“الخليل تقاوم”.. مدينة أبي الأنبياء التي لا تستسلم ولا تبيع

لم تعد أزقة الخليل التي كان يقطنها الفلسطينيون من قبل حكرا عليهم، فمنذ 1994، وبعد مجزرة الحرم الإبراهيمي قسّمت إسرائيل الحرم، فوهبت الجزء الأكبر منه ظلما للمستوطنين الذين يعيثون في مدينة الخليل فسادا، ويقطعون أوصالها بتقسيم زماني ومكاني، لكن أهلها كانوا وما زالوا يقاومون الغزاة، ويرفضون أن تكون أرضهم موطئ قدم للغرباء.

يطوف بنا الفيلم الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية تحت عنوان “الخليل تقاوم”، في حارات الخليل وأزقتها، ويرتقي في سمائها فيرينا تلك المدينة العريقة التي عاش فيها أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وما زال مقامه الشريف فيها.

الخليل.. أرض المثقفين والتجار الصامدة

يلتقي الفيلم بشريحة منوعة من الناس، هم مختلفون عن باقي البشر، ممن عرضت عليهم إغراءات كبيرة جدا لبيع محلاتهم وبيوتهم وممتلكاتهم مقابل عشرات الملايين من الدولارات، لكنهم رفضوا رفضا قاطعا، متمسكين بحقهم وحق المسلمين الآخرين بهذه الأرض المقدسة، وأن التفريط بشبر واحد منها خيانة، ولو دفعت لهم كل الملايين.

مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام في الحرم الإبراهيمي في الخليل بفلسطين

فهذا رياض خميس، وهو مذيع في إذاعة محلية في الخليل، يصف مدينته بأنها أكبر محافظات فلسطين، ويتبعها أكبر عدد من القرى، ويعمل فيها عدد كبير من المواطنين نهارا، وفيها مثقفون كثر، وهي بلا شك تشتهر برجال أعمال وتجّارها، فالخلايلة تجّار ناجحون أينما وجدوا. كما يصف أشجارها وعنبها المعروف بعنب الخليل ذي العناقيد الضخمة.

مدينة الكنعانيين.. تاريخ عريق ذو فسيفساء متنوعة

الخليل واحدة من أقدم المدن في العالم العربي والإسلامي، إذ يعود تاريخها إلى 5500 قبل الميلاد، كما يقول المؤرخ عبد الحافظ سرية، وقد عرفت قديما باسم “أربع” و”حبرون” نسبة إلى ملكها “حبرا” الكنعاني العربي، فهو ليس اسما عبرانيا.

عنب الخليل، ثمرة مباركة تؤتي أكلها كل حين، وتتميز بقطوفها الكبيرة

وأما سكانها، فتعود أصولهم إلى العرب الكنعانيين الذين سكنوا المدينة منذ عصور ما قبل الإسلام، وفيها المدينة القديمة التراثية التي يحاول الاحتلال إفراغها من سكانها، ويعود أكثر مبانيها إلى العصرين المملوكي والأيوبي، بل إن هناك مساكن عثر فيها على بعض الآثار التي تعود للعصر الصليبي، وهذا يدلل على أن عمر البلدة القديمة يقارب الألف عام.

واحدة من الحارات القديمة في مدينة خليل الرحمن 

وحول تخطيط المدينة، وجد الباحثون أنها أقيمت على أربع كتل عمرانية هي: حارة قيطون، وحارة القزازين، وحارة باب الزاوية، وحارة الشيخ.

عشائر الخليل.. مجالس حل المشاكل وحفظ التقاليد

يشرح الحاج محمد الخليلي عادات وتقاليد أهل الخليل العريقة، ومنها جلوس “الختايرة” (كبار السن) في المقاهي للعب الطاولة، وأحيانا لمناقشة المشاكل وحلها في البلد.

ففي كل حارة عائلات تربطها علاقة احترام وحب متبادل، ويمثل كل عائلة عادة فرد يتحدث باسم عائلته، فلا تجد أحدا يرد قوله أو مطالبه. ومن أمثلة ذلك “جاهات” طلب الزواج، إذ يتقدم الممثل بكلمة قصيرة يطلب فيها ابنة العائلة الأخرى لعريس عائلته.

الجاهة، عادة يتقدم فيها أهل العريس بطلب العروس من ذويها، ويقودهم شخص متكلم

وإذا استعصى حل بعض المشاكل قانونيا، فإنها تُحل عشائريا داخل البيوت، بذات الطريقة التي تتقدم فيها الجاهة لطلب العروس، ولكن بتقاليد مختلفة نسبيا تدعى “العطوة”، وهي طلب الصلح من الطرف الآخر بضمان من المتحدث.

تكية سيدنا إبراهيم، مطعم يعمل على مدار العام ويقدم وجباته المجانية لجميع الناس

كما يمتاز أهل الخليل أيضا بالكرم الشديد. يقول داود الزعتري رئيس بلدية الخليل، اعتادت الخليل أن الكرم تقليدا لسيدنا إبراهيم، ومنذ عهد المماليك ظهر ما يسمى “التكية”، وهي مطعم للفقراء يقدم الطعام، ويقدم ما يعرف بحساء “سيدنا إبراهيم”، وذلك على مدار السنة ودون توقف.

مجزرة الحرم الإبراهيمي.. متطرف يقتل المصلين في المسجد

بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي في عام 1994، قسّمت السلطات الصهيونية الحرم زمانيا ومكانيا، فأصبحت حصة المسلمين فيه أقل من حصة اليهود، وكانت خدمة الحرم تقع على عاتق أهل الخليل قبل وصول المستوطنين، وكانت خدمته موزعة على العائلات الكبيرة، كالأذان وإقامة الصلاة وسقاية المصلين والحراسة.

فجر يوم الجمعة 25 فبراير/شباط 1994، قام مستوطن مجرم بقتل المصلين في الحرم الإبراهيمي

ثم جاء المحتلون، وبدؤوا بهدم وإزالة المعالم الإسلامية لإظهار معالمهم، بدعوى أن هذه المعالم يهودية الأصل، وأنهم يستعيدون حقوقهم التاريخية فيها، ليقنعوا شعبهم بعد ذلك بأنها ملكهم.

بعد مجزرة الحرم، نصبت الحواجز ومنع المصلون من الوصول إلى المسجد إلا بعد إجراءات طويلة من التفتيش

ويذكر شهود من أهل الخليل أن المستوطن اليهودي “غولدشتاين” قتل 29 مصليا في صلاة الفجر، في ما يسمى “مجزرة الحرم الإبراهيمي” سنة 1994. وقد انتفضت الخليل لدماء شهدائها، وجُرح أكثر من 150 فلسطينيا، بسبب اعتداءات الجنود الصهاينة عليهم.

حصار المسجد.. مضايقات لانتزاع الحرم من أهله

على إثر المجزرة الإبراهيمية، عقّدت سلطات الاحتلال الحياة في الخليل، فأقامت الحواجز وصعّبت حرية الانتقال داخل المدينة، ولا سيما حول ساحات الحرام والشوارع المؤدية إليه، وبدأ الفلسطينيون يشعرون بعد ذلك بالظلم الواقع عليهم لكثرة ما يلاقون من اضطهاد على أيدي الجنود الصهاينة، فقد أُجبروا على إغلاق محلاتهم التجارية الواقعة في شارع الشهداء، لتظل مغلقة حتى اليوم.

اضطهاد جنود الاحتلال لأهل الخليل لم يسلم منه حتى أطفال المدارس

ومن أشكال الظلم والاضطهاد أن المصلي إذا أراد أن يدخل إلى الحرم الإبراهيمي للصلاة، فإنه يترك هويته عند الجندي، فإذا ما انتهى أخذ وقتا طويلا وهو يبحث عن الجندي الذي احتجز هويته، وهو أسلوب من أساليب منع الناس من الذهاب إلى الحرم الإبراهيمي، لكن مع كل تلك الممارسات، يصر أهل الخليل على أن المسجد لهم، وأنهم سيعيدونه إلى حوزتهم يوما.

بعد استيلائها على ساحات الحرم الإبراهيمي، أغلقت سلطات الاحتلال جميع محال شارع الشهداء حتى اليوم

ثم يصور الفيلم مظاهرة لأهل الخليل في الشوارع، مطالبين بإعادة فتح شارع الشهداء الذي حرم أهل الخليل من تجارتهم وأرزاقهم.

عبد الرؤوف.. مرابط يرفض عشرات الملايين ثمنا لدكانه

يروي عبد الرؤوف المحتسب الخليلي، وهو صاحب محل تحف في الخليل، أن المستوطنين ساوموه على دكانه، فعرضوا عليه 40 مليون دولار وجواز سفر أمريكي، مع ضمان وضع كل نقوده في البنك قبل التسليم، لكنه قاوم هذه الإغراءات، وأخبرهم بأن هذه الأملاك إنما هو مستخلف عليها، وليس من حقه التصرف بملكيتها.

عبد الرؤوف المحتسب، مرابط خليلي أبى بيع دكانه للصهاينة بـ40 مليون دولار

وقد توفي عبد الرؤوف أواخر عام 2022، ولم يزل مرابطا بجوار الحرم الإبراهيمي، رافضا كل الإغراءات الخيالية التي كانت أرقامها في تصاعد مخيف، حتى لقي ربه متمسكا بدكانه وأرضه ووطنه.

روضة أطفال أعيد تأهيلها من قبل “تجمع شباب ضد الاستيطان”

أما عيسى عمرو، وهو منسق تجمع شباب ضد الاستيطان، فيروي أنه وزملاءه حوّلوا بعض البيوت الفارغة إلى رياض أطفال ومدارس، متحدّين بذلك صلف الاحتلال ومنعه المتكرر لهم. كما يستفيد الفلسطينيون من الثغرات القانونية كالتصوير والتوثيق، فهي إجراءات تفلح في ردع الاحتلال في اعتداءاته على أبناء الخليل، إذ الإعلام يفضح ممارساتهم الظالمة.