“لا أرض أخرى”.. حينما لا يبقى للفلسطيني سلاح سوى الكاميرا

في حفل ختام دورة مهرجان برلين السينمائي الـ74، صعد على المنصة شابان هما الفلسطيني باسل عدرا، والإسرائيلي يوفال أبراهام، لاستلام جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل في المهرجان. وألقى كل منهما كلمة تطالب بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، كانت لها أصداء قوية فيما بعد، حيث وجهت الاتهامات إلى المهرجان بالسماح بإلقاء كلمات “معادية للسامية”. وقال المخرج الإسرائيلي إنه تلقى تهديدات بالقتل بعد أن أدان سياسة التفرقة العنصرية التي تمارسها إسرائيل.

من التجارب النادرة أن يشارك عدد من السينمائيين الشباب، من فلسطين وإسرائيل معا، في إنجاز فيلم واحد، في التجربة السينمائية الجماعية الجديدة التي تحمل عنوان “لا أرض أخرى” No Other Land وهو الفيلم الذي عرض في قسم “بانوراما” بمهرجان برلين السينمائي الأخير.

سنوات من التصوير.. محاولات توثيق الصراع قبل الطوفان

هذا الفيلم الوثائقي الطويل (95 دقيقة) هو نتاج عمل استغرق عدة سنوات، جمع، من ناحية، بين المحامي والصحفي الفلسطيني باسل عدرا، والمصور والمزارع الفلسطيني حمدان بلال، ومن ناحية أخرى، الصحفي الاستقصائي الإسرائيلي يوفال أبراهام، والمصورة السينمائية الإسرائيلية راشيل سزور. وقد قام الأربعة بالتصوير والإخراج والمونتاج، كما ظهر معظمهم في الفيلم وإن برز حضور باسل ويوفال، اللذين كان من الواضح وجود علاقة صداقة تجمع بينهما من فترة، إلا أن الفيلم يجسد بوضوح أيضا لحظات التناقض والخلاف فيما بينهما بحكم موقف كل منهما في دولة تقمع الأول، وتتيح الحرية للثاني. وهذا تحديدا كان محور الكلمة التي ألقاها يوفال أبراهام في ختام المهرجان.

صور الفيلم قبل أحداث “طوفان الأقصى”، ولكنه جاء كما لو كان تعليقا على سياسة الهدم والتهجير القسري للفلسطينيين التي ازداد سعارها منذ “طوفان الأقصى”، فالفيلم يتوقف كثيرا أمام قيام الجيش الإسرائيلي بهدم وإزالة منازل الفلسطينيين في عدد من القرى الفلسطينية، في منطقة “مسافر يطا” الواقعة في جنوب الضفة الغربية بالقرب من مدينة الخليل. وقد تعرضت قرى مسافر يطا منذ سنوات، لأكبر عملية قمع وهدم للمنازل، من أجل تهجير السكان الفلسطينيين، تمهيدا لتحويل المنطقة إلى منطقة تدريبات تابعة مباشرة للجيش الإسرائيلي، ثم الاستيلاء على الأرض لبناء مزيد من المستوطنات.

فيلم عن الهدم.. ممارسات الاحتلال المقيتة اتجاه الفلسطينيين

وكانت أوامر السلطات الإسرائيلية بالاستيلاء على المنطقة قد صدرت في عام 1980، إلا أن الطرد القسري لم يبدأ رسميًا إلا بعد أن انتهت محكمة إسرائيلية من نظر الالتماس الذي تقدم به السكان الفلسطينيون في عام 2022. وأيدت المحكمة القرار السابق.

إنه فيلم عن الهدم، عن الإخلاء، وعن القمع اللامحدود الذي يمارس تحت القوة العسكرية الجبرية، وعن الكاميرا وكيف تتحدى وتواجه وتصمد في وجه البطش، وما يتعرض له بشكل مباشر كل من باسل ويوفال، وهما يصران على التصوير، وكيف يتعرضان للمطاردة وخطر الاعتقال، ومصادرة الصور، لكنهما يعودان أكثر إصرارا وتحدياً، ويتمكنان من استعادة جهازي الهاتف المحمول.

“إيلان”.. رجل السلطة المهرج المكلف بالهدم

يتوقف الفيلم أمام ضحايا “مذبحة” هدم المنازل وإجبار سكانها على المغادرة، من دون أي تعويض بل ومن دون سابق إنذار، ويظهر رجل إسرائيلي ممثل للسلطة المدنية، يرتدي ملابس تجعله يبدو كمهرج، يدعى “إيلان”، يحفظ تاريخ وموقع ومكان كل بيت من بيوت الفلسطينيين في المنطقة، وهو مكلف بتنفيذ قرارات السلطة بإخلائها وهدمها، وعندما يتكلم فهو يتكلم بلسان قوة الاحتلال، ويعتقد أنه يقوم بعمل بطولي، لكن الفيلم يقدمه في سياق ساخر، بنظاراته العاكسة اللامعة، وردائه الرياضي الفضفاض، حتى ليبدو مثل رجال العصابات في الأفلام الأمريكية!

تُستخدم في الفيلم مواد كثيرة قديمة مصورة من قبل باسل ووالده، توثق لعمليات الاعتداء والهدم عبر السنين، وهي المهمة التي يواصل باسل القيام بها اليوم ولكنه لا يبدو متفائلا، فالهدف من التصوير المستمر منذ سنوات هو إطلاع العالم على ما يجري ولفت الأنظار إلى جرائم الاحتلال، لكن باسل يرى أن لا أحد يهتم. ولعل سلبية العالم، تجسدت بشكل أكثر وضوحا مع تواصل العدوان الإسرائيلي على سكان غزة يوميا، والمجازر الموثقة التي ترتكب في حقهم.

طفل يبحث عن ألعابه وسط ركام منزله المهدم

فصول السنة.. دورة حياة موسومة بالهدم

ينقسم الفيلم إلى فصول، تتخذ أسماء فصول العام، بداية من صيف 2019 حتى شتاء 2023، مع استمرار محاولات الفلسطينيين العودة وإعادة بناء بيوتهم التي تم تدميرها من جديد، ولكن لكي يتم تدميرها مجددا من دون أدنى اعتبار. وعندما يقفز الفيلم إلى شتاء 2020، نرى كيف يتصدى الفلسطيني هارون أبو عران، للجنود الإسرائيليين الذين يصادرون المولد الكهربائي الصغير الخاص به، فيطلقون عليه الرصاص ويصيبونه في رقبته مما يؤدي إلى إصابته بالشلل فيلجا مع أمه العجوز للعيش في ملجأ بدائي. وتظل أمه ترعاه دون كلل.

الصور حقيقية ومباشرة وصادمة، ومعاناة السكان الفلسطينيين لا تنفصل أو تختلف كثيرا عن معاناة أشقائهم في غزة اليوم، والمقصود من التدمير والهدم والاستبعاد والتهجير، هو أساسا كسر الإرادة، وتكريس اليأس في نفوسهم، إلا أن هذا الهدف لا يتحقق. فالإرادة قوية، والأمل لايزال قائما، اعتمادا على الصمود والمقاومة. فمجرد أننا نشاهد استمرارا لمحاولات الاحتلال كسر الإرادة عبر سنين طويلة دون أن يتوقف السكان الفلسطينيون عن العودة والتجمع والاحتجاج بل وإعادة البناء، هو في حد ذاته دليل على فشل القوة الإسرائيلية في كسر الإرادة.

“باسل عدرا”.. شاهد يحول شهادته لفيلم

يكرس “باسل عدرا” نفسه لمتابعة ورصد ما يحدث لأهله، فهو ابن المنطقة، وقد شهد بعينيه منذ أن كان في الخامسة من عمره (باسل من مواليد 1996)، الهدم والتشريد، كما يتذكر اعتقال الشرطة الإسرائيلية لوالده بسبب نشاطه في حماية المنطقة من الهدم والاعتداءات، وتجميع الأهالي وتنظيمهم من أجل مقاومة الاحتلال. وهو يروي لنا بصوته قصة عائلته وخصوصا نضال والده الذي يخشى هو ألا يرتفع الآن إلى مستواه، وأن يصاب باليأس. إنه يرى الأمور بمنظور عقلاني تماما على حين أن زميله الإسرائيلي يوفال أبراهام، يعتقد أنه يمكن أن يحرك العالم بواسطة نشر الصور والشرائط على وسائل التواصل الاجتماعي.

سنعرف أن القرى الفلسطينية في “مسافر يطا”، تعرضت أيضا لهجمات منتظمة من جانب المستوطنين اليهود، الذين ظلوا يمنعون السكان من إعادة التجمع وبناء منازلهم التي تهدمت. وباسل يريد أن يلفت أنظار العالم إلى تلك المأساة المتكررة التي تشمل إلى جانب تدمير المنازل، تدمير الطرق وأنابيب وخزانات مياه الشرب وأنظمة الطاقة الشمسية. وهو يواجه التعنت الإسرائيلي بالكاميرا، وبالتالي يمكن القول إن الكاميرا هي البطل الحقيقي في الفيلم.

باسل ويوفال: طرفان في قلب الصراع

صحافة لامبالية.. زيارات ميدانية من أجل الاستعراض

ويظهر في الفيلم مجموعة من الصحفيين الأجانب الذين يأتون لتصوير ورصد ما يجري في المنطقة، ولكنهم لا يبدون متعاطفين مع قضية السكان الفلسطينيين، بقدر ما يبحثون عن مادة ساخنة من أجل الاستعراض، وهو ما يدفع السيدة المسنة، والدة هارون أبو عران، إلى إبداء غضبها منهم ومن محاولاتهم الاهتمام بزوايا التصوير أكثر من اهتمامهم بالإنسان وما يقع له.

نحن نرى كيف تستمر محاولات إعادة البناء التي تتم في الليل، ولكن سرعان ما تأتي الجرافات، تزيل ما تم بناؤه. وتستمر الاحتجاجات وتستخدم الشرطة الغاز المسيل للدموع والقسوة المفرطة.

ويتذكر باسل زيارة توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ومبعوث المجموعة الرباعية للشرق الأوسط، إلى المنطقة، عندما كان باسل لايزال طفلا صغيرا، وكيف قضى بلير عدة دقائق فقط يسير بين البيوت محاطا بحراسه، ولم تنجح زيارته سوى في تأجيل هدم بيوت إحدى القرى لبعض الوقت، وهو ما لا جدوى منه، لأن مشروع الهدم مستمر طالما استمر الاحتلال.

وعندما يصل الفيلم إلى عام 2023، نشاهد كيف وصل العنف إلى أقصاه مع اقتحام الجرافات مبنى مدرسة أثناء وجود التلاميذ في داخل الفصول، وكيف لا يجد التلاميذ مفرا سوى القفز من النوافذ للفرار، وهو مشهد يعتبر بأي مقياس نوعا من السوريالية التي تتجاوز أي واقع.

وتيرة التوتر ترتفع مع تصاعد الأحداث، وينقسم أبطال التصوير والعمل المشترك في الرأي وتدور بينهم مناقشات مباشرة تعكس اختلافاتهم في الرأي والرؤية: بلال لا يرى فائدة من التعاون مع أي إسرائيلي بل يتشكك في إمكانية أن يفهم الطرف الآخر، المحنة، كما يتشكك أيضا زميله حمدان بلال، ولكن يوفال أبراهام يصر على إمكانية العمل على إنهاء الاحتلال وأنه سيواصل الوقوف مع الحق الفلسطيني في الاستقلال، وباسل يقول له إن الاحتلال لا يمكن إنهاؤه في بضعة أيام من خلال نشر بعض الصور على مواقع التواصل، وأن الأمر يحتاج إلى نضال طويل، وصبر طويل.

ولكن هناك فرقا، بين الإسرائيلي الذي تتيح له السلطات حرية الحركة والعودة إلى بيته على الجانب الآخر والاستحمام، وبين الفلسطيني الذي يعتقل ويمنع من العبور إلى حيث يوجد منزله، بل ويعتقل أيضا. ولعل هذا الفرق هو ما عبر عنه يوفال أبراهام في ختام مهرجان برلين وهو يقف جنبا إلى جنب مع باسل عدرا، عندما قال: “إننا نقف أمامكم. الآن، نحن في نفس العمر. أنا إسرائيلي وباسل فلسطيني.. وفي غضون يومين، سنعود إلى أرض لسنا فيها متساويين.. فأنا أخضع للقانون المدني؛ وباسل يخضع للقانون العسكري. نحن نعيش على بعد 30 دقيقة من بعضنا البعض، ولكن أنا أتمتع بحق التصويت.  بينما لا يملك باسل هذا الحق. أنا حر في التحرك حيث أريد في هذه الأرض. أما باسل، فهو، مثل ملايين الفلسطينيين، محاصر في الضفة الغربية المحتلة. هذا الفصل العنصري القائم بيننا، يجب أن ينتهي.”

إن فيلم “لا أرض أخرى” يلخص في شجاعة ووضوح رؤية، كيف ترتكب إسرائيل سياسة التفرقة والحرمان والقوة والهدم والتشريد منذ أكثر من 70 عاما، وكيف أن عملية “طوفان الأقصى” لم تنبع من فراغ بل كانت أسبابها قائمة وواضحة أمام أنظار العالم.