتبدو من خلال هذا صورة تونس المنقسمة بعد الثورة بين العلمانية والتطرف الديني.

البنتان آية وتيسير اللتان بقيتا مع أمهما في المنزل

تدور الأحداث في مكان واحد مغلق، هُيّء بتقسيماته وديكوره البسيط وألوانه الزاهية ليعبّر عن حميمية بيت عائلي، ويصلح بهذا ليكون مسرحا للقاءات ونقاشات واستعادات للذاكرة، ويخلق أجواء أليفة تبثّ طمأنينة وشيئا من دفء وأمان يحثان على البوح. كأن المشاركات في بيتهن وليست في مكان تصوير.

من المشهد الأول يبدأ التعريف بين الأم وبنتيها من جهة، وبين الممثلات اللواتي سيقمن بأدوار محددة من جهة أخرى. فتحلّ الممثلة التونسية هند صبري مكان الأم، حين يصعب عليها تصوير مشاهد معينة تتعلق بذكريات أليمة، وتعوّض ممثلتان شابتان مكان الأختين الغائبتين غفران ورحمة.

إعادة تركيب العائلة.. بدايات مفتعلة تصل إلى بر واقعي

ركّبت المخرجة عائلة جديدة لتعيد معها خلق تجربة مدمّرة للأم بفقدان ابنتيها البكر، وللأختين الباقيتين بالحرمان منهما، وسرعان ما تآلفت الشابات الأربع في هذا التركيب الغريب، بدا هذا واضحا من انطلاق آية وتيسير بالكلام والإجابات المطوّلة الصريحة على تساؤلات الممثلتين حول ماضيهما وعلاقتهما مع الأم، ومع أختيهما غفران ورحمة.

اتُّخذت الممثلات إذن وسيلةً لحثّ النساء الثلاث على كشف تفاصيل عدة عن حياتهن، إما من خلال الحوار واستعراض الذكريات، أو عبر مشاهد أعيد فيها تمثيل بعض الأحداث المحورية.

لكن الأمر بدا في البداية مفتعلا، لا سيما مع الأم التي لم تكن طبيعية، وحاولت أن تلبس دورا قررته لنفسها. دورٌ كانت ربما قد لعبته طويلا مع الصحافة فيما سبق، هي نفسها شبّهت ضاحكة دورها بدور الشخصية “روز” في فيلم “تيتانيك” (Titanic) للمخرج “جيمس كاميرون” (1997).

الممثلة هند صبري رفقة الأم ألفة التي هربت بناتها مع تنظيم داعش إلى ليبيا

ومع التقدم في مسيرة التصوير بدت أكثر طبيعية وصدقا، وإن لم تقنع تماما، فقد كانت التساؤلات دائما هنا حول ما إن كانت هذه هي، أو أنها انجرفت في لعبة التمثيل، والردّ كما يفترض بها أن ترد في لعبة يحاول الجميع فيها إبداء ذكائه وقدرته على التحايل، إما في طرح الأسئلة، أو في الإجابة عليها، لكن الوصول للحقيقة يكون أحيانا عبر الكذب، وهو قد يعبر أيضا عن خبايا شخصية ما.

ألفة.. أم تقليدية ورثت قسوة في تربية بناتها

لم تكن حياة ألفة يوما سهلة كما تكشف في الفيلم، فقد عملت وحدها لتربي بناتها، وهي تحمل تناقضات كثيرة في شخصيتها وأقوالها، ورغم قوتها وذكائها، فإنها لم تنجح في بناء أسرة متماسكة مع أي رجل، ربما بسبب صفاتها القوية في مجتمع تقليدي ذكوري.

تعترف هي نفسها أنها كانت أكثر ذكورة من زوجها، وقسوة في تربية بناتها. بعض المشاهد أظهرت قسوتها، حين لم تحتمل القول الصريح من بناتها بخصوص تربيتها لهن، وهنّ استغللن فرصة الفيلم لإخراج ما في القلب عنها، وإن فعلن هذا بأسلوب رقيق ومحبّ.

لقد شكّل الرباعي (أي الأختين والممثلتين) فريقا أكثر إقناعا من فريق الأم وهند صبري في تمثيل الحياة السابقة للعائلة، وبالعودة إلى الذكريات والحديث عن شخصية غفران ورحمة، وكيف انتقلتا من تطرف لآخر، وتحولتا من فتاتين تهتمان بالخروج والموسيقى الصاخبة والملابس اللافتة للنظر إلى متطرفتين.

الممثلة هند صبري في دور الأم التونسية ألفة القاسية

كانت الأختان تصوران بدقة هذا الانجراف التدريجي لأختيهما الغائبتين، تتذكران أحاديثهما ومحاولاتهما للتأثير عليهما لدفعهما في نفس الاتجاه.

مشاهد الحوار.. مخبَر لتحليل ما في أعماق النفوس

بدا المكان المغلق كأنه مخبر لتحليل شخصيات وأقوال وسلوك. يمكن القول إن وجود الممثلات ساعد على البوح والكشف، لكن يبقى التساؤل عن مدى الإخلاص في أقوال العائلة، وهي قد وضعت في إطار تمثيلي ليس واقعيا بالكامل. لا سيما عبر المشاهد المركّبة التي مثّلتها الشابات الأربع كمشهد عذاب القبر، أو تلك التي مثلتها هند صبري كمشهد لقاء ألفة مع زوجها (الممثل مجد مستورة).

كانت المشاهد الحوارية أكثر إقناعا، سواء بين الأم والبنتين، أو بين الشخصيات الست، لتظهر قصص حميمية، وخفايا أسرة وأم قامت بدور ذكوري لحماية بناتها حسب تبريرها، ودور التربية في الانحراف، ورغبة الفتيات في التمرد والانفصال عن هذه السلسلة التي لا تنقطع بين أم تربت بطريقة قاسية، وتربي أولادها بنفس الطريقة.

إلى أن يجيء جيل سيكسر هذه الحلقة، إما على نحو مثمر كما يبدو مع آية وتيسير، أو بائس كما جرى مع غفران ورحمة.

ابنة رحمة في سجون ليبيا.. إثارة تعاطف غاب عن الفيلم

كان ثمة شعور في الفيلم أن بعض المواقف تجاوزت المخرجة والممثلين، وأن من يسيطر على الفيلم هم الأشخاص الحقيقيون. تجلّى هذا من بعض ردود أفعال على مواقف الأم حين عنّفت إحدى ابنتيها، وكذلك من مواقف الممثلات اللواتي كن يبدين اندهاشا مما يُسرَد أمامهن من سلوك العائلة.

الفيلم في موضوعيه المتداخلين والمتشابكين لا يقدم جديدا لمشاهد عربي أشبع بحكايا الإرهاب وأهله، لكنه قد يوضح الصورة لمشاهد غربي عن مجتمع أفرز هذه النماذج. هذا مضمونا، أما شكلا، فهو وإن كان مبتكرا في أسلوبه الذي يمزج بين الواقعي والروائي على نحو فيه جدة، فهو لم ينجُ من افتعال في تمويه شخصيات واقعية، ووضعها في لعبة ومواقف مربكة، تتطلب منها أن تُعرّي نفسها، أو تظهر كما يتوقع منها أن تكون.

الأهم أن ظهورا عابرا لابنة رحمة الصغيرة في السجن في ليبيا، ونظرتها البريئة في عالم لا ذنب لها فيه، مع أمها المسجونة من قبل السلطات، كان وحده كفيلا بإثارة كل تعاطف غاب طوال فترة الفيلم مع كل أشخاصه وشخصياته.