“عايدة عائدة”.. ممارسة حق العودة برماد رفات مُهّرب إلى يافا

“كم هي عنيدة الذاكرة، وذاكرتي لا تتركني بسلام، تملأ مُخيلتي بصور، بكلمات، بألم وحب”.

هذا ما تقوله الكاتبة التشيلية “إيزابيل أليندي” عن الذاكرة، تلك القدرة على الاحتفاظ بمنحنيات الزمن ومُنعطفاته، وفي الفيلم الوثائقي الحديث للمخرجة كارول منصور “عايدة عائدة” (Aida Returns) (إنتاج فلسطين ولبنان وكندا عام 2023)، يبدو حضور الذكرى طاغيا، بوصفها مُعادلا للصمود أمام تعاقب السنوات وتواليها المُتسارع، فحينما تتبدل الوقائع لا يبقى سوى الذاكرة، فتكون حجر أساس يُمكن أن نعود إليه بين الحين والآخر، ليس بدافع الحنين للماضي فحسب، بقدر ما هو فعل مُقاومة.

وهذا ليس بجديد على مخرجة مرموقة وتملك رصيدا مخضرما من الأفلام الوثائقية مثل كارول منصور، فهي تسعى دائما عبر أفلامها إلى طرح بعض الأفكار الإشكالية عن فلسطين واللاجئين وغيرها من القضايا ذات الطابع الإنساني، مما يكشف عن رؤية وهمّ تسعى دوما للتعبير عنهما.

كارول منصور.. مخرجة تحمل رماد والدتها إلى البلدة القديمة

من بين ثنايا الذاكرة وتلافيفها المطمورة، تسرد عايدة عبود والدة المخرجة ذكريات ما قبل النكبة، وتمر بما جرى في تلك الأثناء، حتى تصل لما بعد ذلك من شظايا حكايات لا نُدرك عنها الكثير.

ولأن الحكايات المروية تأبى التوقف، فقد قررت المخرجة كارول بعد رحيل والدتها بأربع سنوات أن تبدأ رحلة مغايرة عن المألوف، فتُعيدها إلى وطنها الذي هُجرت منه أثناء هجوم جحافل اليهود على فلسطين عام 1948، لكن العودة هذه المرة روحية أكثر من كونها جسدية، فقد شرعت كارول بتنفيذ وصية الأم بإيصال رمادها إلى بلدتها القديمة يافا.

عبر هذه الواقعة الذاتية التي تحوي من البُعد الشخصي حيزا لا يُمكن إغفاله، ينطلق الفيلم لما هو أعمق مُقدما سردا موازيا للقضية الفلسطينية، يبتعد عن السرديات السائدة المُتعارف عليها، والتي تُشكل صيحات الحروب وأصوات الطلقات ركنا أصيلا منها، هنا المقاومة بالحكي، فالتعبير عن الرفض يأتي عبر أصعب الطرق وأيسرها، ألا وهو الاحتفاظ بالهوية والذاكرة.

شذرات السرد.. محاور متشابكة ترسم مسار الفيلم

نسج الفيلم سرديته الخاصة مُعتمِدا على ثلاثة محاور متشابكة فيما بينها، حتى نصل إلى لوحة الفسيفساء التي يتشكل منها البناء العام للفيلم، اللقاء في البداية مع المحور الأول الذي يرجع إلى الوراء نحو الماضي باعثا أسئلة شتى عن كيف كان؟ وماذا دار فيه من أحداث؟

تلك الوقائع ستتواصل تلقائيا مع المحور الثاني، حيث مد حبل الوصال بين هذه المرويات الشفهية واليوميات المُعاصرة، إلى أن نصل للمحور الثالث الذي يدور عنه ظاهر الفيلم، وهو المراحل المُتعاقبة لإعادة رُفات “عايدة” إلى موطن ولادتها.

تندمج كل هذه المراحل الزمنية معا في وحدة عضوية واحدة، مشهد من هنا مع آخر من ذاك الزمن، في بنية سردية تستعين بالشذرات المُتلاحقة، وهي دلالة وإشارة ضمنية لكيفية عمل الذاكرة الإنسانية التي تتوالى عليها الذكريات بدون سابق ترتيب، فتطفو بغتة في صفحة العقل الذي يُحولها تدريجيا لأمواج من الصور ذات الأحاسيس المُختلطة.

“لم نأخذ في رحلتنا إلى بيروت إلا حقائب صغيرة”

من خلال مشاهد أرشيفية مصورة مُسبقا، تُطالعنا الدقائق الأولى من الفيلم، فنرى خلالها عايدة أثناء وجودها بمنفاها القسري في العاصمة اللبنانية بيروت، تروي ذكرياتها الشخصية عما قبل وصول الاحتلال الإسرائيلي، إذ تقول بذاكرة حاضرة: توقعنا أن نترك بلادنا فترة مُحددة إلى أن تتحسن الأوضاع، ومن ثم تُصبح العودة مُمكنة، ولم نأخذ في رحلتنا إلى بيروت إلا حقائب صغيرة، فلن نمكث طويلا.

مخرجة فيلم “عايدة عائدة” كارول منصور

وهكذا تستمر عايدة خلال هذا الجزء في سرد ذكريات النكبة، وترك عائلتها مدينة يافا بعد احتلال العصابات الصهيونية لمساحات شاسعة الأطراف من فلسطين، ثم تنتقل لرواية ما سبق هذه الحرب من ذكريات الدراسة في القدس، وتكشف عن ثقافة عميقة وإتقان للغات الإنجليزية والفرنسية بجانب العربية اللغة الأم، وهي نتيجة تلقائية للدراسة في ذلك الوقت، مما يؤكد تطور النظم الاجتماعية في فلسطين آنذاك، على عكس ما يُتداول عنها، فالحياة في ذلك الوقت كما تصفها البطلة عايدة لا تخلو من التحضر والتمدن.

وفي هذا الإطار تُسهب في وصف النمط المعيشي هناك، وتشابك العلاقات بين أبناء الوطن الواحد، دون ممارسة أدنى تفرقة عنصرية أو عِرقية، فالتنوع العرقي هو المُسيطر، وقد غلّف المدينة بالتسامح بين الأطياف المُتعددة، لكن هذا التسامح سيتحول فيما بعد إلى الطرف المُعاكس، حينما تبزغ سيطرة العنصر الأوحد اليهودي بعد تمام الاحتلال.

مفارقات الماضي.. تأريخ يتسرب من نسيج الحكايات

تتوالى المشاهد التي تسرد خلالها عايدة ذكرياتها عن الماضي المُمتلئ حتى الحافة بكثير من المفارقات، فالتأريخ هنا إنساني يبعد عن السرد المُعتاد للمعارك، مع أن المُتفرج لا يلمح صورا أو مشاهد تشي بالحرب، لكن صدى المعارك محسوس، ويتسرب شيئا فشيئا عبر نسيج الحكايات المُتشعبة.

ففي أحد المشاهد نرى أمواج بحر يافا وهي تتلاطم على الشاطئ، بينما تُكمل الأم سرد مراحل انعتاقها من القصف الإسرائيلي المتواصل على مخيمات الفلسطينيين الرابضة بالقرب من البحر، في انتظار من يتطوع لنقلهم إلى الجانب الآخر، إلى بيروت.

عايدة في مونتريال بعد أن هجرت من بلدها يافا وأقامت في كندا

فقد لجأ السيناريو إلى الاستعانة بهذه البداية أو الافتتاحية ذات الصِبغة التاريخية، واتخذها تمهيدا أوليا لما سيسرد من الحكايات لاحقا، وسيأتي دورها تباعا، ومن ثم ينتقل السرد إلى طبقة أخرى تحوي بين باطنها مزيدا من الأقاصيص التي لا تخلو من التأمل في مسارات الحياة.

حُلم العودة باق.. تشبث بقدسية المكان في جواز السفر الكندي

تواصل عايدة ممارسة روايتها لأحداث حياتها، تُضيف إليها كثيرا من التفاصيل الثرية، إذ تعاودها الذاكرة في هجمات مُرتدة تحمل في جعبتها ما يكفي ويفيض من أسرار ونوادر لم تُروَ من قبل، وهنا نصل للمحور الثاني من السرد، إذ تبدو بطلتنا في مرحلة عمرية أعمق بعض الشيء، فمعالم السن تظهر بجلاء ووضوح على صفحة وجهها، لكن الذاكرة لا تزال تُقاوم، لنثر المزيد من الحكايات التي تستحق التأمل والوقوف حيالها.

وردا على طلب ابنتها استكمال الحكي، تسرد الأم ما حدث أثناء استحقاقها للجنسية الكندية بعد سنوات طويلة من المنفى الإجباري، وطلبها من المسؤول أن يُدون محل ولادتها يافا بفلسطين، ليُصاب المسؤول بالدهشة، فلا أحد يعرف أصل تلك المدينة العربية، وهنا يظهر إصرارها على كتابة ما ترغب في جواز سفرها، إثباتا للحق وتشبثا بقدسية المكان، ومواجهة منها للزيف التاريخي الذي بلغ درجاته القصوى.

وفي هذا السياق تعود إلى الماضي مرة أخرى، وتروي ذكريات رحلتها مع الصليب الأحمر، حيث عملت بعد الحرب، وحلقت فوق فلسطين المُحتلة، وعندها طاردتهم الطائرات الإسرائيلية، نظرا لاختراقهم المجال الجوي العسكري غير المسموح للطيران المدني بالتحليق في مساره، حينها وقفت بثبات أمام الضباط الإسرائيليين الرافضين هبوطها على أرض المطار مع زملائها، والسبب أصلها العربي الفلسطيني.

شذرات التاريخ والماضي القريب.. فسيفساء الفيلم

هكذا يستمر السرد في هذا الجزء، شذرة من الماضي البعيد مع أخرى من الزمن القريب، في اندماج كامل بينهما، يكشف عن هم واحد ألا وهو المقاومة بالحكي، ورغبة وطيدة في العودة إلى الوطن، مهما بلغت السنوات دورانها، فحلم العودة باقٍ ويُروى ظمأه بالحكايات، لكن هذا الطوفان من الحكايات المتوالية أصيب بعطب ما، فقد اختار الزهايمر أن يحل ضيفا ثقيلا على هذا العقل المسكون بالحياة، فقد زارها المرض قبل رحيلها بثلاث سنوات.

المخرجة تُتابع صديقاتها وهن يبحث عن منزل عايدة

ففي أحد المشاهد تقترب الكاميرا من وجه عايدة بعد أن استولى الكبر عليها، نظراتها موشاة بالدهشة، كطفل صغير يكتشف العالم للمرة الأولى، تسألها ابنتها كارول أن تحكي لها قصة ما، فتقول إنها لا تتذكر شيئا، وهنا نُدرك أن خللا ما أصاب هذا العقل المحشو بالذكريات، ومن ثم تطفو أهمية التوثيق، وهذا ما تسعى إليه المُخرجة، فعبر الذكرى يُمكن الحفاظ على هوية الأشياء.

بين الحين والآخر تُطالعنا عايدة، بعد أن نهش الفراغ ما بقي من ذاكرتها، وهي تبدو حائرة لا تدري من أمرها شيئا، لكن ما يؤرق وجودها، ويبعث القلق فيها هو خوفها من الموت.

فهي تُعبر دائما عن رفضها هذا اللقاء، لا من واقع خوف غريزي من ترك الحياة بكل ما بها، بقدر ما هو حب وتقدير لهذه المسارات المتشعبة للحياة، فالتشبث بالوجود هنا يُعد نوعا آخر من المقاومة، تعلقها بأهداب ما بقي من العُمر دلالة واضحة وجلية على رغبة وطيدة للدفاع عن حق مشروع في الرسو والثبات.

صراع الحياة والموت.. حكايات تجدد الأمل والتمسك بالذاكرة

تتوالى المشاهد التي تكشف المراحل العُمرية المُتباينة لـعايدة، سواء في مراحلها الواعية، أو بعد انحسار الذاكرة وتلاشيها نحو الغياب، وبين هذا الحال وذاك يعقد السرد مُقارنة مُبطنة بين الحضور والغياب للوعي والذاكرة، مما يبعث على المزيد من التأمل والتبصر في الحياة بصورتها الأعمق، ليبدو مضمون الفيلم مُحملا بطبقة أخرى من الأفكار، تحمل من الوازع والحس الفلسفي ما لا تُخطئه ذائقة المتفرج.

قد لا تبدو هذه الأفكار مؤسسة داخليا في نسيج الفيلم، لكن الحالة العفوية التي غلفت البناء العام للسرد ساهمت في بزوغها وظهورها، ولو على نحو مُستتر يحتاج للقراءة والتأويل، وقد أضفت على الفيلم طبقة أخرى تتواءم بانسجام مع الأفكار المتداولة عن ثنائية الذاكرة والمقاومة، فكل منهما مُقترن بالآخر، فلا يستقيم النضال والمقاومة دون دفعها بحطب حب جارف للحياة.

وعند هذه النقطة تَبرزُ فكرة الصراع بين الحياة والموت، كل منهما يُقابل الآخر، حيث سلطة البقاء للأقوى هي التي تُرجح كفة الرابح في هذه المُعادلة، ومن ثم يُمكن استنباط رمزية التشبث بالمكان وبالعودة إليه، ولو بعد حين.

المخرجة كارول منصور تضع بعضاً من رماد عايدة وتوزعه على الأكياس البلاستيكية لتوصيله لوطنها فلسطين

تسعى عايدة -التي لا حديث لديها إلا عن يافا وحلم الرجوع إليها- عبر سرد قصتها الغنية بالتفاصيل الإنسانية إلى إحياء ذكرى توشك على المُغادرة نحو ظلام مغارات العقل، لكنها بالحكايات تُبعث من جديد، ويتجدد الأمل، فإذا كان الاحتلال يقف بالمرصاد لمحاولات استرجاع الأرض، فإن رحلة عايدة للوطن تُمثل في باطنها فعل مقاومة يستوجب التحية.

تهريب رماد عايدة إلى يافا.. مغامرة سرية

بعد وفاة عايدة بدأت كارول تسعى نحو إكمال وصية الأم، وهنا تطرأ المعوقات السياسية واللوجستية على ساحة التنفيذ، فالعودة إلى الوطن تُشكل حلما مستحيلا، حتى لو كانت تلك العودة موزعة على أكياس بلاستيكية لا تحوي إلا رمادا، فقد حرق الجثمان تبعا للوصية المتروكة، على أن يُنثر التراب في البلدة القديمة بيافا.

وهنا يُدخلنا السرد إلى المحور الثالث، وهو الرحلة السرية لتهريب رماد عايدة إلى يافا، لكن كيف يُمكن ذلك وكارول حبيسة لبنان لا تستطيع عبورها نحو فلسطين، والسبب أن الجنسية اللبنانية في حوزتها.

يأتي الحل عبر الاستعانة بالأصدقاء المُقيمين في محيط يافا، فعبر مشاهد طويلة نسبيا شكلت حصتها نصف المدة الزمنية للفيلم تقريبا (مدة الفيلم 75 دقيقة)، نرافق رائدة وتانيا صديقتي المخرجة، ونُتابع في هذا الجزء من الفيلم مسار تلك الرحلة المُعقدة القائم مغزاها على البحث عن منزل عايدة القديم، إذ يُشكل النبش عن المعالم العربية في أرجاء مدينة مطموس هويتها الأصلية، عبئا وصعوبة لا يهون من وطأتهما، إلا مُساعدة الباقي من السكان العرب.

ولا شك أن رحلة البحث هذه ساهمت في إمداد الفيلم بجرعات من الشجن والعذوبة في نفس الوقت، لا تزول آثارهما بسهولة، ويحوي إشارة مُبطنة عن المقاومة والتشبث بالحق، فوصول الرماد إلى الأمكنة المُستحقة في جوهره ما هو إلا انتصار للهوية والذاكرة التي يسعى الطرف المُغاير لطمسها وإبادة حقها المشروع في الوجود.

“بدون الذاكرة لا توجد علاقة مع المكان”.. سلاح الحكايات

يقول الشاعر محمود درويش “بدون الذاكرة لا توجد علاقة مع المكان”، وبالنظر إلى فيلمنا نجده يدور حول العلاقة الحميمية بين الإنسان والمكان، ومن أجل الوصول لصيغة إخراجية بصرية للتعبير عن هذه الصلة الوثيقة، تُقدم المخرجة كارول منصور بعض الحيل واللمسات الإخراجية التي تدعم المعنى العام للفيلم.

رماد عايدة أثناء سفره من عمان إلى يافا

يتجسد ذلك فيما رأينا في المشاهد الأولى، إذ تظهر عايدة وهي تروي ذكرياتها عن يافا العربية، ثم تقول إنها لم تعد موجودة الآن، وهنا تتحرك الكاميرا ببطئ على الجدار العازل المُدبب بأسلاكه الشائكة، وهو تعبير بصري عن الحصار، وكذلك في مشهد عودة الرماد، إذ تلتقطه الكاميرا أثناء تموضعه في السيارة وحزام الأمان يُحيط به.

وكل ذلك تأكيد على رمزية فكرة العودة ذاتها، وما تُمثله من حق أصيل مقرون ضمنا بالتمسك بتلابيب الذاكرة والتاريخ، فذلك سلاح لا يملك له الطرف المُقابل أدنى حيلة، ومن ثم تبدو أهمية الفيلم وقوة تأثيره في طرحه الفكري وأسلوبه الشكلي الكاشف عن سبيل مُغاير للنضال، مع أنه ذو طابع سلمي حساس، لكنه لا يزال موجعا، ويصيب الهدف بنجاح.