“الذاكرة الأبدية”.. حب عظيم ينهي حياة صحفي فقد ذاكرته ونسي زوجته

العقل الإنساني الجبار الذي يفكر ويبدع ويدفع صاحبه إلى اتخاذ موقف صلب مما يحدث في الواقع، يتطلع إلى استعادة مجد بلاده، يتحدى الديكتاتورية، ويؤثر تأثيرا كبيرا في أجيال من أبناء بلده. لكن هل يمكن لهذا العقل أن يرتد ويتراجع ويصبح كعقل طفل وليد، لدرجة أن ينسى المرء تاريخه وماضيه؟

هذا ما يناقشه الفيلم الوثائقي الجديد “الذاكرة الأبدية” (La Memoria Infinita) الذي أخرجته المخرجة التشيلية “مايتي ألبردي” (2023)، وقد استغرق تصويره نحو 5 سنوات، تابعت خلالها المخرجة الحالة المرضية التي أصابت الصحفي والمراسل التلفزيوني والمؤلف المرموق “أوغستو غونغورا” الذي أصيب بمرض الزهايمر عندما كان ابن 62 عاما.

“باولينا”.. زوجة ذات عقل مبدع وحب صادق

لا يكتفي الفيلم بمتابعة تأثير الزهايمر على هذا الرجل ذي العقل الثاقب، بل يسبر أيضا أغوار العلاقة الرائعة المنسجمة بين “أوغستو” وزوجته “باولينا” التي ظلت ترعاه أثناء مرضه، تتحمل نوبات غضبه وثورته الطفولية، وكان في بعض الأوقات يعجز عن التعرف عليها، وفي أحيان أخرى يبدي نحوها مشاعر حب أكبر من الحياة نفسها. والفيلم بهذا الشكل، يروي أيضا قصة حب عظيمة تصمد في وجه الزمن وتقلباته.

بعد أن أعلن “أوغستو غونغورا” بشجاعة كبيرة أمام الرأي العام إصابته بالمرض اللعين، رحب كثيرا بأن يعرض ما يحدث له أمام كاميرا المخرجة “مايتي ألبردي”، فهو لم يمانع تصوير تقلبات وتداعيات مرضه، فهو يرى أنه كان يتدخل كثيرا في حياة الآخرين عندما كان يصورهم في تقاريره للتلفزيون، فما المانع إذن أن تصبح حياته هذه المرة مادة للمشاهدة، لعلها تصبح درسا في الوفاء والحب والإخلاص.

“باولينا” زوجة “أوغستو” لها أيضا عقل مبدع، فهي ممثلة وأستاذة جامعية وزعيمة نقابية، وكانت أول وزيرة للثقافة في تشيلي، وهي حاضرة في غالبية مشاهد الفيلم، تقف إلى جوار زوجها، تدفعه دفعا للحوار، وترجع إلى ماضيه وذاكرته، فالتواصل مع الآخرين -ولا سيما مع من تحبهم- هو أول وأقوى الخطوط الدفاعية التي تقاوم تدهور الذاكرة وسيطرة المرض على المخ البشري، وكان “أوغستو” يعرف ذلك جيدا، لذا بدا متعاونا مستجيبا تماما، على الأقل خلال المراحل الأولى من المرض.

أيام الدكتاتورية العسكرية.. تقارير تلفزيونية تلهم الملايين

يتكون الفيلم من مشاهد حميمية داخل منزل الزوجين، فنرى “باولينا” وهي تدفع “أوغستو” للعودة إلى الماضي، حين تذكره بإحدى الصور بحدث ما، أو بعبارة ما قالها في الماضي، أو بشخصية معينة مرت في حياته، أو حتى بصورة ابنه وابنته من زوجته الأولى، تحاول جاهدة أن تبقي على صلته بالماضي.

وفي هذا السياق يعود المخرج إلى ماضي “أوغستو” المهني، فقد كانت تقاريره الحية المباشرة تلهم الملايين وقت حكم الديكتاتورية العسكرية بزعامة الجنرال “أوغستو بينوشيه” وما بعدها، وكان نقل الأحداث وقتها عملا محفوفا بالخطر ولا شك أنه كان يُصوّر سرا، وكان بذلك جزءا من حركة المقاومة.

الصحفي المرموق أوغستو غونغورا رفقة زوجته باولينا يسيران في حديقة في تشيلي لاستعادة الذاكرة المفقودة

إلى جانب المشاهد التي تدور بين الزوجين، هناك كثير من المواد الموثقة لفترة الانقلاب العسكري، وضحايا القمع في زمن “بينوشيه”، ومقاطع من المواد المصورة سرا، ومشاهد طريفة نرى فيها “أوغستو” يصر على حضور المحاضرات التي تلقيها زوجته “باولينا” على طلاب الجامعة، يتحدث إلى الطلاب ويسترجع أمامهم جانبا من تاريخه الشخصي وتاريخ بلاده في فترة شبابه. كان “أوغستو” في ذلك الوقت واعيا تماما بأهمية تلك الصلة، وكان يشعر بالفخر.

ولعل أكثر ما يفخر به “أوغستو” (وهو ما يظهر بوضوح في الفيلم) أنه أعاد الأمل إلى نفوس المشاهدين الذين كانوا يشاهدون برامجه فيما بعد زوال الديكتاتورية، فقد كان يفتح الجوانب الكثيرة التي ظلت محظورة لدى النظام أكثر من 20 عاما، الجوانب المضيئة في تاريخ بلادهم.

“إذا ساعدتنا الذاكرة على استعادة هويتنا”

نرى “أوغستو” في إحدى لقطات العودة إلى الماضي يمسك بالكتاب الذي كتبه بعنوان “تشيلي.. الذاكرة المنسية”، ويكتب إهداء لزوجته يقول فيه: يمكن أن يكون هذا الكتاب مفيدا، فقط إذا ساعدتنا الذاكرة على استعادة هويتنا.

من خلال تلك العلاقة الجدلية بين الخاص والعام، يصبح فيلم “الذاكرة الأبدية” فيلما عن ذاكرة وطن، أي الذاكرة الجماعية التي لا تموت، مقابل ذاكرة الفرد التي تذبل وتتلاشى تدريجيا، فهو ليس من تلك الأفلام التي تتابع الحالة المرضية في جمود، وتتوقف أمام تداعياتها وأعراضها كما رأينا مثلا على صعيد السرد الخيالي الروائي في فيلم “الأب” (The Father) الذي قام ببطولته “أنتوني هوبكنز”.

هناك أيضا بُعد شخصي في الفيلم يتعلق بالمخرجة نفسها، فقد تفتحت عيناها في التسعينيات -وهي لا تزال مراهقة صغيرة- على ما كان يبثه “أوغستو” من برامج في التلفزيون، لبث الوعي في نفوس أبناء بلده، لذا فقد أرادت أن تعايش سنواته الأخيرة مع زوجته، أما زوجته فنراها تبذل كل ما في وسعها لكي تتفرغ له وترعاه، فتحاوره وتكشف له عن ماضيه، وتلك محاولة شاقة لجعله يتعرف على هويته، فالهوية جزء من النضال.

تأرجح الأزمنة.. رحلة الذاكرة بين الماضي والحاضر

يبدأ الفيلم بالزوجة “باولينا” وهي تحاول أن توقظه برقة شديدة، لكنه لا يتذكرها في البداية، ويقتضي الأمر وقتا ومزيدا من المحاولات، إلى أن يدرك بالحس العاطفي لا بالذاكرة أنها زوجته، وعندما يتساءل أين أنا؟ تقول إنه في منزله. فيصحح لها: بل في منزلنا. ألسنا زوجين؟ نعم المنزل الذي بنيناه معا. وسنعود من خلال شرائط الفيديو المنزلية لنراهما معا عندما كانا يشيدان المنزل قبل 17 عاما.

ينتقل الفيلم في الزمن، ليس في سياق صاعد، بل من خلال شكل يتأرجح بين الأزمنة، ينتقل من الحاضر إلى الماضي، ومن الماضي إلى الماضي الأبعد، وإلى الحاضر القريب، وهكذا دواليك، بمساعدة كثير من اللقطات المنزلية والصور ومقاطع نشرات الأخبار والتقارير التلفزيونية، مع شريط صوت يمتلئ بأغاني الحب الرقيقة، وموسيقى تشع بالأمل.

ولولا هذه اللمسات، وتلك العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين ذاكرة الفرد وذاكرة الوطن، وقصة الحب بين زوجين، وتاريخ كل منهما ومسيرة عملهما في المجال العام، لَمَا جاء الفيلم على هذا النحو من الرقة والتأثير.

رجل الزهايمر الذي نسي زوجته.. فيلم مرشح للأوسكار

لا ترى المخرجة فيلمها فيلما عن مأساة، أي أنه ليس تسجيلا لتدهور ذاكرة إنسان فحسب، فمع أنه أحيانا يكون تائها مشوشا يدور حول نفسه في منتصف الليل، أو يصيح غاضبا، فإننا نراه في اليوم التالي يرقص ويغني، ثم نراه يتمشى في الحدائق مع زوجته لا يود العودة للمنزل، وعندما يعود يود الخروج مجددا.

أرادت المخرجة أن تواصل التصوير مع “أوغستو” و”باولينا” حتى لو امتد التصوير عشر سنوات أو أكثر، لكن حينما سمعت “أوغستو” يهمس ذات يوم لزوجته أنه لم يعد هو نفسه، أي أنه فقد القدرة على التذكر، ثم كاد أن ينسى “باولينا” وأخذ يسألها من تكون، أدركت المخرجة أنها لن تقدر على مواصلة التصوير، وفي 19 مايو/أيار 2023 توفي “أوغستو غونغورا”.

ونتيجةً لبراعة اقتناص الصورة في اللحظات الحميمية، وتلقائية حضور الزوجين أمام الكاميرا، والانتقال المحسوب جيدا بين المشاهد المختلفة، وجمال شريط الصوت، أصبح الفيلم ضمن الأفلام المرشحة لجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي في 2024.