“ترانيم أرضية”.. قصص من القيود والرقابة والتزمت من داخل إيران

لا تنفك السينما الإيرانية تقدم مفاجأة سينمائية تلو أخرى، تتميز بالجرأة في النقد والبراعة في العرض والتصوير، رغم كل ما يحيط بصناعة السينما داخل إيران من قيود وعقبات ورقابة صارمة مشددة.

ولعل خير مثال على قدرة هذه السينما على التجدد والجرأة الفيلم الأحدث الذي مثّل إيران في مهرجان كان السينمائي الماضي، حيث عرض في تظاهرة “نظرة ما”، ويحمل عنوان “ترانيم أرضية” (Terrestrial Verses)، وقد اشترك في إخراجه شابان هما “علي أصغري” و”علي رضا خاتمي”.

عنوان الفيلم مستمد من قصيدة الشاعرة الإيرانية “فروغ فرخزاد” التي توفيت عن 32 عاما عام 1967 في حادث سيارة، وعرفت بكتابتها للشعر، حتى اعتبرت أهم شاعرة إيرانية.

الفيلم مُصاغ في سياق “وثائقي”، وهو أقرب ما يكون إلى ما يسمى بـ”الدوكيو-دراما”، أو الدراما الوثائقية، أي إعادة تمثيل ما حدث في الواقع، مع بعض المبالغات الفنية. من جهة أخرى يتخذ الفيلم منحى القصيدة وبناءها الذي يتكون من أبيات ومقاطع شعرية، فهو يميل إلى التكرار ليس في المحتوى، بل في مسار السرد، وجعله مطردا متعاقبا يكاد يروي نفس القصة، لكن على مستويات مختلفة، ومن خلال شخصيات وتفاصيل مختلفة، وتتخذ كل قصة منها إيقاعا واحدا، ولغة بصرية موحدة.

يتكون الفيلم من 11 مقطعا، وهي عبارة عن مدخل وخاتمة و9 فصول (أو مقاطع)، يتراوح زمن كل منها بين 6 إلى 9 دقائق، بحيث يصل زمن الفيلم كله إلى 77 دقيقة، وهو زمن مناسب تماما لتوصيل المعنى المراد إلى المشاهد دون إرهاق أو إثقال.

هجاء ساخر.. إحباطات الحياة اليومية في طهران

هذا فيلم آخر هجائي ساخر عن إحباطات الحياة اليومية كما يواجهها أناس بسطاء في مجتمع طهران من قبل سلطة قاهرة، تتحكم في رقاب الجميع، لكن النقد الاجتماعي ليس مصاغا في صيغة هجومية مباشرة، فهو يتميز -شأن سائر أفلام السينما الإيرانية الجديدة- بسيناريو رفيع المستوى مكتوب ببراعة.

ينتقل السيناريو من فصل إلى آخر ليبدو وكأنه يقلب صفحة أو ينتقل إلى شطرة جديدة، يبوح فيها لنا بما يكمن في الصدور من غضب واحتجاج وتمرد، لكن من دون انفعالات صاخبة مباشرة، بل يمكنك أن تلمح كل هذا الغضب والاحتجاج من تحت السطور، وعبر الحوارات العبثية، ومن بين طيات الصورة.

بوستر فيلم “ترانيم أرضية”

أما الصورة فهي تتكثف في لقطة متوسطة أو عامة متوسطة مصورة بكاميرا ثابتة، تُظهر جانبا من المكان، لكنها تركز على الشخص الذي يواجه شخصا آخر لا نراه على الناحية الأخرى من الكاميرا، يُفترض أن يكون أحد المسؤولين البيروقراطيين في مؤسسات الدولة، وهو يسمح لنفسه بالتدخل في أدق خصوصيات الفرد الذي يستجوبه لسبب أو لآخر، كما لو كان ضابطا من ضباط الأمن، في حين أن الجالس أمامه جاء إما لإنجاز معاملة بسيطة عادية تماما، أو للشكوى، أو بناء على استدعاء لسبب أو لآخر.

“ديفيد”.. مولود تتدخل السلطة في اسمه

مثلما هو شأن الأعمال الفنية الأصيلة، يبدأ الفيلم من الميلاد، ثم يتدرج إلى الطفولة والمراهقة والشباب، ثم ينتهي إلى الشيخوخة ومن ثم الموت، ويتخذ كل مقطع من مقاطعه التسعة اسما هو اسم الشخصية التي نراها فيه.

أما المدخل فهو عبارة عن تصوير من بعيد لمدينة طهران كما تبدو اليوم، بفوضاها وضجيجها وزحامها وكثافة سير السيارات فيها، وهي لقطة بانورامية عامة بالشاشة العريضة، لكن الفصول التالية مصورة طبقا للمنسوب التقليدي القديم للشاشة الضيقة من مقاس (4 إلى 3)، والهدف هو الإيحاء بالاختناق بأجواء القهر والقمع والزنازين ومكاتب الاستجواب الخانقة.

في الفصل الأول أو القصة الأولى نرى رجلا يريد تسجيل مولوده الذكر الجديد تحت اسم “ديفيد”، وهو يخاطب موظف التسجيل البيروقراطي الذي لا نراه، لكننا نسمع صوته ونتابع حواره المراوغ للرجل، وهو يرفض قبول إطلاق اسم “ديفيد” على المولود الجديد، بدعوى أن اللوائح تحظر ذلك، والحكومة لن توافق على إطلاق اسم أجنبي على طفل إيراني، لكن الرجل يلح ويترجى ويصر على أنه وزوجته استقرا على اسم “ديفيد”، بينما يطلب الموظف منه اختيار اسم آخر مثل “علي الحسين” أو “محمد”، فيجيبه بأن هذه الأسماء هي أيضا أسماء عربية وليست إيرانية.

ولعل ما يفجر الكوميديا من المشهد هو الذرائع التي يسوقها الموظف لرفض الاسم، ثم حجج الأب، فهو يقول للموظف مثلا إن ديفيد هو نفسه داود في القرآن، وبالتالي ليس اسما أجنبيا أو غريبا، وتستمر المحادثة العبثية. الرجل يكاد صبره ينفذ، لكن الموظف الذي لا نراه، يبدو ثابتا عنيدا مصرا، لا يهتز ولا يتململ.

“صدف”.. ماذا لو خلعت الحجاب داخل بيتي؟

في المقطع الثاني نرى طفلة في الثامنة من عمرها داخل مكان قياس الملابس في أحد المحلات، حيث تشتري لها أمها ملابس جديدة للمدرسة، وهي ترتدي قميصا منقوشا عليه صورة “ميكي ماوس”، وترقص على نغمات الموسيقى الغربية (البوب)، تستمع إليها بواسطة سماعات. تسألها الأم عن الملابس الملائمة لها، ثم تتدخل البائعة لتخبرها بأنها لا تستطيع ارتداء ملابس بهذه الألوان التي تحبها، ثم تقدم لها ملابس فضفاضة وحجابا، لتبدو في نهاية المشهد في صورة مخالفة تماما.

الفتاة الإيرانية التي تريد الحصول على وظيفة لكنها تتعرض للتحرش

في القصة الثالثة نرى فتاة عشرينية تدعى “صدف”، تحقق معها موظفة عمومية، فقد ضبطتها كاميرات المراقبة وهي داخل سيارتها بعد أن خلعت الحجاب، وهي تجادل بأنها لم تخالف القانون لأنها كانت داخل مكان خاص هو السيارة، لكن الموظفة لا تقتنع ولا تريد السماح لها باستعادة سيارتها التي صودرت، لكن ماذا لو وقفت في النافذة داخل بيتي وخلعت الحجاب، هل هذا يعتبر أيضا مخالفا للقانون؟ نعم، إذ يمكن لأحد أن يراكِ، لكني ليس لي شعر؟ فهي قد حلقت شعر رأسها على نحو يذكرنا بالاحتجاجات النسائية الماضية في إيران.

ويستمر الحوار دون جدوى بالطبع، إلى أن تنصرف الموظفة لتسأل زميلتها عن نوع الطعام الذي ستتناوله في وجبة الغذاء، بحيث تخرج من الجدل حول موضوع لا يهمها، وتتألق في هذا المقطع من الفيلم الممثلة الشابة “صدف أصغري” ابنة أخي “علي عسكري”، وهو أحد مخرجي فيلمنا هذا، وكانت قد قامت ببطولة فيلمه الأول “اختفاء” (Disappearance) الذي أنتج بتمويل قطري، وعرض في دورة مهرجان البندقية السينمائي عام 2017.

مأساة المواطن.. قصص من الصراع اليومي في إيران

في القصة الخامسة نرى شابا يريد تجديد رخصة قيادة، لكنه يواجه موظفا جامدا، يلمح بعض الوشم على ذراعه، فيطالبه بكشف ذراعيه ثم صدره، لكن الشاب يقول إن المنقوش على جسده ليس سوى أبيات من أشعار “جلال الدين الرومي”، وأنها غير مخالفة للقانون. لكن الموظف يمضي في طلباته الفظة، ويأمره بنزع قميصه ثم باقي ملابسه، وكأنه يتلذذ، ليس فقط بتعذيبه وإهانته، بل بالتطلع إلى جسده، دون أن يستجيب لطلبه في نهاية الأمر.

وتذهب امرأة إلى قسم الشرطة تبحث عن كلبها الذي خرج إلى الشارع، فأخذته دورية شرطة تصطاد الكلاب الضالة، لكن الشرطي ينفي وجوده في القسم، ثم يعرض عليها أن تأخذ كلبا آخر بديلا له، بيد أنها ترفض ذلك، لأنها تعرف أن أصحابه يمكن أن يأتوا للبحث عنه. هذه القصة بالطبع تتخذ طابعا فكاهيا فيه الكثير من الطرافة في الحوار، شأن جميع أجزاء الفيلم المكتوبة جيدا، والتي تتميز بالأداء التمثيلي الرفيع.

في قصة أخرى نشاهد فتاة مراهقة تتعرض للاستجواب والتوبيخ من جانب مديرة المدرسة، بدعوى أنها ضبطت وهي تركب دراجة نارية مع صبي، ومهما قدمت من ذرائع وأسباب، تصر المديرة على معاقبتها، لكن الفتاة تلوح أخيرا بالورقة التي في حوزتها، وهي أن لديها ما يدين مديرة المدرسة بسبب تصرف شائن صورته بكاميرا المحمول من وراء ظهرها.

الفتاة الإيرانية التي حلقت شعر رأسها

موضوع الحجاب يأتي على نحو معاكس في قصة أخرى لفتاة تمر باستجواب من جانب مدير شركة تقدمت للعمل بها، وهو يسألها أسئلة شخصية تماما بعيدة كل البعد عن موضوع الوظيفة ومتطلباتها، ثم يطلب منها أن تخلع حجابها، أن الحجاب ليس مهما هنا، وإن من مهام وظيفتها أن تستجيب له، وأنه هو الوحيد الذي يمكنه أن يسند إليها الوظيفة، وأنه موافق على أن تنهي العمل وتعود لبيتها في الرابعة بعد الظهر، لكن عليها أن تقدم التنازلات المطلوبة، وهي ذات طبيعة جنسية. فلا تجد مفرا سوى مغادرة المكان.

تمزيق السيناريو.. مقص الرقيب يلاحق المبدع السينمائي

القصة الأخيرة تعني عمل المخرج السينمائي في إيران ومعاناته مع الرقابة، وتبدو كما لو كانت تعليقا على ما حدث للمخرج “علي رضا خاتمي” نفسه (أحد مخرجي هذا الفيلم)، فقد تعرض فيلمه السابق للرفض من جانب الرقابة.

هنا نرى مخرجا شابا، يريد التصريح بتصوير فيلم عن والدته التي تتعرض للضرب على يدي والده، فيطلب منه مسؤول في الرقابة “حذف” 16 صفحة من السيناريو، معترضا على تفاصيل كثيرة في السيناريو، وعلى كثير من الشخصيات والمشاهد تحت ذرائع مختلفة تشي بحالة الارتياب التي تنتاب الرقباء ضد أي شيء يتصورون أنه يمكن أن يكون مخالفا للاستقامة الدينية أو السياسية.

المخرج السينمائي علي رضا خاتمي الذي طلب منه استبعاد الكثير من فيلمه

فهو يعترض مثلا على أن ينتهي الفيلم بقتل والده، بل إنه يطلب منه في وقت ما أن يتخلى عن مشروع فيلمه، ويصنع فيلما عن إحدى قصص القرآن، وعندما يبدي المخرج موافقته ويختار قصة سيدنا يوسف ويقول إنه يمكن أن يصورها كما جاءت في القرآن تماما، ينزعج الرقيب، وينتهي الأمر بأن ينتزع المخرج صفحات عدة من السيناريو، ويلقي بها في سلة القمامة، حتى لا يبقى سوى بضع صفحات لا تصلح لعمل أي فيلم.

نصل في النهاية إلى صورة توحي بالشيخوخة، بنهاية المسار أو الحياة حينما تتركز الكاميرا على الممثل “أردشير كاظمي” الذي عرف في وقت ما بأنه أكبر ممثل في السينما الإيرانية، وأنه من مواليد عام 1920 (أي يفترض أن يكون قد تجاوز المئة عام)، لكن الحقيقة أنه من مواليد 1938 كما أكد هو نفسه في حديث معه.

غباء السلطة.. سخرية الضحايا من المتسلطين الفاسدين

رغم أننا لا نرى الشخصيات الأخرى التي تمثل السلطة، فإن الفيلم لا يفتقد للإثارة والمتعة، فهو يضع المشاهد داخل الموضوع، بحيث يبدو كما لو كان في قلب المشهد، مع براعة خاصة في اختيار المواضيع المختلفة من الحياة اليومية، كما استمع إليها كاتب السيناريو من أصدقائه ومعارفه، وكلها قصص وحكايات وتفاصيل تبدو شديدة الواقعية، فيها كثير من المفارقات المضحكة التي تصل إلى حد العبث والهزل.

السلطة -كما تبدو في الفيلم من خلال الذين يمثلونها- إما فاسدة أو سادية تتلذذ بقهر المواطنين، أما القوانين التي تتذرع بها فهي مجرد وسيلة أو غطاء لتبرير التحكم في رقاب الناس والسيطرة عليهم، يشلهم الخوف، ورغم ذلك هناك بصيص من الأمل في الفيلم، يتمثل في طاقة الغضب التي تدفع “الضحايا” المفترضين للرد بقوة، والسخرية من ممثلي السلطة، وقلب الطاولة على رؤوسهم أيضا.

“ترانيم أرضية” عمل سينمائي شديد القوة والإحكام. لا توجد فيه لحظة واحدة زائدة، مثل أي لوحة فنية، ورغم بعض المبالغات في الأداء وفي التداعيات الحوارية، فإنها تبدو رغم ذلك واقعية تماما، تكشف غباء السلطة كما تشير إلى ضعفها وهشاشتها.