“خيانة الأولاد”.. مراهقون يعيدون سرد قصص التحرش التي أخفوها 40 عاما

في 20 أغسطس/ آب عام 1989، وقعت جريمة قتل بالرصاص بمنزل في بيفرلي هيلز، ضاحية المشاهير في هوليود، وكان ضحيتها المليونير الأمريكي الكوبي “خوسيه مننديز” وزوجته “ماري لويز مننديز”، وقد مضى بعض الوقت قبل القبض على ابنيهما، وتوجيه الاتهام إليهما بقتل والديهما بدافع الجشع، أي الحصول على إرث من ثروة طائلة.

استغرقت القضية نحو 7 سنوات، وانتهت المحاكمة الأولى بانقسام المحلفين، وعجزهم عن إصدار حكم، وفي المحاكمة الثانية استبعد القاضي كل ما يتعلق بتبريرات القاتلين، وكانا قد ادّعيا اغتصاب والدهما لهما عدة سنوات، وتستر الأم على ذلك ومساعدتها إياه في تحقيق مآربه، ثم تهديد والدهما لهما بالقتل إن هما أفشيا هذا السر العائلي.

وفي عام 1996، صدر حكم بالسجن المؤبد على الشابين “لايل” و”إريك”، بعد أن كان الادعاء قد طالب بإعدامهما، فالقاضي لم يقتنع بما تقدم به كلاهما وشهود كثيرون من الأقارب وأصدقاء الأسرة، ورفض الاتهامات الموجهة إلى “خوسيه مننديز”، مستبعدا أن يكون قد ارتكب مثل هذه الأفعال الشائنة.

لا يزال “لايل” و”إريك” كلاهما في السجن حتى يومنا هذا، أي منذ أكثر من 30 عاما، لكن المسلسل الوثائقي القصير “منندز+ مينودو: خيانة الأولاد”، يعيد فتح ملف تفاصيل وملابسات القضية في ضوء ظهور شاهد آخر من الممكن أن يقلب القضية رأسا على عقب، وقد يؤدي إلى إعادة النظر في الحكم الصادر بحق الابنين.

هذا الشاهد هو “روي روسيلو” الذي قضى سنوات -منذ بلوغه 13 عاما- من عمره عضوا في فرقة “مينودو” الغنائية الاستعراضية الشهيرة للصبية في بورتوريكو، وكان قد أسسها ورأسها “إدواردو دياز”. فما هو الجديد الذي كشفه “روي”؟

أنتج مسلسل “منندز+ مينودو: خيانة الأولاد” (Menéndez + Menudo: Boys Betrayed) عام 2023، وقد أخرجته “إستر ريس”، ووزعته على 3 حلقات.

“بعد لحظة من اقتراف الجريمة تمنيت أن أوقظ أبي وأمي”

تبدأ الحلقة الأولى من المسلسل بلقطة من إصلاحية ر. ج دونوفان بسان دييغو في كاليفورنيا، ثم يأتينا من خارج الصورة صوت “إريك مننديز” وهو يقول: “يرى الناس أني بسبب ارتكابي لهذه المأساة، فإنني أوافق عليها، فبعد لحظة من اقتراف الجريمة تمنيت أن أوقظ أبي وأمي من هذا الكابوس، وأعيدهما إلى الحياة، ولكن لم يكن هناك من سبيل لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء”. هذا التصريح يأتي على خلفية من صور لمسرح الجريمة داخل منزل العائلة، والدم يلطخ الأرضية، بينما نلمح جثة الأم ممددة.

أثارت هذه الجريمة الرأي العام في أوائل التسعينيات، وقد استخدم الابنان في ارتكابها بندقيتين، ووجها للأب 8 رصاصات منها واحدة في الجبهة مباشرة، وأما الأم فقد أصيبت بعشر طلقات. وكان واضحا أن هناك غضبا شديدا وراء كل هذا العنف.

مننديز الأب مع ولديه وهما طفلان

تظهر بعد ذلك لقطات من الأرشيف من داخل المحكمة على صوت مراسل تليفزيوني يصف ما يجري، فيقول إن المحكمة خلصت إلى أن الجريمة ارتكبت بدافع الجشع، لا سيما أن المتهمين اشتريا أشياء ثمينة كثيرة بعد وقوع الجريمة مباشرة، وهما الوريثان الوحيدان.

كان “إريك” ابن 21 عاما عند ارتكاب الجريمة، وتظهر محاميته في المحكمة وهي تقول إنه ظل يتعرض لاعتداءات والده الجنسية منذ وقت مبكر، ثم يأتينا صوت “إريك” نفسه وهو يقول إن أباه كان يصف انفراده به بقوله إنها لحظات خاصة فيما بينهما. وننتقل بعد ذلك إلى الصحفي “روبرت باند” الذي ظل يتابع القضية منذ 33 سنة، ولم يتخل قط عن قناعته بأن الابنين كانا صادقين فيما أقرا بأنه دافع وراء ارتكاب الجريمة.

“روي روسيلو”.. بطل المسلسل الشاهد على فظائع الفرقة

ننتقل إلى الجانب الآخر الذي سيشغل حيزا أكبر في المسلسل، لا سيما في الحلقتين الثانية والثالثة، أي العلاقة التي كانت تربط بين الأب القتيل “خوسيه مننديز” و”إدواردو دياز” مؤسس فرقة الأولاد للموسيقى “مينودو”، وهو الذي التقط الصبي “روي روسيلو” من ريو دي جانيرو في البرازيل، وضمه إلى الفرقة عام 1983، ثم غادرها في 1986.

الأخوان مننديز في شبابهما قبيل ارتكاب الجريمة

من البداية، من وقت المحاكمة، يمكننا سماع صوت “إريك مننديز” أحد الابنين، وهو يقول: كان أبي منغمسا انغماسا حميميا في كل ما يتعلق بفرقة “مينودو”، بل يكاد يكون مهوسا.

تستخدم المخرجة لقطات من برنامج تلفزيوني شهير من الثمانينيات، كانت تقدمه المذيعة الأمريكية الكوبية “كريستينا ماريا أفيلا”، وهو يقدم باللغة الإسبانية بعنوان “كريستينا شو”، وكان يُبث من ميامي. وقد استضافت “إدواردو دياز” مدير فرقة مينودو، ثم ظهر أمامه فتى من فتيان الفرقة، فقال إنه رآه بأم عينه وهو يمارس الجنس مع أحد أعضاء الفرقة الصغار. فنفى “دياز” ذلك.

يعود المسلسل إلى هذه الشهادة فيما بعد، عندما نرى أن الشخص المقصود الذي يشير إليه ذلك الشاهد، هو “روي روسيلو” نفسه. ويروي “روسيلو” بالتفصيل في حلقتين، ما ظل يعيشه زمنا طويلا من اغتصاب شبه يومي، وأن “دياز” كان يضربه ويعاقبه إن رآه مع أي فتاة، ويمنع عنه الطعام والشراب، ويحبسه في الحمام عاريا، ثم يجذبه في صباح اليوم التالي، ويعود لاغتصابه مجددا.

ليلة “مننديز”.. استغلال المراهقين لإبرام الصفقات الجيدة

أخطر ما يأتي في سياق ما يرويه “روي روسيلو”، هو حديثه عن “خوسيه مننديز”، فيقول إن “دياز” قدمه إليه عندما زار منزله، لتوقيع عقد ذي قيمة مالية كبيرة، لإنتاج أغاني واستعراضات فرقة مينودو، وأن “مننديز” أعطى “روسيلو” شرابا أفقده توازنه، ثم جذبه إلى غرفة في الطابق العلوي واغتصبه، وأنه أصيب بنزيف.

خوسيه مننديز مع زوجته التي قيل إنها كانت تتستر عليه

وعندما فتح عينيه وجد نفسه في غرفته بالفندق، ولم يبالِ “دياز” بشكواه مما تعرض له من عنف أدى إلى إصابته بنزيف، ولم يهتم بعلاجه، بل ضحك وطمأنه بأنه سيكون على ما يرام. والمقصود من القصة أن “دياز” كان يستغل ميل “مننديز” للمراهقين، لإبرام الصفقات الجيدة معه.

يدعم أقوال “روسيلو” ما يقوله الأخوان “مننديز”، فكثيرا ما كانا يشاهدان أعضاء فرقة “مينودو” يأتون إلى منزلهما في نيوجيرسي، ويحضرون حفلات الشواء في حديقة المنزل، وقد اصطحب والدهما ذات مرة صبيا إلى الطابق الأعلى من المنزل، وكانت الأم تمنع ولديها من الصعود، أو معرفة ما كان يجري حتى لكل منهما على انفراد.

نبش القضية.. بحث عن العدالة بعد 40 عاما

يصبح “روسيلو” البطل الرئيسي للمسلسل، فيتابع بحثه الطويل عن زملاء له من أعضاء فرقة “مينودو”، لكي يدعموا عريضة الاتهام التي يعتزم تقديمها للسلطات الأمريكية ضد “دياز”، حتى يلقى ما يستحقه من عقاب على ما ارتكبه في حقه قبل أربعين عاما.

يروي لنا “روسيلو” أنه وجد نوعا من التصالح مع النفس بعد أن أصبح متدينا، ولكنه أصبح أيضا يرى أن عليه مسؤولية التحذير من مثل هذه الأفعال التي سكت الكثيرون عنها في الماضي خشية الفضيحة، وذلك كي لا تتكرر مستقبلا. وهو- كما يقول- لا يبحث عن التعويض المالي ولا الانتقام، بل العدالة.

أعضاء فرقة مينودو في الثمانينيات

وقد لقي كثيرا ممن اقتربوا على نحو أو آخر بمدير الفرقة “إدواردو دياز”، وكان بعضهم شاهدا على انتهاكاته للصبية من أعضاء الفرقة، أو سمعوا بما كان يحدث، وهي أقاويل كانت تتردد منذ أوائل الثمانينيات.

ومع ذلك فقد كان “دياز” ينفي دائما ضلوعه في أي عمل شائن، مع اعترافه بتبديل جميع أعضاء الفرقة حين يبلغون 18 عاما، ولكنه رفض الظهور في المسلسل، والرد على الاتهامات الموجهة إليه.

“راي رايز”.. ضحية اختطفه الموت قبل تقديم شكواه

أصبح هناك الآن دليل على وجود أكثر من شاهد، يمكن أن يشهد لـ”روسيلو”، وإذا ثبت أنه صادق فيما يدعيه على “دياز”، وما يقوله عن اعتداء “مننديز” عليه، فلا بد أن يصبح هذا أساسا لإعادة محاكمة الأخوين “مننديز” المحبوسين بتهمة القتل العمد، ويمكن تخفيف الحكم عليهما باعتبار الجريمة شكلا من أشكال الدفاع عن النفس، أو قتلا على سبيل الخطأ أو الانفعال الشديد، ثم يطلق سراحهما بعد أن قضيا في السجن 33 عاما.

نرى “روسيلو” يأتي إلى ميامي ليقابل أمه وأخاه المقيمين هناك، ولم يلقهما منذ أكثر من 10 سنوات، ثم يقابل “نيري يونكلان”، وهي صحفية ظلت تتابع محنة الأخوين “مننديز”، وظلت تتواصل معه هاتفيا نحوا من عامين. وهي أيضا ضمن فريق إنتاج المسلسل.

روي “روسيلو” يتحدث إلى الصحفية

كان أعضاء فرقة “مينودو” -كما يقول بعضهم في المسلسل- يعلمون بما كان يفعله “دياز”، لكنهم كانوا يظنون أنه يحدث بالتراضي بين الطرفين. ولم يكن “روسيلو” وحده الذي تعرض لتلك المحنة، فقد كان زميله وصديقه “راي رايز” يعتزم التقدم بشكوى ضد “دياز”، لكنه أصيب بنوبة قلبية وفارق الحياة.

ويقول أخوه في المسلسل إنه كان يعاني من الضغوط العصبية والنفسية، بسبب ما تعرض له، وقد تسبب ذلك بوفاته المفاجئة.

“بوليفار أريلانو”.. شاهد اعتقلته الشرطة على الهواء

لم يكن يمكن أن يأتي الفيلم حافلا بكل تلك الحيوية والتوثيق المقنع، لولا الصور الفوتوغرافية الكثيرة التي حصل عليها فريق الإنتاج من “روسيلو” نفسه، والصور القديمة من ألبوم آل “مننديز”، وبعض الأفلام العائلية المصورة على شرائط الفيديو، وشرائط فيديو أخرى لحفلات فرقة “مينودو” يظهر فيها “روسيلو” و”رايز”، وقصاصات الصحف، ولقطات المحاكمة، وبرامج التليفزيون التي اهتمت بالقضية، وغير ذلك من المقاطع المصورة، فلا ترِد معلومة في المسلسل من دون توثيق بالصورة أو بالشهادة.

تظهر في الفيلم شخصيات كثيرة تقدم شهاداتها، ربما يكون أهمها المصور الصحفي “بوليفار أريلانو”، وقد كان قريبا من الفرقة، وأصبح مسؤولا عن توزيع ألبوماتها الغنائية في عموم أمريكا اللاتينية، وقد سمع من كثير من أعضاء الفرقة الاعتداءات الجنسية التي كان يمارسها عليهم “إدواردو دياز”، ولكنهم فضلوا جميعا الصمت خشية الطرد من الفرقة.

الشرطة تنقل إحدى الجثتين من مسرح الجريمة

أما هو فقد أصر على الحديث، وقد ظهر في برنامج تلفزيوني يتهم “دياز” بتلك التهم، لكن الشرطة دهمت أستديو التليفزيون وهو على الهواء مباشرة واعتقلته، ووجهت إليه تهمة السب والقذف وتشويه السمعة، ثم أُرغم على سحب اتهاماته والاعتذار مقابل إطلاق سراحه.

وهو يقول إن ذلك حدث بسبب النفوذ الكبير الذي كان لدى “دياز” على مستوى السلطات. ويلتقي “روسيلو” به الآن بعد أن تقدم في العمر، فيجد أنه ما زال مستعدا للإفادة بما يعرفه عن انتهاكات “دياز”.

“الأمر ما زال يحدث يا أندي”.. رسالة قوية قد تغير مسار القضية

ينتقل الفيلم من المشاهد المثيرة، مثل مشهد دخول الشرطة للأستديو التليفزيوني مرتين، إلى الشهادات المباشرة في حوارات “روسيلو” مع أصدقائه القدامى، ويتمكن فريق المسلسل من تحقيق الإثارة، وشد المتفرج لمتابعة الأحداث التي يكشف عنها طبقة وراء أخرى، في سياق مدعوم بالصور والمشاهد التي تستدعي الماضي.

ومن ذلك الإثراء البصري مشاهد لموقع الجريمة التي ارتكبها الأخوان “مننديز”، ولقطات كثيرة من “إدواردو دياز” نفسه، وهو يضحك ويلهو ويستمتع بمشاهدة أعضاء فرقته من المراهقين، وهم يقدمون أغانيهم واستعراضاتهم.

ينتهي المسلسل من غير خاتمة، فالقضية ما زالت مفتوحة، ولكننا سنعرف أنه بعد عرضه في مايو/ أيار 2023، فتحت شرطة لوس أنجلوس التحقيق مع “إدواردو دياز” بشأن الاتهامات الموجهة إليه، لا سيما بعد أن تقدم “روسيلو” رسميا بشهادته للشرطة.

ولكن الأهم من كل ذلك، ظهور رسالة بخط يد “إريك مننديز” كان قد أرسلها إلى ابن عمه “أندي كانو” في 1988، أي قبل 8 أشهر من وقوع الجريمة، يخبره فيها بأنه كان يحاول تفادي والده. ولكن “الأمر ما زال يحدث يا أندي، وقد أصبح أسوأ لدي الآن. كل ليلة أفكر في أنه قد يدخل، أنا خائف، إنه مجنون، لقد حذرني مئات المرات بأن لا أخبر أحدا ولا سيما لايل (أخوه)”.

يمكن أن تصبح هذه الوثيقة نقطة تحول في قضية الأخوين “مننديز”. كما يمكن أن تؤدي شهادة “روسيلو” إلى إعادة النظر في الحكم. والحقيقة دائما أكبر كثيرا من الخيال.