“مدن الموتى”.. فقراء اضطرتهم الحياة لمزاحمة الأموات في مراقدهم

تكاد مدينة القاهرة تختصّ بظاهرة الأحواش التي تنتشر على تخومها، وتُعرف بالقرافة، وهي المدافن المأهولة بالسّكان الأحياء، فقد انتشرت حولها تجمعات سكنية، بسبب توفّرها على بعض مقومات الحياة، مثل شبكات المياه والإنارة، وقد بلغ عدد سكانها ما بين 1-2 مليون نسمة، وفقا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2008.

يرصد الفيلم الوثائقي “مدن الموتى” -الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية- هذه الظّاهرة، فيأخذنا إلى مجتمع الهامش في مقابر الإمامين بالقاهرة، وإلى عائلات “تتوارث غنائمها” بعد أن سُدت سبل الحياة الكريمة في وجوهها، وتبذل جهدا لتجعل سكنها طبيعيا، فتقيم المتاجر والمقاهي وألعاب الأطفال، ولكن الإقامة بين الأموات لا تكون خالية من التبعات، من حيث نمط الحياة وطبيعة التّفكير.

أرض الفراغ.. عزلة موحشة في عالم الأموات

افتُتح الفيلم بمشاهد غطس صُوّرت بالمسيّرات، لتقدّم لنا الفضاء باعتماد زاوية عين الطائر الشبيهة بالراوي كلّي المعرفة في السرد الكلاسيكي، فالكاميرا تعلم أكثر مما نعلم، وبفضل درايتها هذه تأخذنا في رحلة إلى عوالم القرافة المجهولة لدى كثير منا، فتتوالى اللقطات الفارغة تقريبا إلا من بعض الأشجار الجرداء اليابسة، والحيوانات المفردة، منها كلاب سائبة، وقطط نائمة، وفرخ حمام تائه في السّماء، وذبابة متكاسلة تحت أشعة الشمس المتوهجة.

ولا يستمدّ الفضاء في السينما دلالته إلاّ من وجود شخصيات تؤثر فيه وتمنحه قيمته المضافة، أما الصمت الذي يسود القرافة والأحياء الفارغة والحيوانات القليلة المتكاسلة، فإنما يوحي بالعزلة والموت.

آلاف العائلات تسكن في القرافة بجانب القبور

وقد ظلّت الكاميرا تلح على أنها تصوّر الغياب والفراغ في مرحلة ما قبل كتابة عنوان الفيلم. فهل هو غياب الأصدقاء والأهل في حياة قطّان المدافن؟ أم هو الإقصاء الذي تمارسه المنظومة السياسية ضد فئة من المجتمع، فتطردها إلى عالم الأموات وتعتدي على حقّها في الحياة؟

قد نذهب إلى أكثر من اتجاه في التأويل ولكن المخرج يسعفنا بإلقاء شعري من خارج الإطار، يعضد الصّور ويوجّه فهمنا إلى ما يرتضيه من الدّلالات، فيشحن لقطاته شجنا وشقاء. يقول:

مدن الموتى.. بيوت الأحياء ملاصقة لبيوت الأموات

إن كان جرى مني ذنب سامحوني وأنا أتوب
وآش يعمل الوعد في المكتوب
لو كان خلاصي بإيدي أنا لأمنع المكتوب
الأولى للنبي والثانية للمكتوب
والثالثة صحبتي والرابعة غربتي
والخامسة كنت غالب أصبحت أنا المغلوب

ومن التفاعل بين صور العزلة بين القبور، يأتينا صوت الشاعر الشّاكي، تتسرّب نبرة التفجّع المميّزة للرثاء في كلماته، ثم تعصف ريح وتدبّ الحركة في المشاهد، فتهز أغصان الشّجر، ثم يسقط قرص الشمس بعيدا فينتشر الظلام.

تمثل مرحلة ما قبل كتابة العنوان عتبة مهمة لتقديم الفيلم للمتفرّج، وبهذه المشاهد الافتتاحية تعلمنا أن لا شيء مهم يحدث في القرافة، إلا دورات لا نهاية لها من العزلة والإقصاء والتهميش، بعيدا عن عيون العالم.

أبطال الفيلم.. شخصيات لا تعرف من العالم إلا المقابر

بعد عرض المقدمة، يأخذنا الفيلم إلى مدفن الإمام الشافعي، فينتقي بعناية نماذج من القاطنين، ليعرض سيرة المكان من خلال سيرة أهله، ومن هؤلاء محمود سليمان، وهو سبّاك صحي وُلد في القرافة وعاش حياته بين القبور، فقد جاء والده إلى أحواش المدافن من الصعيد صغيرا لاجئا إلى خاله، على أثر خصومة مع والده، ولكنه لم يغادرها حتّى مماته.

ومنهم المطرب الشعبي سيد إمام الذي كان يظن في طفولته المبكرة أن العالم ليس شيئا آخر غير المدافن، وأنه ينتهي بنهايتها. ومن النماذج النسائية نلتقي فاطمة بدر، وهي ربة منزل لم تعرف غير المدافن سكنا، ثم يأخذنا الفيلم بعدئذ إلى المقهى لنستمع إلى الأصوات المختلفة.

سيد إمام، مطرب شعبي ولد وترعرع في القرافة بين القبور

ما يجمع هذه الشخصيات كلها هو سكنُها في القرافة، بسبب الفقر وغلاء الإيجار، ففيها يقيم الوافدون مؤقتا ريثما تتحسّن الأحوال ويجدون سكنا لائقا، ولكنّ الأحوال لم تتحسّن، فأصبحت هذه الإقامة المؤقتة إقامة دائمة.

وشيئا فشيئا يطمئن هؤلاء اللاجئون للمدافن، ويجدون عند أمواتها عوضا وحماية من شرَه أصحاب رؤوس الأموال، ثم يغلب عليهم القبول والتسليم بالأمر الواقع، وربما اجتهد بعضهم ليمنح عيشه هناك صفة الاختيار الحر، فيردّ “تفضيله” للإقامة في الأحواش إلى ما يميّزها من الهدوء وخضرة الشجر، وما فيها من الرّاحة النفسية التي لا يجدها في الشقق.

لكن سرعان ما نكتشف مكابرته ورفضه لوضعه في العمق، فالجميع يقرّ بكونه لا يريد لأبنائه أن يعيدوا تجربته وأن يعيشوا الحياة نفسها، فتراه يمنّي النفس برؤيتهم قادرين على إيجاد مساكن لأنفسهم، منخرطين في صخب المدينة بدل العيش على هامشها.

“اعملوا ما تفعلون، نحن يتولانا الله”

ينشغل الجميع بمحاولة التلاؤم مع الواقع والتكيّف مع قسوة الفضاء، فمن ذلك ترميم المساكن التي لا تحمي من القرّ، وخوفهم المستمر من مقدم جرافات لتهدم المساكن المتداعية فوق الرؤوس وتتركهم في العراء، والبحث عن العمل الضامن للحياة الكريمة، وما يواجهه الأطفال من هدر مدرسي وجنوح.

ولا يجد بعضهم إلا ترديد العبارة “اعملوا ما تفعلون، نحن يتولانا الله”، للتعبير عن استسلامه لقدره، ولكن ليس هذا شأن المطرب الشعبي سيد إمام، فقد تعلم بين القبور الموسيقى والغناء بدل البكاء والعويل لذكرى الأموات، وتدرب على مهنته التي ستكفل قوته اليوم، فيلتقط كلماته من حكم البسطاء ومنها يصوغ أغانيه.

عالم يضج بالحياة على جوانب عالم آخر هادئ تحت التراب

يقول سيد إمام إنه سمع ذات يوم امرأة تقول لأخرى وقد خذلها زوجها “قال يا ناكر خيري.. زماني من زمن غيري”، فارتجل من فوره لحنا مناسبا، وصنع منه أغنية، ولقي النجاح الكبير الذي صنع مجده الفني.

ويشبّه هذا المطرب نفسه بمن يقع في حب امرأة من أوّل نظرة، فحين استمع إلى آلة الكولة (الناي) وقع في حبها من أول نغم، فهل وجد في أنغامها من الشجن ما عبّر عن روحه المعذبة؟

مجتمع الأموات.. تعايش هادئ بين رموز المذاهب المتصارعة

نكتشف في القرافة فضاء لمجتمع متنوع، تتحقق فيه أنماط العيش المختلفة، وتُلعب جميع الأدوار الاجتماعية، بما في ذلك التعارف والزواج والطلاق والترفيه ومواجهة محن الحياة. فينضمّ المرء إليها لاجئا، ثم يصبح أحد السّكان الأصيلين وجزءا من ذاكرة المكان.

وفي حكاية والد محمود سليمان الصعيدي مثال على ذلك، فقد نزل بالقرافة ضيفا عند خاله، ولكنها سرقته من نفسه، فظل يعمل فيها، ثم تعرّف فيها على زوجته، وكانت ترافق مشغّليها في زياراتهم للمدافن، وهناك تزوج بها وأنجب أبناءه ثم قضى نحبه. وها هو محمود ابنه يصبح فيها كهلا، لا يتصوّر لنفسه وجودا ممكنا خارج عالمها.

مقام سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري في القرافة بالقاهرة

ولهذه المدافن أدوار على المستويين الدّيني والثّقافي، فمن خلالها تناقش شرعية التوسل بالشيوخ الذين يرقدون فيها أو العيش في حمايتهم.

ولعلّ الظّاهرة الأهم في هذا الفضاء هو ذلك “التعايش بين أموات مختلف المذاهب”، فترى مقام الإمام يحيى الشاوي بجانب مقام العارف بالله سيدي الحاج محمد بدر الدين العيادي، ويجاورهما مقام الشيخ حمزة عليش، وقريب منهم مقام السيدة زينب بنت علي.

فلا صوت الجوزي يعلو متهما الغزالي بخيانة الشريعة قائلا “ما أرخص ما باع الفقه بالتصوف”، ولا آل البيت يتهمون بعض الصحابة بانتزاع حق الخلافة من علي. ويُترك جميعهم لحاله، ليناموا في دعة وهدوء، تاركين أتباعهم ينقسمون إلى ملل ونحل، ويتفنّنون في ابتكار أساليب جديدة للتحيّز والكراهية.

جماليات السينما.. لغة مجازية تنطق بها عدسة الكاميرا

لا بدّ أن نقرّ بأنّ الفيلم مصنوع بإتقان، وأنّ لغته السينمائية استمدت جماليتها من قدرتها على خلق المفارقات المعبّرة عن التفاوت الطبقي الذي يعيشه المجتمع المصري.

فقد كانت اللقطات العامة البعيدة تصوّر المآذن المتطاولة المتزاحمة في الخارج فتوحي بالوقار والسّكينة. وحين ندخل الحيّ تتحوّل إلى لقطات بانورامية، تمعن في عرض مظاهر البؤس في الحي، فتخلق صورها معادلا بصريا لمعاني الألم والشقاء.

أما حين تعرض الكاميرا المباني التاريخية المتصدّعة والأعمدة المتداعية والنّقوش المتهالكة، فتسرع في حركتها كأنها تشعر بالأسى والفزع وهي ترى هذه المباني الرائعة تحاصرها البناءات العشوائية، وتواجه خطر الانهيار من غير أن تحظى بالصيانة والترميم، فتهرب من الواقع كما يهرب سكان المدافن من واقعهم.

أطفال يولدون ويكبرون ويتزوجون بين القبور

ولكنّ هذا الواقع يظل يلاحقها، فيتسرّب إلى الصور في هيئة رموز فنية، فمشهد الغروب ظل يتكرّر، فإذا الشمس تغوص إلى العالم السفلي، عالم الموت والشقاء كما في الأساطير، من وراء العمارات الحديثة المتطاولة إلى الأعلى، فتجسّد الصراع بين عالم الأحياء هناك، وعالم الأموات هنا في المدافن، حقيقة أو مجازا.

إحياء المراقد.. كنوز مهملة توازي المقابر الفرعونية

بالموازاة مع مساءلة الشخصيات، يميل الفيلم إلى الإيحاء وإلى التعبير بالصورة، ولئن اقتصر احتجاج الأهالي على الخطر الذي يحيق بهم بين ركام الأنقاض، فإنّ الكاميرا كانت تعبّر ضمنا عن صدمتها من ترك تلك البناءات التاريخية القيّمة وذلك التراث المادي المهم فريسةً للإهمال وخطر الانهيار، فكانت بالتقاط تلك التشققات والتّصدّعات تعلمنا أنّ البلاد لا تهمل أحياءها فقط، بل أمواتها وتاريخها وأئمتها أيضا.

مقامات مزخرفة تصلح لتكون مواقع سياحية في قرافة القاهرة

ففي هذه المدافن كنوز من الأشكال البديعة والنقوش الرفيعة والأعمدة الهائلة، وصيانة هذا التراث وحفظ الذّاكرة كفيلان بجعل المدافن نظيرا إسلاميا لمقابر الفراعنة، وجديران بتعريف زوّار مصر بقسم آخر من ثقافتها.

وفي هذه المدافن ترقد صفحات من التاريخ المصري، ولعل ترميمها يحوّلها إلى نواة لسياحة دينية شبيهة بتلك التي تتحقق في مراقد الأئمة بإيران، فتدرّ على البلاد دخلا إضافيا.

وصية الخليفة عمر بن الخطاب.. مدافن ذات تاريخ عريق

لا بدّ لنا أن نستدعي شيئا من التاريخ لفهم أهمية هذه المدافن، فقد فتح عمرو بن العاص مصر في عام 20 هـ (الموافق 642 م)، وبنى مدينة الفسطاط وجعلها عاصمة لها، ودُفن موتى المسلمين بجبل القطيم، وصيةً من الخليفة عمر بن الخطاب، في الناحية التي ستسكنها قبلية بني قرافة ذات الأصل اليمني، ومنها سُميت تلك المقابر بالقرافة.

مقاهٍ وحياة عامرة في شوارع القرافة بالقاهرة

وفيها دفن أعلام الفقه والسياسة، ومنهم الإمام الشافعي، والفقيه العز بن عبد السلام، ومؤسس الدولة الطولونية بمصر والشّام أحمد بن طولون. وقد أهملت الفسطاط في عهد الدولة الفاطمية حين بنى المعزّ لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة بجوارها، ثم أعاد إليها صلاح الدين الأيوبي بريقها، فأسس مدرسة تعليم الفقه الشافعي قريبا من قبره، ثمّ انتشرت حولها مؤسسات دينية اضطلعت بأكثر من وظيفة، منها ما هو تعليمي أو اجتماعي أو عسكري، وعاشت أمجادا غابرة.

ولم تصبح هذه المدافن ملاذا للمشردين إلاّ في القرن التاسع عشر، حين عيّنت الأسر الأرستقراطية حراسا لمقابرها العائلية، فعمل هؤلاء على استقدام أهليهم من الأقاليم البعيدة للإقامة معهم، ثم أضحت وجهةً للباحثين عن السكن بشدّة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مع انتشار الهجرة الدّاخلية وتباعد الهوّة بين طبقات المجتمع المصري.