“صوت الحرية”.. ضابط وأب يلاحق تجارة الأطفال التي تمطر ذهبا

يبدو أن تناول موضوع “البيدوفيليا” أو الاستغلال الجنسي للأطفال محظور في السينما، فمع أن هوليود تنتج أكثر الأفلام شهرة في العالم، فإنها تحجم بشكل ملحوظ عن إنتاج أفلام تتناول تلك الظاهرة الخطيرة التي أصبحت الأكثر انتشارا على نطاق الكرة الأرضية، فتجارة الأطفال من أجل الجنس تدر على المشتغلين بها 150 مليار دولار سنويا.

جاء الفيلم الروائي الجديد “صوت الحرية” (Sound of Freedom) الذي أخرجه المكسيكي “أليخاندرو مونتفيردي” (2023) ليكسر هذا الحظر، من دون أن يبتذل موضوعه بالتصوير الفج، بل يحافظ على رونق الصورة ونقاء موضوعه وصوره، وينقل رسالته من خلال الشكل البوليسي المثير، ولا يسقط في المتاجرة بالموضوع وابتزاز المشاعر.

بلغت تكاليف إنتاج الفيلم 14 مليون دولار، وحقق أرباحا بلغت 250 مليون دولار، ولذلك عُدّ أنجح الأفلام الأمريكية “المستقلة” -التي تنتج خارج هوليود- في تاريخ السينما، وهو نجاح مثّل صفعة لكل الذين رفضوا من البداية تمويله وإنتاجه في قلعة صناعة السينما الأمريكية.

عبودية القرن.. جريمة فاقت كل نظائرها في التاريخ

يستند الفيلم إلى شخصيات وأحداث حقيقية، ونحن نتابع معظم أحداثه من وجهة نظر الشخصية الرئيسية فيه، وهي شخصية ضابط الشرطة الأمريكي “تيم بالارد” (الممثل جيم كافيزيل)، ويستخدم مخرجه أسلوبا شبه وثائقي في عرض موضوعه.

وليس ذلك باستخدام الوثائق والصور لأبطاله وأحداثه الحقيقية التي جرت على أرض الواقع، بل من خلال الشكل الدرامي الذي يضمن إثارة اهتمام المشاهدين للمتابعة، مع إخلاص لجوهر الوقائع ومغزاها، لينتهي برسالة واضحة تحذر من تلك “العبودية الجديدة”، أي استعباد الأطفال بعد خطفهم، وهي عبودية يقول الفيلم إنها فاقت في حجمها العبودية التي كانت قائمة في كل العصور الماضية.

يبدأ الفيلم قبل أن يظهر ضابط الشرطة “بالارد”، أي بالمدخل الذي سيقودنا إلى قلب الموضوع مباشرة. ملكة جمال سابقة سمراء تدعى “جيزيل” في هندوراس، تطرق باب أسرة من الطبقة الفقيرة، تقابلها أولا “روسيو” وهي فتاة صغيرة في عامها الثاني عشر، تجيد العزف والغناء، ثم يأتي والدها “روبرتو أغيلار”، ثم يصل أخوها “ميغيل” وهو في عامه السابع.

جيم كافيزيل أجاد دور الضابط صاحب الرسالة تيم بيالارد

تعرض المرأة على الأب أن يظهر طفلاه في برنامج تلفزيوني مخصص لعروض ملابس الأطفال، فيأخذهما في صباح اليوم التالي إلى جلسة تصوير، فيجد “جيزيل” مع مجموعة من الأطفال يترك طفليه معهم، وعندما يعود بعد الظهر لأخذ “ميغيل” و”روسيو”، يجد المكتب كله خاليا. لقد اختفت “جيزيل” مع الأطفال.

محنة العائلة.. شبكة عالمية تختطف الأطفال

يكون هذا المدخل المثير كافيا لجذب المشاهدين إلى هذا العمل الحافل بالإثارة والمتعة، لكنه يشق طريقا أبعد من التلاعب الشكلي بالموضوع، بل يلمس نقاطا شديدة الأهمية، فهذه النظرة المليئة بالأمل في عيون الطفلين وهما جالسان في الحافلة مع والدهما في المشهد الثاني، ستبقى في الذاكرة بعد أن تشتد المحنة، وتتحول نظرة التفاؤل والأمل إلى نظرة يائسة تشع بالألم والفقدان والعذاب، مع ما سيتعرضان له من قسوة واعتداء وتسخير واستعباد.

تظهر لقطات وثائقية بالأبيض والأسود من الشوارع، لتمثّل خلفية قوية على لقطات نزول عناوين الفيلم، وهي من سنوات 2010-2013، ويظهر فيها أطفال يختطفهم رجال على دراجات نارية، أما التوقف عند 2013 فدلالته أن أحداث قصة اختطاف “روسيو” و”ميغيل” في الواقع حدثت في تلك السنة.

“أرى وجوه هؤلاء الأطفال عندما أستيقظ في كل صباح”

ننتقل الآن إلى كاليفورنيا، إلى وحدة مكافحة اختطاف الأطفال، فنرى صور عشرات الأطفال المختفين على شاشة حاسوب داخل الوكالة الأمنية.

يتابع بطلنا “تيم بالارد” وزميلاه على الشاشة الإعلانات التي يضعها المتعاملون في تجارة الأطفال على مواقع سرية على شبكة الإنترنت، ويحددون مكان أحد هؤلاء الأوغاد الذين يرفعون الصور على الشبكة، وتصل الشرطة فورا إلى عنوانه، ويجد “بالارد” في المكان مجلدات تتضمن ملفات عن الأطفال الذين يتاجر بهم، فيها أسماؤهم وصورهم وأعمارهم والبلاد التي ينتمون إليها، وغير ذلك.

بالارد يضبط رد فعله عندما يواجه مفاجأة

يقول “كريس” -وهو زميل “تيم بالارد”- إنه تعب، ولا يستطيع مواصلة العمل بهذه المهمة الشاقة، “أرى وجوه هؤلاء الأطفال عندما أستيقظ في كل صباح، لم أعد أستطيع التحمل”، ثم يسأله: كم عدد المتحرشين بالأطفال الذين استطعت القبض عليهم؟

يجيبه “تيم”: “288 متحرشا، وهو ليس رقما سيئا”. لكن “كريس” يعود فيسأله: وكم عدد الأطفال الذين وجدتهم؟ وحينها يصمت “بالارد” هنيهة، ثم يقول إن هناك احتمالا أن يكون معظمهم خارج الولايات المتحدة.

“تيم بالارد”.. أب يؤسس جماعة لتعقب المجرمين

سنعرف أن “تيم بالارد” متزوج، وله أسرة مكونة من ستة أبناء (في الحقيقة كان لديه 9 أبناء)، ونعرف أنه ينتمي أيضا لطائفة متدينة، أي أنه يتمسك بالتزامات أخلاقية مستمدة من القيم الدينية، وهو ضابط في إحدى وكالة الأمن القومي الأمريكية، ويعمل بالقسم المتخصص في تعقب المنحرفين جنسيا المعروفين بالبيدوفيليين، والقبض على المتاجرين بالأطفال، لكن “بالارد” لا يبدو على وئام مع الآلة البيروقراطية التي تحكم العمل في هذه الوكالة، وسيتفاقم هذا الشعور فيما بعد، وتكون له نتائجه.

يجد “بالارد” أن كل طفل اختطف أو اختفى وبيع للمتحرشين بالأطفال، يمكن أن يكون ابنه أو ابنته، لذلك فهو يهب حياته في البحث عن هؤلاء المجرمين، ولو كلفه الأمر أن يترك وظيفته الرسمية، بعد أن ترفض الوكالة استمراره في تعقب القضية التي استولت على اهتمامه، ويؤسس جماعة خاصة به في كولومبيا لتعقب المجرمين وإنقاذ الأطفال.

صورة لبالارد مع عائلته

في حيلة درامية مثيرة من حيل السيناريو البارع، يعقد “بالارد” اتفاقا مع الشخص الذي قَبض عليه متلبسا في الترويج للبيدوفيليا، فيطلق سراحه ويأخذه إلى حانة، ويعترف له بأنه “واحد منهم”، أي أنه أيضا أحد هؤلاء الشغوفين بالأطفال، وأنه سوف يطلق سراحه، شريطة أن يأتيه بطفل جميل من الأطفال الموجودين في الكتالوج، وهو “ميغيل” تحديدا.

“ميغيل”.. لعبة ذكية لإعادة الطفل المختطف

تتم الخدعة التي أداها “بالارد”، وتؤدي إلى إعادة القبض على الرجل، ولكن الأهم من ذلك أن القبض على الرجل الذي أحضر الطفل، يصبح أول الخيط الذي سيؤدي إلى باقي أعضاء الشبكة. أما الطفل “ميغيل” فيخبر “بالارد” بأمر أخته التي اختفت معه، وبأنها هناك في مكان ما على الشاطئ، ويطلب منه إنقاذها.

ومن هنا ننتقل إلى حيث توجد مجموعة الفتيات مع المرأة “جيزيل”، ونعرف أن الفتيات الصغيرات لا يعرفن أنهن وقعن فريسة لتجارة الأطفال، بغرض استعبادهم وتسخيرهم في الجنس لحساب البيدوفيليين الأثرياء، من ملاك اليخوت والقصور المنحرفين أخلاقيا وجنائيا، وتجار المخدرات، وزعماء المتمردين الذين يمارسون حرب العصابات في الغابات، بالإضافة إلى أصحاب المقامات الرفيعة من الأمريكيين والأجانب.

ينتقل الفيلم من كاليفورنيا إلى كولومبيا، ومن كولومبيا إلى هندوراس، في المواقع الحقيقية التي مر بها أبطال هذا الفيلم المثير.

“بالارد” و”فامبيرو”.. تحالف بين مجرم تائب وضابط ذي رسالة

من العلاقات المنسوجة جيدا في الفيلم العلاقة التي تنشأ بين “بالارد” وشخص يدعى “فامبيرو”، وكان يعمل في غسل أموال أحد كبار تجار المخدرات، وقبض عليه وقضى بضع سنوات في السجن، لكنه خرج لكي يهب حياته في تعقب المتاجرين بالأطفال الذين يستغلونهم جنسيا، بعد أن اكتشف أنهم قدموا له فتاة على أنها عاهرة، وعندما سألها عن عمرها، قالت إنها ابنة 23 عاما، لكنه اكتشف أنها فتاة قاصر، كانوا قد اختطفوها وأخضعوها للعبودية الجنسية.

العلاقة بين بالارد وفامبيرو، ستعلب دورا كبيرا في إنقاذ روسيو

شخصية “فامبيرو” شخصية حقيقية، لكن السيناريو أدخل عليها تفاصيل أخرى، وهو يردد في الفيلم عبارة ذات مغزى، تتسق تماما مع رسالة الفيلم، عندما يقول لـ”بالارد” وهو يبكي “إن الله يأمرك بما يجب عليك أن تفعل، وليس بوسعك أن تتردد”. والمقصود أنه ينفذ الآن إرادة الله في ضرورة إنقاذ الأطفال، وأما “بالارد” نفسه فيردد في مشهد آخر عبارة أخرى ذات مغزى، حين يقول لزوجته “إن أطفال الله ليسوا للبيع”.

تتوثق العلاقة بين الضابط صاحب الرسالة وبين هذا المجرم التائب، ويخوض الاثنان معا مغامرة محفوفة بالخطر، يتعاون معهم فيها ضابط شرطة كولومبي، وموظف في السفارة الأمريكية يوعز إليه رئيس “بالارد” في كاليفورنيا بأن يدعمه، بعد أن تيقن من إخلاصه في مهمته التي أراد رؤساؤه إبعاده عنها، تحت تصور أنها ستكون ضياعا للوقت والجهد والمال.

يتقمص “بالارد” دور تاجر أطفال يريد شراء 54 طفلا، ويتمكن من الوصول إلى “جيزيل”، فتأتيه بالأطفال، لكن تقع بعض المفارقات، ويعجز عن القبض على زعيم تلك العصابة، ويقتضي الأمر القيام بمغامرة أكبر في الذهاب بنفسه إلى منطقة الغابات، حيث اختطفت أخت “ميغيل”، وسخرت لأحد قادة المتمردين.

صناعة الفيلم.. تناغم بين الإخراج المتقَن والتمثيل المُقنع

كان عنصر الإخراج المتقن والتمثيل المقنع من العناصر التي توصل الفيلم إلى هدفه، وتحقيق رسالته الكامنة في التحذير من هذه التجارة المشؤومة التي تتسع في العالم، فالمخرج يحسن استخدام كل تفاصيل الأماكن التي يصور فيها، وتحريك الممثلين، ولا سيما الأطفال، وأن يخلق نوعا من التناغم فيما بينهم، وأن يستخدم الموسيقى الشجية التي تفيض بالحزن مع تراتيل جماعية تضفي طابعا نبيلا على الفيلم.

أحد حراس وكر للأشقياء

كما يجيد الممثل الأمريكي “جيم كافيزيل” أداءه لدور “تيم بالارد”، ويتماهى مع الشخصية تماما، بحيث تكثف نظراته وإيماءاته شعورا خفيا بالألم الشخصي، وكان قد أدى دور المسيح في فيلم “عاطفة المسيح” (The Passion of the Christ) عام 2004.

وفي أحد المشاهد البديعة يصطحب “تيم” الطفل “ميغيل” بعد إنقاذه وقبل تسليمه لوالده إلى مطعم، فيشتري له شطيرة من البرغر، ويحدثه عن أن لديه ابنا في مثل عمره، ويبدو مثل أب له، يكتسب ثقته، فيهديه الطفل القلادة التي كانت قد أهدتها له أخته.

تلعب هذه القلادة دورا في الدراما، فعندما يصل “بالارد” إلى الفتاة محاولا إنقاذها، ترى القلادة لديه، فتثق فيه وتستجيب له، بعد أن كانت تشكك في نياته.

“صوت الحرية”.. جدل وانقسام ولغط في الصحافة الأمريكية

أثار هذا الفيلم لغطا كثيرا في الصحافة الأمريكية، وهوجم في بعض الأوساط الإعلامية، بدعوى أنه يخدم دعاوى اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، والمنظمات التي تروج لنظرية المؤامرة، وتزعم أن هناك شبكة عالمية ضخمة من البيدوفيليين، تسيطر على معظم الأنشطة التجارية والاحتكارات في العالم، وأنهم يسعون إلى نشر الرذيلة، وتقويض الولايات المتحدة أخلاقيا واقتصاديا، وهي بلا ريب مزاعم مضحكة، وتردد أيضا أنها ترمي إلى الدفاع عن سياسات الرئيس السابق والمرشح الرئاسي الحالي، “دونالد ترامب”.

ولكن هذا الجدل والانقسام حول الفيلم، سرعان ما أفسح المجال لمناقشة أكثر عقلانية في سياق النظر إلى الرسالة الاجتماعية الواضحة للفيلم.