“مجتمع الثلج”.. فريق يواجه الموت على قمة الجليد بعد تحطم طائرته

مواجهة الإنسان للموت فكرة مخيفة، لكنها أيضا تدل على التحدي والقدرة الهائلة لدى الإنسان على مواجهة أشد الظروف قسوة، ومحاولة التغلب عليها والانتصار للحياة.

قد يكون فيلم “مجتمع الثلج” (Society of the Snow) الذي أخرجه الإسباني “خوان أنتونيو بايونا” (2023)، فيلما عن الموت المأساوي في حادث رهيب وقع في عام 1972، لكنه أيضا فيلم عن النجاة، وعن القدرة التي لا يمكن تخيلها لدى الإنسان على البحث عن مخرج لمأزقه الوجودي، وعن التساند الإنساني وقت الأزمات، والشعور المشترك بالمحنة والتضحية من أجل الآخرين، حتى لو كان معنى هذا أن تمنحهم جسدك بعد موتك.

ومع أن الفيلم بهذا المعنى يصور ضآلة الإنسان أمام قوى الطبيعة العاتية، فإنه أيضا يتحدث عن البحث الإنساني المضني عن النجاة، وعن اكتشاف المرء لذاته ولعلاقته بالآخرين، ورغبته الهائلة في العطاء والتضحية من أجل إنقاذ روح واحدة بريئة. لذلك فهو درس في الصمود وتحدي الخطر، والأهم أنه يكشف أن الإنسان -على هشاشته أمام الطبيعة- لا يمكن أن تُهزم قوة إيمانه بإنسانيته.

طائرة فريق الرغبي.. مأزق على قمة جبلية تغطيها الثلوج

يستند الفيلم على حادثة حقيقية كانت لها أصداء قوية وقت وقوعها في أكتوبر/ تشرين الأول 1972، ففي ذلك الوقت كان منتخب كرة الرغبي في أوروغواي في طريقه للسفر من مونتفيديو عاصمة أوروغواي، إلى سانتياغو عاصمة تشيلي، على متن طائرة مستأجرة تابعة لسلاح الجو، مع أفراد من عائلاتهم وأصدقائهم، للمشاركة وحضور مباراة الرغبي المنتظرة مع منتخب تشيلي.

تضم الطائرة مجموعة من الشباب المشتعلين بالتفاؤل والرغبة في إثبات قدرتهم على تحدي أخطار اللعبة وهم في العشرينيات من عمرهم، فهي تتميز بقدر كبير من الخشونة والعنف والاصطدام، ومعظمهم طلاب جامعيون يدرسون الطب والهندسة والاقتصاد، وغير ذلك.

تعرضت الطائرة لحادث تحطم فوق جبال الأنديز التي تغطيها الثلوج، ففقد بعضهم حياته فورا مع تحطم الطائرة وانقسامها إلى قسمين، ونجا الآخرون، وهم نحو 27 فردا معظمهم من فريق الرغبي، لكنهم وجدوا أنفسهم فوق قمة جبلية مغطاة بالثلوج في درجة حرارة تنخفض إلى ما دون الثلاثين تحت الصفر. فما العمل؟

توثيق الوصايا الأخيرة.. سرد القصة بلسان أحد الأعضاء

يتابع الفيلم مسار حياة هذه المجموعة من الشباب يوما بيوم لمدة 72 يوما، هي عمر المحنة المتواصلة، كيف يواجهون المأزق الذي يهدد حياتهم، وكيف تبرز التضحية بالذات في سبيل إنقاذ الجماعة؟

يستخدم المخرج أسلوبا مشبعا بالمواقف الدرامية المثيرة الصعبة، مع اهتمام كبير بالتفاصيل المذهلة التي تستند على قصص الناجين القلائل، كما رووها فيما بعد، مع التزام ببعض تقاليد الفيلم الوثائقي، من ناحية كتابة الأسماء على الشاشة، وتحديد أعمار كل من يفقدون حياتهم، وتوثيق كلماتهم ووصاياهم الأخيرة، وتقديم معلومات عن التاريخ الشخصي لمن يبقون على قيد الحياة من خلال التعليق الصوتي.

يأتينا التعليق الصوتي على الأحداث من البداية حتى النهاية على لسان أحد أعضاء فريق الرغبي وهو “نوما” (23 سنة)، فيروي لنا ما شاهده من وجهة نظره، لكن المخرج آثر أن يجعل سرده الصوتي يمتد حتى بعد أن يغادر الفيلم (أي بعد وفاته)، وهي حيلة درامية تجعل الفيلم يستغني بها عن السرد (المحايد)، ويحيله إلى أحد الذين كانوا على متن الطائرة المنكوبة، وعاصروا أصعب الفترات لما بعد الحادث، وهو اختيار شديد التأثير.

“يعدها البعض مأساة، والبعض الآخر أعجوبة”

نشاهد في البداية لقطة متحركة بانورامية مذهلة ملتقطة من طائرة تغطي منطقة شاسعة من الجبال المغطاة بالثلوج، في حين يأتينا صوت الراوي قائلا: في 13 أكتوبر 1972 تحطمت طائرة أوروغويانية في جبال الأنديز، كنا 40 راكبا و5 من أفراد الطاقم على متنها. يعدها البعض مأساة، والبعض الآخر أعجوبة. فما الذي حدث فعلا؟ كيف تتصرف حين يتخلى عنك العالم، عندما تُجرد من الثياب وتتجمد من البرد. حينما تُحرم من الطعام وتحتضر؟

جزء من الطائرة المحطمة يحيط به الناجون وسط الجليد

من هذا المدخل المثير ينتقل الفيلم إلى البداية الأولى، أي إلى ما قبل أن تبدأ الرحلة، والبداية ينبغي أن تكون في أرض الملعب، حيث يتفجر جميع اللاعبين بالحيوية والقدرة على الجري والعراك، يشتبكون معا، ويحاولون استخلاص الكرة، ويمرحون ويشعرون بالرغبة في المنافسة. إننا أمام فريق الرغبي في أوروغواي، وقد انقسم إلى فريقين متنافسين، استعدادا للمباراة الكبيرة في تشيلي، وهو الفريق الذي سيصبح ضحية الكارثة.

في غرفة الملابس يشتبكون معا وهم يتبادلون اللوم والمزاح، لكنهم فازوا من قبل ببطولة الرغبي الوطنية، ثم نتعرف على بعض الأسماء التي سنرافقها عبر الفيلم: “روبرتو” و”ناندو” و”غاستون” و”كوكو”، ثم في الكنيسة أثناء حضورهم القداس نتعرف على المزيد، منهم “توما” و”بانشو” و”ألفريدو” و”نوما”. إنهم جميعا من المسيحيين الكاثوليك المؤمنين، لكن إيمانهم سيتعرض لاختبار قوي خلال المحنة، سيحاول بعضهم إقناع والديه بالذهاب معهم الى تشيلي لحضور المباراة الفاصلة.

40 فردا أمام الطائرة.. صورة فوتوغرافية تُخلّد روح الفريق

تشتعل شوارع العاصمة بالمظاهرات، فقد اقتربت الانتخابات، وشباب المعارضة اليسارية يهتفون ضد تعليق الحريات وفرض السلطة للأحكام العرفية، لكن أفراد فريق الرغبي الذين يجتمعون على الغذاء، مهتمون أكثر بالحديث عن دراساتهم الجامعية، وعن الفتيات اللاتي يغرمون بهن، وعن الرحلة المقبلة التي يجمعون لها المال لدفع ثمن تذاكر الطائرة، فهم يذهبون على نفقتهم الخاصة بوصفهم لاعبين من الهواة.

في المطار يجتمع أعضاء الفريق وأصدقائهم وأقاربهم، وهم أربعون فردا، وأمام الطائرة يلتقطون صورة فوتوغرافية تطابق الصورة الحقيقية التي سنراها في نهاية الفيلم.

يحاول فريق الرغبي لفت أنظار طائرة الإنقاذ دون جدوى

فالمخرج حريص على مضاهاة ما حدث على أرض الواقع، سواء من خلال التفاصيل التي تتردد عبر شريط الصوت، أو باستخدام الأسماء الحقيقية، والتوقف أمام علاقة الأبناء بالآباء، وعلاقتهم ببعضهم، مع إعطاء لمحة عن المناخ السياسي المشتعل في أوروغواي في تلك الفترة، قبيل استيلاء العسكر على السلطة في العام التالي.

كفاح الناجين.. بحث عن الحياة على قمة الجليد

ليس حادث تحطم الطائرة نفسه وسقوطها مهما في سياق الفيلم، فالواضح أن الطيار المساعد -وكان مبتدئا- فقد القدرة على التحكم في الطائرة، بعد عجزه عن تقدير المسافة بينها وبين الجبال، فكان الاصطدام المروع الذي شطر الطائرة إلى نصفين، وأدى إلى وفاة عدد ممن كانوا يجلسون في المقاعد الأمامية على الفور، وسوف نتعرف عليهم عبر الفيلم، لا على الفور، بل سنعود إليهم من خلال مشاهد الاستعادة.

أما أساس اهتمام الفيلم، فهو ما يحدث بعد السقوط، أي ما بعد الحادث الذي يؤدي إلى نجاة 26 فردا، يجدون أنفسهم في العراء، على أسطح جبلية وعرة جليدية متجمدة، يكاد البرد الشديد يفتك بهم.وربما يكون انتشار الثلوج ميزة وعيبا في الوقت ذاته، فمن جهة يهدد البرد القارس الناجين بالتجمد، إن لم يجدوا أي وسيلة لتوفير بعض التدفئة، أو الاحتماء داخل النصف المشطور من مقدمة الطائرة، والالتصاق ببعضهم في انتظار النجدة التي يأملون أنها لن تتأخر كثيرا.

ومن جهة أخرى، هناك الجوع الذي يمكن أن يؤدي إلى الهلاك، إنهم يبحثون بين حطام الطائرة عن أي بقايا لطعام، أو قطع صغيرة من الحلوى يتقاسمونها، لكن سيأتي وقت تنفذ فيه كل هذه الوسائل، ولا يبقى شيء يمكن تناوله، وهنا يصبح الجميع أمام اختيار لا مفر منه إن أرادوا البقاء على قيد الحياة، فهل يقبلون على المحظور الذي لم يكن أحد منهم يتخيله أصلا، أي يأكلون من الجثث الممددة التي جمعوها في مكان واحد لزملائهم وأقاربهم، لا سيما وأن درجات التجمد تحفظها من التحلل؟

“إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان فليس لكم حياة فيكم”

من خلال المأزق الذي يواجهه الناجون، ينشأ جدال فلسفي وديني، وتنقسم الآراء: كيف يمكن تقطيع وتناول أجزاء من جثمان شخص دون أن يكونوا قد حصلوا على تصريح منه، مثل الذين يتبرعون بأعضائهم بعد وفاتهم، وكيف يمكن أن يأكل المرء من جسد زميل أو قريب له، وألا يتعارض هذا مع تعاليم الدين؟

يفكر فريق الرغبي في النجاة بعد تحطم طائرتهم

أم أن هناك أساسا كاثوليكيا يرتبط بما ورد في إنجيل يوحنا على لسان السيد المسيح: “إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم، من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير لأن جسدي مأكل حق، ودمي مشرب حق. ومن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه”. ونحن نعرف من البداية أن مجموعة الشباب من المؤمنين المخلصين.

هناك بطبيعة الحال خلاف حول تفسير كلام المسيح، وهل هو رمزي أم فعلي؟ ولذلك سيظل هناك من يرفضون قبول أكل جثث الموتى، يُمنّون أنفسهم بأن الإنقاذ لا بد أن يأتي، لكنه لا يأتي، وسيطول الانتظار، وتتعاقب الأيام، وسيموت واحد بعد الآخر، ليصل عدد الذين يفقدون حياتهم سواء من شدة البرد أو متأثرين بجروحهم أو من شدة الهزال بفعل الجوع، نحو عشرة أشخاص.

وصية أكل الجثمان.. محاولات للقفز على المأزق الأخلاقي

يحاول بعض الفتية العثور على الجزء الخلفي المنشق من الطائرة، لكي يستعيدوا بعض البطاريات التي قد تساعد في تشغيل جهاز الاتصال اللاسلكي، وبعد أكثر من محاولة في ظل الظروف الصعبة القائمة ينجحون في مسعاهم، لكن لا أحد يجيبهم، بل إننا نشاهد طائرة تطير فوق المنطقة فيحاولون جذب أنظار من فيها، لكن من دون نجاح.

يمر يوم بعد يوم دون أن تصل النجدة، فتشحب الأجساد، ويتضاءل الأمل، ثم يكون لا بد من محاولة الوصول إلى الجانب الآخر من الجبل، إلى المزارع الخضراء حيث تقع تشيلي لطلب النجدة، لكن المحاولة الأولى تفشل فشلا مروعا، ويفقد أحدهم حياته خلال تلك المحاولة.

كان التساند والبحث عن الدفء عاملا أساسيا في البقاء

ثم يقع الجميع ضحايا عاصفة ثلجية هائلة تدفن الجميع تحت الثلج، ينجو بعضهم بأعجوبة، ويفقد البعض الآخر حياته، ويكون هناك من أوصى بأكل جثته بعد موته، مما يشجع الآخرين ممن كانوا مترددين في اقتفاء أثره، لكن المأزق الأخلاقي لن يختفي، حتى بعد أن يجد بعض المعارضين أنفسهم مجبرين على الفعل الشائن للبقاء على قيد الحياة. هل تحول هؤلاء جميعا إلى آكلي لحوم بشرية؟ هل النجاة أقوى من العقيدة؟ هذا التساؤل الأخلاقي لا يمكن تجنبه وأنت تشاهد هذا الفيلم المدهش بتفاصيله وتصويره البديع.

زحف إلى الجانب الآخر على الجليد.. قدرة الإنسان الأسطورية

أصر المخرج الإسباني على أن يدير التصوير في بيئة حقيقية مماثلة، أي في منطقة جبلية مغطاة بالثلوج، فصور الفيلم في جبال “سييرا نيفادا” الإسبانية، حيث وضع الممثلين تحت وطأة نفس الظروف الشاقة التي عاشها من مروا بالمحنة، وكان قد اعتمد في كتابة السيناريو على كتاب للصحفي “بابلو فيرسي”، يسرد فيه جميع التفاصيل من واقع الشهادات التي استمع إليها من الذين نجوا أخيرا.

تأتي النجاة بعد نجاح المحاولة الثانية التي تثبت قدرة الإنسان الأسطورية على مواجهة أقسى الظروف الطبيعية، فقد تطوع اثنان ممن بقوا على قيد الحياة بالزحف على الجليد، وتسلق قمة الجبل والوصول إلى الجانب الآخر، حيث طلبوا النجدة، وانتقلوا من عالم الأموات إلى عالم الأحياء، وتذوقوا للمرة الأولى الطعام الحقيقي، ثم انتقلوا الى المصحات للعلاج والنقاهة، وأصبحوا عدة أشهر حديث أجهزة الإعلام في أوروغواي والعالم.

صناعة الصورة والموسيقى والأداء.. سحر الفيلم

كان تصوير الفيلم مذهلا يجسد بشكل أقرب إلى الواقعية التسجيلية جميع تفاصيل المكان، ومعالم المحنة الإنسانية تبعا لذلك، مع حصر الوجوه في لقطات قريبة كبيرة للاقتراب من المشاعر الإنسانية التي تتبدى على الوجوه، ثم الانتقال إلى اللقطات العامة من بعيد التي تبرز ضآلة الإنسان وسط الطبيعة.

لحظات اليأس تنتاب الإنسان في عزلته

كما يتميز الفيلم أيضا بعنصر التمثيل الذي يصل إلى التماهي التام مع الوضع الإنساني الشاق، وعنصر الموسيقى التي وضعها “ميشيل جياتشنو” (وهو أمريكي من أصل إيطالي)، واستطاع أن يجعل شريط الصوت أداة فنية مكملة للفيلم، من دون أن تطغى على الحوار، لكي تكثف مشاعر الترقب والقلق والخوف والرغبة في البقاء ومشاعر التساند الإنساني، مع براعة استخدام الآلات الوترية الممزوجة مع نغمات البيانو.

يمكن القول إن “مجتمع الثلج” هو تحفة سينمائية حقيقية وعمل غير مسبوق، وكان من الطبيعي أن يختاره نقاد إسبانيا أحد أفضل 10 أفلام في 2023، وأن يصبح الفيلم الذي يمثل إسبانيا رسميا في مسابقة الأوسكار 2024.