“خيوط من ذهب”.. سيمفونية الأجساد المعذبة والأحلام الضائعة في مصانع الهند

بدأت السينما بالوثائقي ثم أتى الخيال. شيء ما في فيلم “خيوط من ذهب” (The Golden Thread) للمخرجة الهندية “نيشتا جاين” أعادني إلى لحظة بداية السينما، حين صور الأخوان “لوميير” فيلم “خروج العمال من مصنع لوميير” (La sortie de l’usine Lumière à Lyon) عام 1895، وهو أحد أفلامهما الأولى، وفي ذلك الوقت كان تصوير حركة العمال على شريط سينمائي أمرا مدهشا للمشاهدين الذين يستكشفون هذا الاختراع الجديد.

تبدأ “جاين” بعد أكثر من قرن من الزمن فيلمها بلقطة تمتد دقائق، تصور دخول العمال إلى أحد مصانع الجوت العتيقة خارج كولكاتا، وهي مصانع لا تزال على حالها تقريبا، من دون تغيير منذ بداية الثورة الصناعية في العالم. تدخل بنا اللقطة نحو سجل حميم للمعاناة، فنرى عالما قديما يقف على خط الزوال، وعمالا يكدحون في ظروف عمل قاسية، ومن أجل الحد الأدنى للأجور.

أُنتج فيلم “خيوط  من ذهب” عام 2022، وقد شاركت الجزيرة الوثائقية في إنتاجه، وعُرض أول مرة في مهرجان الفيلم الوثائقي الدولي بأمستردام 2023، وعُرض في مهرجان دارامسالا السينمائي الدولي الـ12. وفاز بالجائزة الكبرى في بيرغامو في إيطاليا، كما حصل على جوائز أخرى من عدة مهرجانات دولية، منها مهرجان أبيرسفيلده الألماني، ومهرجان دوكسا للفيلم الوثائقي بكندا.

“نيشتا جاين”.. صانعة وثائقيات تلامس واقع حكايات القاع

“نيشتا جاين” هي مخرجة وثائقية من مومباي، وهي معروفة بأفلام منها “غولابي غانغ” (Gulabi Gang) الذي أخرجته عام 2012، و”لاكشمي وأنا” (Lakshmi and Me) الذي أخرجته عام 2007، ومدينة الصور (City of Photos) الذي أخرجته عام 2004.

تستجوب “نيشتا” في أفلامها التجارب الحية لأبطالها عند تقاطع الجنس والطائفة والطبقة، مثلما تستكشف السياسة من حكايات شخوصها الواقعيين. وقد فاز أحدث أفلامها “زراعة الثورة” (Farming the Revolution) -الذي تشارك الجزيرة الوثائقية في إنتاجه- بالجائزة الكبرى في مهرجان “هوت دوكس” للفيلم الوثائقي، وهو أكبر المهرجانات الوثائقية في كندا.

تدور أحداث الفيلم في قلب الاحتجاجات الهائلة التي استمرت مدة عام، رافضةً قوانين الزراعة غير العادلة التي سنتها الحكومة الهندية، وقد وقعت خلال تلك المدة أحداث كبيرة، منها جائحة “كوفيد 19″، ومواسم زراعية متقلبة قاسية، وهجمات شرسة من قِبل الدولة ووسائل إعلامها.

ثلاثية العمال.. سلسلة ترصد أحوال الطبقات الكادحة

يمشي أحد العمال عبر جبل من خيوط الجوت ذهبية اللون، بينما يغفو عامل منهك على إيقاع آلات يمتد عمرها لأكثر من قرن من الزمان، وتتعاقب على الشاشة تتابعات من العمل، ولحظات خاطفة من الراحة. وهكذا تؤطر المخرجة “نيشتا جاين” العمال بين الآلات والخيوط، كأنهم جزء من آلة هائلة.

هذا الفيلم هو المتمم لثلاثية أفلام عن معاناة العمال في الأزمنة الحديثة. وقد بدأت الثلاثية بفيلم “لاكشمي وأنا” (Lakshmi and Me) عام 2007، ثم تبعته بفيلم “على عتبة بابي” (At my Doorstep) عام 2009. تقول المخرجة “جاين” في أحد حواراتها إن منطلقها لصنع هذه الثلاثية، هو أن أغلب سكان بلدها ينتمون للطبقة العمالية، ومع ذلك فإن حياتهم وصراعاتهم تظل بعيدة عن الضوء في السينما السائدة، فتتجاهلهم صيحات ورقصات بوليود.

المخرجة الهندية نيشتا جاين والتي تركز كاميرتها على معاناة العمال

في فيلم “لاكشمي وأنا” تتبع المخرجة “نيشتا جاين” خادمة منزلية تدعى “لاكشمي” (21 عاما)، وهي تعيش في مومباي، وتعمل 10 ساعات يوميا، على مدار أيام الأسبوع السبعة، وهي تعمل لدى المخرجة “جاين” نفسها، فتصورها في بيتها وفي بيوت أخرى، لتستكشف الأخطار التي تحف بحياتها.

وفي فيلمها “على عتبة بابي”، تصور “جاين” العمال الذي يصلون إلى عتبة بيتها يوميا، ومنهم عمال خدمات التوصيل، وجامعو القمامة، وغيرهم من العمال الذين يعملون في ظروف سيئة، لجعل حياة الطبقة المتوسطة في بومباي أكثر راحة.

ترينا المخرجة أوجه الاضطهاد التي يواجهونها بسبب الطبقة والطائفة والجنس، وتحاول أن تمنحنا إحساسا بكيفية عمل الملايين ونضالهم من أجل موطئ قدم أكثر ثباتا، في مدينة ضخمة غير مبالية بهم، بل إنها معادية لهم في كثير من الأحيان. وهي لا تكتفي بتصوير عالم أبطالها، بل تسعى لاكتشاف حقيقته، وهو ما تواصل فعله في “خيوط ذهبية”.

“خيوط ذهبية”.. مصانع بديل البلاستيك الذي تتجاهله الحكومة

تدور أحداث فيلم “خيوط ذهبية” في مصانع الجوت الموجودة بضواحي كالكوتا، ويروج للجوت على أنه بديل أفضل من المنتجات البلاستيكية التي تقتل البيئة، ومع ذلك فإن هذه المصانع لا تلقى أي دعم حكومي، بل تزداد ظروف المهنة سوءا.

يتناول الفيلم التفاصيل الدقيقة للعمل اليومي داخل هذه المصانع، بدءا من اللقطات الافتتاحية التي تؤطر ألياف الجوت المتطايرة حول مساحة العمل، إلى تغييرات الورديات المتعددة، حيث تتبع الكاميرا العمال أثناء فترات راحة، وحين مغادرة المصنع والعودة إلى المنزل.

لقطة من الفيلم لعامل منهمك بالعمل داخل المصنع

الفيلم مبني زمنيا وكأنه يوم عمل كامل في المصنع بكل مناوباته، ومع ذلك فقد استغرق إتمامه حوالى 7 سنوات، منذ أول زيارة من المخرجة للمصنع حتى صدوره في 2022.

من اللحظات المعبرة عن طبيعة المعاناة في الفيلم، حديث عامل عجوز يعمل في مصنع الجوت منذ 1965 عن معاناته في ظروف العمل الحالية، مع تهديد إغلاق المصانع المستمر، ويخبرنا أن والده أيضا عمل هنا حتى تقاعده. إنها حكاية ممتدة من التقلبات والمعاناة.

“ربما هذه هي فرصتك”.. همس الأحلام المدفونة تحت وطأة الواقع

يقول السينمائي الفرنسي “جان روش”: السينما هي وسيلتي الوحيدة، التي يمكن أن أظهر بها للآخرين كيف أراهم.

تهتم “جاين” دائما في أفلامها بتمثيل قصص النساء ومعاناتهم الخاصة، وهي لا تغفل هنا تصوير أحلام النساء وإحباطاتهن من عاملات مصانع الجوت، فتلتقي فتيات يسافرن عدة ساعات، ليصلن إلى منازلهن بعد انتهاء مناوبات العمل، ثم يقمن بالأعمال المنزلية أيضا قبل الاستعداد ليوم عمل جديد في المصنع.

وكان من أجمل حوارات الفيلم محاورة المخرجة مع إحدى فتيات المصنع الشابات، فتخبرها أنها في البداية كانت تحلم أن تكون ضابطة شرطة، وكانت تحلم أيضا أن تكون بطلة في فيلم سينمائي. فيقول لها الجالس بجوارها ممازحا “ربما هذه هي فرصتك”، يقصد ظهورها أمام الكاميرا في هذا الفيلم.

ثم تسألها المخرجة: إلى أين تأخذك أحلامك؟ فتجيب: إلى نهر غوا، حيث أجلس على الشاطئ، وأحدق في الجمال الخلاب وحدي، بينما أكتب شيئا أو أستمع إلى الأغاني.

“سينما الحقيقة”.. عفوية تحمل النكهة الواقعية المنسابة

لا تتعلق المعاناة في الفيلم بالعمل الشاق والجور في الأجور فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى واقع محبط، يطيح بالأحلام البسيطة. تظهر نسوية “جاين” في أفلامها عبر رؤيتها، ومن خلال تجاوزها القضايا الاجتماعية والسياسية، من أجل اكتشاف الآمال والتطلعات والأحلام المدفونة تحت الأجساد والعقول المغتربة والمعذبة.

مشهد من الفيلم

تميل “جاين” دائما للعمل بأسلوب “سينما الحقيقة” (Cinéma Vérité)، وهو أسلوب في صناعة الأفلام صاغه الفرنسي “جان روش”، للوصول إلى لحقيقة من غير تلاعب، فهو يجمع بين الارتجال وتسليط الضوء على موضوعات خفية وراء الواقع الخام، وهدفه التقاط ردود الفعل والأحداث من غير توجيه، بخطة أو سيناريو مفصل مسبقا. تحاول كاميرا سينما الحقيقة أن تأسر عفوية ونكهة الحدث الحقيقي.

لا تلجأ “جاين” في فيلم “خطوط ذهبية” لسيناريو أو تصميم مسبق للمشاهد، بل تجنح دائما إلى التجربة الحية. إنها تتعلق بالأشياء المحسوسة، فتصور في الأماكن الطبيعية وفي إضاءة طبيعية عبر كاميرا محمولة باليد، تمنحنا لقطاتها الطويلة -الخالية من القطع المونتاجي- إيحاء الحقيقة، مثلما تمنحنا تلك اللقطات التي ينظر فيها العمال مباشرة باتجاه الكاميرا إحساسا بوجود الكاميرا وتجولها في المكان.

“وثائقي المراقبة”.. عدسة لا ترسم الطريق بل تتدفق مع الماء

ينتمي فيلم “جاين” إلى ما يسميه منظّر السينما الوثائقية “بيل نيكولز” وثائقي المراقبة (Observational Documentary)، وهو نوع يصبح المخرج فيه أقل تحكما في المادة المصورة، ولا يملي على الشخصيات ما تقوله أو تفعله، بل يتابع ويلاحظ ما يحدث أمام كاميرته.

يبدأ الفيلم بلا حوارات ولا مقابلات لمدة 13 دقيقة، فتغمرك “جاين” في عالم شخصياتها والأجواء الحقيقية للعمل داخل المصنع، ومع ذلك فإنها تكسر نمط المراقبة بإدخال الحوارات لفيلمها، لأنها تدرك أن هذه التصنيفات ليست إلا تصنيفات أكاديمية، مثلما تؤمن أيضا أن الناس يعبرون بشكل أفضل عن حياتهم بكلماتهم.

ينتهي الفيلم بإغلاق المصنع، وتفكيك آلاته وحملها بعيدا، بينما يقف العمال في صفوف يحدقون في مستقبلهم الغامض، وتمنحنا الموسيقى الحزينة المصاحبة لهذه المشاهد إحساسا بالفقد. في فيلم “نيشتا جاين” يصبح العمال الذين لا اسم لهم جسدا يعاني، فتغمرنا بتجربة بصرية وسمعية أقرب لسيمفونية تسكنها وجوه متعبة وآلات عتيقة على وشك الزوال.