“حانة البلوط القديم”.. صراع ضد اللاجئين السوريين في بلدة إنجليزية مهمشة

يمكن أن يلعب المكان برمزيته دورا رئيسيا في دراما مشبعة بالأفكار السياسية، عن العلاقة الملتبسة بين سكان بلدة إنجليزية في شمال إنجلترا، وبين اللاجئين السوريين الوافدين، بحيث يكشف الصراع الدرامي عن أبعاد أخرى أكثر عمقا، ترتبط بالسياسة التي أفقرت السكان، ودفعت بهم إلى الهامش، وجردتهم من روح التضامن الجماعي.

هذا تحديدا ما يرصده الفيلم الجديد “حانة البلوط القديم” (The Old Oak) للمخرج البريطاني المخضرم “كين لوتش” (86 عاما)، وهو يستند إلى سيناريو كتبه “بول لافيرتي” رفيق العمل معه أكثر من ربع قرن، واقتبسه من قصص حقيقية، وثّقها من واقع ما حدث في أكثر من بلدة ومدينة، بين السكان الإنجليز واللاجئين السوريين.

يمنح الفيلم تلك القصص دلالات ترتبط بالفكرة التي تلح على المخرج “كن لوتش” منذ فيلمه “صالة جيمي” (Jimmy’s Hall) الذي أخرجه عام 2014، وكان يستخدم أيضا المكان الذي يراه قد أصبح يجسد التفرقة والتدهور الاجتماعي، قبل أن يستعيد دوره القديم رمزا للتضامن الاجتماعي والفهم المشترك، ومواجهة العنصرية الكامنة التي تعلن عن نفسها، تحت وطأة الظروف الاقتصادية القاسية، والمقصود بالعنوان “شجرة البلوط” المعروفة بقوتها وصمودها في وجه الزمن.

لكن حانة “البلوط القديم” التي يجتمع فيها رجال القرية العاطلون عن العمل تدنت حالتها وتدهورت، وأصبحت شبه مهملة، توجد في الخلف منها قاعة أصبحت في حالة رثة، بعد أن كانت مزدهرة في الماضي، لكنها ما زالت شاهدة على تاريخ البلدة الواقعة في شمال شرقي إنجلترا، وكانت في الثمانينيات تضم مجتمعا من عمال المناجم الذين قضت على صناعتهم سياسة حزب المحافظين بزعامة “مرغريت تاتشر”.

“تي جي”.. مالك الحانة المتضامن مع العمال “الأجانب”

من اللقطات الأولى ذات الدلالة البصرية في الفيلم لافتةٌ مائلة تحمل اسم الحانة، ثم يحاول صاحب الحانة “تي جي” أن يعدل وضعها، ليصبح الاسم مقروءا، لكن محاولاته تفشل دائما وتظل اللافتة مائلة.

هناك صور فوتوغرافية كثيرة معلقة فوق جدران القاعة القديمة المهملة داخل الحانة. إنها صور عمال المناجم من البلدة مع عائلاتهم ورفاقهم، وهم يحتفلون ويصرون على الصمود والتآخي، وكانوا يرون أن اجتماعهم وتناول الطعام معا مرة كل أسبوع كفيل بدعم قدرتهم على الصمود ومواجهة الشدائد.

الآن لم تعد الأمور توحي بالتآخي الاجتماعي بين أبناء طبقة العمال كما كانت، بل فاحت روائح العنصرية ضد “الأجانب” مع وفود عدد من اللاجئين السوريين على القرية، حيث منحتهم السلطات مساكن للإقامة.

يتضامن معهم مالك الحانة “تي جي بالانتين” بفطرته ومن واقع خلفيته الاجتماعية، فهو ينتمي لأب من عمال المناجم الكادحين، وكان قد التحق بالعمل مع والده في مناجم الفحم عندما كان صبيا يافعا، وهو يسارع لتقديم يد المساعدة للأسر السورية الوافدة، بمساعدة الناشطة الاجتماعية “لورا”، لكن الأمر لن يكون سهلا.

ديرهام…. بلدة في شمال شرق إنجلترا ترفض العرب

تدور الأحداث في عام 2016 في بلدة قريبة من مدينة ديرهام بشمال شرق إنجلترا، ويتبنى “كين لوتش” كعادته منهجا واقعيا في الإخراج والتصوير، مع لمسات شاعرية تضفي نوعا من الرومانسية على الفيلم، من خلال استعراض وتأمل الصور الفوتوغرافية القديمة بالأبيض والأسود، ووضعها في مقارنة مع الحاضر، في حنين إلى الماضي يعكس نظرة المخرج “كين لوتش”، صاحب الرؤية السياسية والنقدية الصارمة.

من بين السوريين الوافدين يارا، وهي فتاة شابة تحمل كاميرا فوتوغرافية تعتز بها كثيرا، فقد كانت هدية من والدها الذي يقبع حاليا في المعتقلات السورية، بسبب موقفه السياسي المناهض للنظام الاستبدادي، كما تعتز كثيرا بمجموعة من الصور التي توثق الأحداث في وطنها سوريا.

جاءت يارا مع أمها وأختيها وأخيها، ووجدت نفسها في قلب الغضب الذي انفجر من جانب عدد كبير من سكان البلدة في البداية، فهم يرفضون وجود الوافدين “الأجانب”، ويتفوهون بعبارات مليئة بالعنصرية ضد العرب والمسلمين عموما، وهي صور مستمدة مما تروجه وسائل الإعلام الغربية.

تهميش الحكومة.. مفارقة تجسد تشابه الوضع الاجتماعي

يجسد الفيلم تلك النماذج العنصرية في صورة شديدة الصدق والإخلاص للواقعية، وفي تجسيد درامي مؤثر، كما يعكس من خلالها المفارقة التي تدفع أبناء الطبقة العاملة الفقراء المحرومين، إلى رفض وجود ضحايا الحرب والتمزق السياسي والاجتماعي، بدلا من التضامن الطبيعي معهم.

ويعكس هذا الرفض المباشر من البداية شعورا كامنا بالظلم الاجتماعي، فلماذا إذن تمنح الحكومة منازل ودعما لهؤلاء اللاجئين، في حين أهملت البلدة نفسها عدة عقود، منذ انهيار مناجم الفحم في الثمانينات؟

تي جي ويارا.. علاقة فهم إنساني مشترك

هذا الوجه من الصورة قد يبدو مفهوما في هذا السياق. لكن براعة سيناريو “بول لافيرتي” أنه ينتقل من هذا الوجه الأول إلى الوجه الآخر، الذي يجعل التضامن مع اللاجئين معادلا للتضامن بين السكان، واستعادة الود المفقود فيما بينهم، مع إدراك حقيقة ما يتعرضون له من إهمال وتهميش، مع ارتفاع البطالة وإغلاق المدارس وتدني الخدمات، نتيجة السياسات الحكومية الموجهة لدعم الطبقة الرأسمالية الجديدة.

مالك الحانة.. رجل ذو وعي يرفض اجتماعات العنصريين

يصور الفيلم مجموعة من الرجال المحبطين اجتماعيا، يجتمعون يوميا في “حانة البلوط القديم”، فيشربون وينفثون أحقادهم على الوافدين السوريين، بدلا من توجيه غضبهم تجاه السلطات التي لم تفعل شيئا لهم، ولكن “تي جي” -وهو رجل تجاوز منتصف العمر- بوعيه الطبقي الاجتماعي يسبقهم كثيرا في موقفه.

يتصدى لهم “تي جي” في البداية على استحياء، ثم يقرر تدريجيا أن يردعهم، فيرفض تماما منحهم القاعة الداخلية القديمة لعقد اجتماع يدعون إليه أهل البلدة، للتعبير عن رفضهم العنصري لوجود اللاجئين السوريين.

ومن بين جوانب البراعة في بناء السيناريو بتفاصيله وشخصياته، أنه لا يعامل مجموعة الرجال العنصريين على أنهم كتلة واحدة، فيبرز من بينهم شخصية “تشارلي” الذي كان رفيق كفاح “تي جي” منذ الطفولة، وعمل معه في المناجم، ويفترض أن يكون أكثر وعيا من غيره.

يعاني “تشارلي” من البطالة، ومن إعاقة زوجته التي احتفل بزواجه منها في القاعة الداخلية قبل 30 سنة، فهي عاجزة تجلس فوق مقعد متحرك، وسيأتي وقت يواجهه فيه “تي جي” ويذكره بتاريخه القديم، بعد أن يكون “تشارلي” قد تورط في تدمير أنبوب الماء الذي يغذي الحانة، وقطع أسلاك الكهرباء.

لقاءات التقارب.. نشاط اجتماعي لإذابة الحواجز الوهمية

كان سبب تدمير أنبوب الماء أن “تي جي” قرر أن يعيد فتح القاعة بالتعاون مع يارا و”لورا”، لإقامة لقاء يجمع الأهالي مع اللاجئين السوريين، لكي يتناول الجميع الطعام والشراب معا، للتقريب فيما بينهم، ويتعهد أن يصبح هذا الاجتماع مستمرا أكثر من مرة في الأسبوع، بدعم من منظمات العمل الخيري التي تمثلها “لورا”، ومع تطوع النساء السوريات بطهي وتقديم الكثير من الأطعمة السورية.

لا يحيط الفيلم شخصية “تي جي” بهالة من المجد، فهي ليست شخصية أحادية، بل يشير أيضا إلى مثالبها، فالرجل يعترف في وقت ما عندما تشتد عليه الأزمات وتتراكم الديون، أنه ارتكب كثيرا من الأخطاء في حياته، مما أدى إلى هجران زوجته له، كما أهمل علاقته مع ابنه الذي لم يقابله منذ سنوات.

لكن هذه المعاناة الشخصية تأتي دائما في سياق التدهور الاجتماعي العام الذي نتج عن سياسات الإفقار والإهمال التي تتبناها حكومة المحافظين. فالمخرج “كين لوتش” وكاتبه المخلص “لافيرتي” لا يغفلان قط التعبير عن الغضب والاحتجاج السياسي الذي يميز جميع أفلامهما معا، بل جميع أفلام “كين لوتش” منذ أن بدأ الإخراج في الستينيات.

يارا.. سورية اتخذها العنصريون “كبش الفداء”

من جهة أخرى، يبرز السيناريو شخصية يارا السورية جنبا إلى جنب مع شخصية “تي جي”، بسبب نقاط التشابه بينهم، فهو يحتفظ بكثير من الصور الفوتوغرافية في صناديق داخل القاعة القديمة، من زمن التضامن بين عمال المناجم، وخصوصا في زمن إضرابهم الشهير في 1984.

وتحتفظ يارا أيضا باعتزاز كبير بعدد من الصور لوطنها، لكن الكاميرا التي تسجل بها احتجاجات العنصريين في البلدة، تتحطم أثناء مواجهة حادة بين يارا و”فيك”، وهو أحد العنصريين المعادين للأجانب، ويساعدها “تي جي” في إصلاحها ويعيدها لها، وترمز الكاميرا في الفيلم مع الصور القديمة إلى الذاكرة، تماما كما ترمز الحالة المزرية لحانة شجرة البلوط القديمة إلى ما وصلت إليه الأحوال من تدهور.

يارا الفتاة السورية الشجاعة التي تتصدى للعنصرية

يوصل الفيلم رسالته من خلال الدراما التي تنشأ مع وفود عدد من العائلات السورية إلى البلدة، فيكشف أن سنوات طويلة من الحرمان الاجتماعي والاقتصادي هي التي تنتج التعصب العنصري، فالمحرومون يبحثون دائما عن “كبش” الفداء الذي يحملونه مسؤولية تدهور أحوالهم، ويوجهون غضبهم نحوه.

ومن دون مبالغات عاطفية ميلودرامية يصور الفيلم مجتمع البلدة بتناقضاته، ثم محاولات جمع الشمل والتقريب بين البشر من خلال تلك المبادرة التي يتبناها “تي جي” و”لورا”، وتصبح الحانة رمزا لها، من دون أن يعقد مصالحة مفتعلة مع الطرف العنصري الصغير.

لكنه لا ينسى أيضا “الحالة السورية”، فتأتي الأنباء من داخل سوريا بوفاة والد يارا داخل المعتقل، ثم يبدي أهالي البلدة مشاعرهم الحميمية مع عائلتها، بعد أن رأوا أنها أيضا لم تدخر وسعا في مساعدة كل من يحتاج للمساعدة، وفتحت قلبها للجميع.

أفلام “كين لوتش”.. ثلاثية الإنسان المسحوق في بريطانيا

ليس من الممكن مشاهدة هذا الفيلم في معزل عن الفيلمين السابقين للمخرج “كين لوتش” ذي المواقف الشجاعة في تأييد نضال الشعب الفلسطيني، وتوجيه النقد الشديد للمواقف التي تتخذها الحكومة البريطانية، وهما فيلم “أنا.. دانييل بليك” (I, Daniel Blake) الذي أخرجه عام 2016، وفيلم “معذرة.. حضرنا ولم نجدك” (Sorry We Missed You) الذي أخرجه عام 2019.

وهما مع الفيلم الجديد “البلوط القديم” (2023) يمثلون ثلاثية حديثة عن الإنسان الفرد المسحوق في قاع السلم الاجتماعي في بريطانيا الحديثة، في الفيلم الأول تحت وطأة تدهور النظام الصحي العقيم، وفي الفيلم الثاني تحت وطأة جشع الشركات الخاصة التي تسحق أحلام الفرد.

المخرج البريطاني المخضرم “كن لوتش”

ومن دون أن تذكر في الفيلم كلمة واحدة عن “البريكست”، يمكن أن نلمح في الخلفية الأسباب التي أدت إلى تصويت أبناء الطبقات العاملة الفقيرة للخروج من الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في مدن الشمال الإنجليزية، وخصوصا إذا ما تذكرنا أن الاستفتاء على الخروج كان في 2016، أي في نفس زمن أحداث الفيلم، ومؤكد أن الاختيار ليس اعتباطيا.

أبطال الفيلم.. أداء رصين هادئ ينطق بلسان المخرج

يبرز في الفيلم الأداء الرصين الهادئ المعبر المتمكن للممثل “ديف تيرنر”، وكان قد تألق أيضا في فيلم “أنا.. دانييل بليك”، مع أنه بدا هنا في بعض المشاهد كأنما ينطق بلسان “كين لوتش” نفسه، ويحمل رسالة الفيلم، أي أن الحوار قد يكون أكبر من حدود شخصيته البسيطة.

كذلك نجحت الممثلة السورية (من هضبة الجولان) “إلبا ماري” في تجسيد شخصية يارا التي تعد الوجه الآخر للإحباط، مقابل شخصية “تي جي”، فبينما يعبر “تي جي” عن شعوره بالإحباط بسبب عجز الطبقة العاملة عن تحقيق التغيير في بريطانيا، تتحسر يارا على عجز ثورة الربيع العربي في سوريا عن تحقيق أهدافها، وما أدت إلى التمزق والحرب الأهلية. لكن هذا موضوع آخر بالطبع.