“مُستَعمَر مرتين”.. امرأة قطبية تقف في وجه المُستعمِر دفاعا عن شعبها

تكرس “لينا ألونا” صانعة فيلم “مُستَعمَر مرتين” (Twice Colonized) جهدها للجمع بين محاولة رسم بورتريه سينمائي للناشطة الحقوقية “آيو بيتر”، وهي مدافعة عن حقوق سكان القطب الأصليين الموزعين بين جزيرة غرينلاند والجزء القطبي من كندا، ويُطلق عليهم اسم “إينوت”، وبين توثيق نشاطها من أجل جمع كلمة كل سكان القطب الأصليين ورفع مطالبهم المشروعة في التخلص من هيمنة الدول التي استعمرتهم وخربت موروثاتهم الثقافية، وعملت على جعلهم عنوة جزءا من مجتمعاتها الغربية، كما حصل لسكان المنطقتين من قبل كندا والدنمارك، وبسببها عانت الناشطة من تمييز وتهميش تعمل اليوم بكل قوة من أجل إزالته والتخلص من آثاره الموجعة.

“إينوت”.. شعب قطبي ينتحر بسبب نهب مصدر رزقه

ينقل الوثائقي (إنتاج مشترك بين الدنمارك وغرينلاند) مشهدا افتتاحيا، تظهر فيه الناشطة القطبية مع طفلة من عائلتها في منطقة أكالويت الكندية، التي جاءت إليها بعد تعرفها على زوجها والانتقال معه من غرينلاند إلى القسم الكندي من القطب الشمالي.

تحكي الطفلة عن الملابس التقليدية التي تخيطها بنفسها، وهي مصنوعة من جلد الفقمة. ثم تبدأ المخرجة بعد ذلك بعرض مشهد أوسع أمام كاميرات الوثائقي، له صلة بصيد الفقمة الجائر من قبل الصيادين الكنديين والدنماركيين، مما أدى إلى حرمان الصيادين المحليين من أهم مصادر عيشهم.

لقد أضحوا بسبب ذلك بلا عمل ولا مصدر للعيش، لهذا يشعر الكثير منهم بالإحباط واليأس، حتى إنهم يدفعون بعضهم للانتحار.

تقدم الناشطة معلومات إحصائية تؤكد أن شعب “إينوت” من أكثر الشعوب في العالم انتحارا، لكن ليس ذلك بسبب تقاليدهم وعاداتهم التي تسهل عملية الانتحار كما يروج المستعمرون الغربيون لمناطقهم ذلك، بل لأن الجوع والشعور بالذل لعدم قدرة الرجال على توفير الطعام لعوائلهم يدفعهم إلى ذلك.

“الحضارة والمدنية”.. ذريعة الاستعمار للسطو على الثروات

تشعر الناشطة “آيو بيتر” بغُصة في فمها وهي تتحدث عن هذا الجانب، إذ يمس جانبا شخصيا لها، يتعلق بانتحار ابنها المراهق الذي رمى نفسه من نافذة بناية سكنية عالية، وقد أصبح موته يدفعها للغضب من المسبب الذي يحاول إخفاء جريمته تحت غطاء “الحضارة والمدنية”.

تتطرق “آيو” بوجع إلى جوانب أوسع من دور المُستَعمِر الخبيث، فهو لا يكتفي بنهب ثروات مناطقهم الغنية ومواردهم البحرية فحسب، بل يسعى إلى تغيير ثقافتهم ومحوها من الوجود.

تقول “آيو”: يريدوننا أن نكون جزءا من الاقتصاد المعاصر، اقتصادهم الذي يجبرون شعبنا على التكيّف معه، على حساب موروثاتنا الثقافية ووجودنا الذين يعملون على إنكاره، من خلال الترويج لفكرة نقل شعب الـ”إينوت” القطبي من البدائية إلى الحضارة الغربية الراقية.

ثقافة الغرب.. سعي لاكتساب المحاسن دون طرح الهوية

ينتقل الوثائقي مع الناشطة “آيو” إلى الدانمارك، ويدخل إلى بيت زميل لها، فيرحب بها ويتكلم معها باللغة الدانماركية وهي تجيدها.

تخبره أنها تشعر بالغضب عندما تتحدث اللغة التي تكرهها، فقد أجبرها الاستعمار الدانماركي على تعلمها في مدارسه، ويمازحها ليدفعها للكلام أكثر عما تشعر به عند مجيئها بعد سنوات إلى كوبنهاغن، من خلال تلميحه إلى مظهرها الخارجي، إذ تبدو شخصا غربي الثقافة.

لكنها ترد عليه بأنها لا تعارض ذلك، ولا تمانع كسب الأحسن في الثقافة الغربية، لكن بشروطها هي، وباختيار ما يناسب منها لها ولشعبها، لكونه جزءا من العالم المعاصر، مع امتلاكه في الوقت نفسه الحق المطلق في الاحتفاظ بكل ما له صلة بأصوله القطبية.

دمج الأطفال في مدن المستعمِرين.. أساليب محو الثقافة

تشرح محاولات المستعمر الدانماركي محو تلك الأصول القطبية، من خلال خطط إستراتيجية تبدأ بنقل أطفال الـ”إينوت” من موطنهم الأصلي إلى المدن الدانماركية، وإجبارهم على دخول مدارسها وتعلم لغتها وثقافتها.

انتزاع الأطفال من عوائلهم ونقلهم في مرحلة الدراسة إلى الدانمارك

هذا الشيء نفسه يحدث لسكان القطب في الجزء الكندي، تخبر الوثائقي أنها لم تكن تعلم بوجود جزء من شعبها يعيش في منطقة أخرى من القطب، إلا بعد حضورها اجتماعا موسعا في مدينة نوك كُرس لبحث مستقبل الإينوتيين، وسبل تحررهم من هيمنة المحتل الأجنبي الذي يأخذ شكلا مقنّعا، بعيدا عن الشكل التقليدي للاحتلال الكلاسيكي.

في هذا الاجتماع تعرفت “آيو” على رجل كان من بين الحضور، وبعد مدة قررا العيش سوية في مدينة نوك القطبية، لكن علاقتهما لم تدم على حالها، فقررت الانفصال عنه لسوء سلوكه معها، وما زال هذا يؤثر عليها، كما أثر عليها موت ابنها كثيرا، وأشعرها بالإحباط والقنوط، لكنها قررت في النهاية النهوض ومواجهة الواقع، والعمل على تغييره، من خلال نقل تجربتها الشخصية والحديث للعالم عما يعاينه شعبها.

“مُستَعمر مرتين”.. كتاب يسرد تفاصيل التخريب

تبدأ “آيو” نشاطها بتعريف العالم بقضية شعبها ومطلبه العادل في التحرر من هيمنة القوة الأجنبية المسيطرة عليه، فتذهب إلى المدارس في كندا لتشرح ذلك الوضع المؤلم لطلبتها، تشارك في المظاهرات المطالبة بوقف إبادة الفقمة، وحرمان الناس المعتمدين في عيشهم عليها من الاستفادة منها.

ثم تنظم الاجتماعات الموسعة في المدن الدانماركية، وتشرع بتأليف كتاب يحمل نفس عنوان الوثائقي “مُستَعمر مرتين”، وتبدأ فصوله بسرد تفاصيل عن طفولتها التي خربتها المخططات الدنماركية، لإزالة وجود شعبها من على أرضه وجعله تابعا لها، وتقول إنها حرمتها من السعادة التي كانت تشعر بها بين أهلها في جزيرة غرينلاند، لكنها لم تدم طويلا، لأنها حين بلغت 11 من عمرها تقرر نقلها للدراسة في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن.

فقد كانت الحكومة الدانماركية المتحكمة بالجزيرة القطبية توزع الأطفال المُرحلين منها على بيوت الدانماركيين، ليختلطوا بأهلها ويتعلموا ثقافتهم، وقد أدى هذا خلال سنوات دراستها إلى إضعاف لغتها الأصلية، مما سبب لها مشاكل بعد عودتها إلى موطنها الأصلي.

ذكريات طفولة حزينة عاشتها الناشطة الحقوقية “آيو بيتر” في الدنمارك

تشرح “آيو” بوضوح تغير حياتها بلمح البصر، إثر قرار جهة خارجية قررت رسم حياتها كما هي تريد، جهة غيرت أسلوب عيشها وطريقة لبسها وأكلها البعيدة كل البعد عن أسلوب حياة سكان غرينلاند البسيطة والمتلائمة مع الطبيعية التي يعيشون وسطها، وهذا ما لا يريده المستعمر، بل يعمل على توسيع إمبراطوريته على حسابهم طمعا في نهب ثرواتهم.

منتدى سكان القطب.. محاولات التصدي لطمس القضية

تشير الناشطة “آيو” إلى استغلال ونهب شركات التنقيب عن الثروات الطبيعية الكامنة في جوف المناجم الغنية بالمعادن في جزيرة غرينلاند، وقد شجعتهم كثرتها على المضي في سياستهم الاستعمارية.

ومن خلال لقاءاتها بالسياسيين الغربيين وقادة دول الوحدة الأوروبية، توصلت إلى فكرة تدعو إلى تأسيس منتدى أوروبي دائم لسكان القطب، حتى لا تطمس قضيتهم، ومن خلال الملتقى يمكن تنظيم حملاتهم الدعائية والتوعوية، ولتحقيق ذلك قررت الذهاب إلى مناطق السكان الأصليين في السويد، لبلورة المقترح وتوسيع جغرافيته.

يطلق سكان السويد الأصليون على أنفسهم “السامريين”، لكن السلطات السويدية تريد إنكار اسمهم وحقوقهم في الحفاظ على مناطق إقامتهم التاريخية وعدم المس بها، ولا سيما غاباتهم التي تطمح شركات صناعة الأخشاب الرأسمالية للاستحواذ عليها، ثم تخريب البيئة الطبيعية التي تنمو فيها.

لقاء الشخصيات السياسية.. تغيير خارجي يمتد إلى الطاقة الداخلية

تنشط “آيو” في مقابلة الشخصيات السياسية الدانماركية والكندية المتعاطفة مع شعبها، وتدعوهم لتبني مطالبهم العادلة ورفعها إلى برلماناتهم، لتكف حكوماتهم عن سياسة إنكار وجودهم بوصفهم شعبا أصليا له الحق في تقرير مصيره.

مشروع إقامة منتدى ثابت لسكان القطب في أوروبا

لا يحدث نشاطها تغييرا خارجيا فحسب، بل يمتد إلى دواخلها، فتشعر بالقوة بعد فترة الإحباط التي مرت بها، وتنقل ذلك لكل من تلتقي به دون خجل، لأنها -كما تصرح أمام الوثائقي الرائع والعميق في مضمونه- تعد تمتع السكان الأصليين بالثقة اللازمة بالنفس عاملا يساعدهم على تحقيق طموحاتهم، لأن المستعمر ظل يتعامل معهم على أساس أنهم قاصرون وعاجزون، ولهذا يساعدهم على التكيّف مع الحضارة الغربية.

أبناء الضوء.. حفاظ على وطنية شعب أصلي يُحارب المستعمِر

ينقل الوثائقي جانبا من زيارتها للأمم المتحدة، وإلقائها كلمة على منبره، شددت فيها على رغبة سكان القطب لنيل حريتهم، والتخلص من سياسة التمييز العنصري التي يتعامل المستعمر بها ضدهم.

وفي خاتمته ينقل مشهدا تظهر فيه المحامية والمناضلة الشجاعة مع أطفال من عائلتها في القسم الكندي، أثناء قيامها بخياطة ملابس لهم من جلد الفقم، وتحفظهم الأغاني الوطنية التي تمجّد تاريخهم وتعتز به، وتريد منهم الاعتزاز بوطنيتهم وأصولهم.

فمهما كانت تأثيرات الثقافة الغربية عليهم، فسيظلون في النهاية أبناء “إينوت”، أبناء الضوء، لا كما يسميهم الغربيون تعمدا أبناء الثلج، للدلالة على انعزالهم وتقوقعهم خدمة لأغراضهم الاستعمارية.