“بيت صامت”.. لوحة مؤثرة لعائلة إيرانية تقليدية تختزل تاريخ البلد

في سرد شخصيّ للغاية نسج “البيت الصامت” (Silent House) للأخوين “فرناز” و”محمد رضا جُرابشيان” (2022) لوحةً غنية من تاريخ إيران الاجتماعي والسياسي. البيت قصرٌ صغير في طهران شهد حياة ثلاثة أجيال من عائلة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة العليا على مدى عقود، منذ ما قبل الثورة وحتى اليوم. مكان هو قلب القصة، يعبره أفراد ويبقى هو شاهدا على شريط عُمر حافل بالأتراح والأفراح، ينغلق على حكايات وأسرار، ينكشف بعض ويظلّل الكتمان مصير بعض آخر.

تمكّن صانعا الفيلم الإيرانيان من الاعتماد على محفوظات غنية من صور وأفلام التقطها أفراد العائلة، عائلتهما منذ زمن الشاه، ودعمتها مقابلات مع الأقارب قاما بها، لتشكّل هذه المواد الشخصية المتزامنة مع أحداث تاريخية عصفت بالبلاد لوحةً مؤثرة لعائلة تقليدية، لا سيما منذ عام 1979، وهو عام الثورة الإيرانية.

كانت العائلة تحبّ التصوير، تصوّر وتصوّر، تجمع أشرطة وصورا ليتراكم فيها تاريخ كامل لأناس من ذاك الزمان. ثمة هوس بالتصوير حتى عند الموت ورحيل أحد أفراد العائلة، وكأن الكاميرا عازل بين حاملها وبين الموت، يخفف الحزن على رحيل الأحباب.

عودة الخال.. بقايا رجل حزين عاش 40 سنة في الغربة

بدت الكاميرا سلواناً للمخرجين “فرناز” و”محمد رضا” خاصة، تلهي بحضورها عن التفكير بالمصاب، وتعين على تحمّل الأوجاع، تجلّى ذلك حين رحل الخال، فقد كان صامتا على الدوام حزينا مكتئبا، عاد بعد غياب أربعين سنة إلى الوطن، ترك عائلته في ألمانيا وجاء.

لا أحد يعرف السبب، لم يسأله أحد، لم يلحّوا عليه بالحديث، واكتفوا بفرحتهم به، لكنها فرحة لم تدم طويلا، كانت الكآبة العميقة تنهشه، لا ينطق إلا كلمة أو كلمتين ويعود إلى صمته، يتمتع بدفء العائلة فحسب.

هي قصة عوائل أخرى، هي قصة وطن يغادره أبناؤه، هؤلاء الذين يعودون، وهؤلاء الذين يغيبون عقودا ولا يسألون. إيران مثلها مثل كثير من الدول، غادرها مُتعبون باحثون عن حياة أخرى في الغرب “السعيد”.

كأن السينما تحوّل الحزن إلى شيء جميل، تذكّر بألم مستقر، إنما بحنان وشجن، كأنها كذلك مساهمة لإبراز حياة فرد ذهب دون أثر، وها هي ذي تمنحه الأثر ومعه التقدير. كأن الجدّ تلمّس الأمر في وقت مبكر جدا حين قرر شراء الكاميرا، فقد شعر بأهمية هذه الأشياء التي تترك أثرا وتخلّد ذكرى.

إرث الجد.. شاهد على التاريخ يروي قصة العائلة

كان الجدُّ الطموح قد تزوج فتاة تنتمي لعائلة ثرية ومتدينة من طهران، هكذا كان الصعود الاجتماعي أقل مشقة، فقد أصبح رجل أعمال غنيا، ثم انتهى به المطاف مقيما في نفس منزل زوجة سابقة للشاه غير معروفة، فقد اشترى منها هذا القصر الصغير، وأدخل عادة التصوير إلى العائلة، فعبر الصور نعرف الناس أكثر كما كان يردد. لأننا بكل بساطة حين ننظر إليها نتمعن فيها، نكتشف ابتسامة هذا ونظرة ذاك، غياب هذا وحضور ذاك، نتعرف على عصر احتفالاته وعاداته، أهميتها ونوعيتها.

كان الجدّ بعيد نظر، وها هم الأحفاد يتولون المهمة بعده وبعد أمهم التي هي ابنته، إذ يحمل الأخوان “فرناز” و”محمد رضا” الكاميرا منذ صغرهم، يجمعان الصور والشرائط، القديم منها والجديد، يعرضانها في الفيلم على نحو عشوائي أحيانا، غير مرتبط بتسلسل زمني، بينما بعض الأفلام المصورة بالفيديو تهتز بين أياديهم الصغيرة.

يتداخل الماضي مع الحاضر لإعادة بناء تاريخ العائلة، جدران القصر تحتفظ بالأسرار، وتأمل هذه الصور لا يكشف الكثير، تبقى أمور تدور خارج الكاميرا، قد يستدلّ على أثر منها فيما بعد من صورة ما أو عبارة عابرة، أو لا يستدل.

المخرج في باريس أمام ملصق فيلم “البيت الصامت”

قصص عدة ومحفوظات مليئة بصور رائعة تتشابك، من الخاص يعبر الفيلم إلى العام، يعطي فكرة عن أحداث بلد، كالثورة مثلا. لقد صادرت الثورة المنزل، وأصر الجدّ على إعادة شرائه من جديد، لارتباطه الروحي به. كانت هذه أولى “البشائر”، ثم تأتي الحرب العراقية الإيرانية، فتترك أثرها المدمّر على هذه العائلة وعلى عوائل كثيرة.

الأم الثائرة.. ذكريات سقوط الشاه وصدمة الثورة

يركز الفيلم على الجدة والأم، فهما دعامتا العائلة، وقد بدتا في مشاهد عدة وهما تصليان، وكأنه تأكيد على إيمان أو على يوميات في منزل، حيث صلاة الجدة فيه والأم جزء من عاداته، كما تظهران أيضا في مشاهد من لمّ الشمل العائلي ولقاءات مبهجة في الأعياد والمناسبات.

شخصيات الفيلم متعددة وغنية، منها الأمّ القوية التي تدير البيت بحزم ومقدرة بعد وفاة الأب المبكرة، لتتحمل المسؤولية وتعمل وتبني ملعبا للتنس في القصر لتؤجره، إلى أن يصل الأخ من الحرب، لكن الواقع أنه لم يعد هو نفسه، لقد صار شريرا وعاقا، منعزلا وعدوانيا، يريد الاستفراد بالبيت، ويتجسس على أصحابه.

كانت الأم من المتحمسين للثورة، بل شديدة الحماس، لقد أعطتها الثورة دورا وساعدتها على إيجاد ذاتها وإخراج مواهبها الكامنة في التصوير، في الاستقلالية عبر العمل. إنها من جيل الخمسينيات الذي ملأته الروح الثورية، هي في الأصل من أسرة متدينة، واظبت على الدين، لكنها لم تواظب مع الثورة.

نسرين والدة المخرجين في البيت العائلي في طهران

كانت شابة حينها، فخورة بالثورة، التقطت اندفاع الناس في الشوارع هاتفة ومطالبة برحيل الشاه ومعلنة الثورة عليه، صورت الفرحة على الوجوه، وأولهم وجهها هي، تصورت وهي مزهوة بزيّها العسكري، كانت ثورية قبل أن تأتي خيبات الأمل، لكن الفيلم لا يثير تغيرها ونظرتها الجديدة للثورة إلا عبر جمل قليلة لم يطورها، ربما خشية المنع.

لقد خيبت تلك الثورة آمالها فيما بعد كما فعلت مع كثيرين، إنها صورة لجيل انطلق بكل توجهاته متحمسا مع انطلاقة الثورة، وضع فيها كل حيويته وآماله، وانتهى به الأمر إلى الانكفاء بعيدا عنها. لم تترجم الثورة تطلعاته، كانت ضرورية، لكنها لم تخلص لتطلعات أبنائها.

مسحة الشجن.. تداعيات الحرب وتهالك الذكريات

يشهد الفيلم على الثورة وتداعيات الحرب العراقية الإيرانية، ورحيل أفراد من العائلة، و”جنون” بعض آخر، وبيع مرتع الذكريات وتهالكه أمام الأحداث، على شجن عائلي وحزن، وعلى مصير بلد، على إصرار اختطاف أوقات من سعادة مع اجتماعات الأسرة الكبيرة في هذا القصر الصغير، وعلى أمّ إيرانية مثابرة أمام ضربات القدر، مع إصرار على المقاومة تجلّى في قرارات حازمة، كافتتاح مكتبة، والترشح للانتخابات الرئاسية عام 2009.

تسود الفيلم على الدوام مسحة من شجن مؤثر يدعمها صوت المخرجة وهي تُعلّق على الأحداث والأشخاص، وسنرتبط مع أشخاصه ونتفاعل مع أحداثه، على الرغم من الارتباكات وبعض الفوضى في الإخراج والمونتاج.

المخرج محمد رضا جُرابشيان خلال اللقاء مع الجمهور مع مدير المهرجان المخرج نادر همايون

لقد اختار المخرجان أن يبقيا خارج الصورة، فهما لا يظهران إلا فيما ندر، قد نسمعهما في تعليق على كلام أو لطرح سؤال أو توجيه حديث، لا سيما للجدة التي كانت تكتفي ببعض العبارات القليلة الدالة في كثير من الأحيان.

عرض الفيلم.. إيران ليست على خارطة الطريق

ساهمت في إنتاج فيلم “البيت الصامت” عدة دول وهيئات من إيران إلى كندا مرورا بقطر (الجزيرة الوثائقية) والفلبين وفرنسا، بات الحصول على التمويل طريقا طويلا، كأنها مسيرة محارب لا تنتهي هنا، بل ستتبعها مسيرة أخرى لتوزيع الفيلم، ولن تكون إيران على الطريق.

لا نية للمخرج حاليا بطلب تصريح بالعرض هناك، لأن الفيلم بكل بساطة لن يحصل عليه. يأمل “جُرابشيان” باقتراب الموعد ليراه كل بيت في إيران، لأن هذا البيت يمثل كل بيت في إيران.

فيلم “بيت صامت” دعوة لمشاهدة حياة وموت أفراد وأمكنة لم تعد لأصحابها، وتاريخ بلد انعكس على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان على هؤلاء الأفراد وتلك الأمكنة.