“إلى أرض مجهولة”.. فلسطينيان تائهان في أثينا يطلبان زاد الرحلة للمنفى

“على نحو ما، فمصير الفلسطينيين ليس أن ينتهوا حيث بدؤوا، بل في مكان آخر غير متوقع وبعيد جدا”.

هذه هي كلمات الكاتب الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد التي تظهر على الشاشة في بداية فيلم “إلى أرض مجهولة”، وهو فيلم واضح ومباشر في تعبيره عن الغضب، وعن العذاب والاحتجاج، وعن القسوة والرقة والتضامن الإنساني، والسعي المستحيل للعثور على الأمان.

إنه يروي قصة معاصرة تمس القلوب، لا سيما في ظل الحرب التي تشنها الآلة العسكرية الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر، لكنها ليست قصة مقصودة لإثارة المشاعر الجياشة، بل لدفعك إلى التفكير في “المأزق الإنساني” للفلسطيني الذي كتب عليه أن يسير خارج وطنه، لا يعرف أين سيذهب غدا، وعندما يغادر مكانا يجد نفسه حبيسا في مكان آخر، في “المنفى” الذي لا يبدو أن له نهاية.

عُرض فيلم “إلى أرض مجهولة” (To a Land Unknown) عرضه العالمي الأول في تظاهرة “نصف شهر المخرجين” بالدورة الـ77 لمهرجان كان السينمائي، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرج الفلسطيني مهدي فليفل الذي يعيش في الدنمارك، وكان قد أخرج قبله 7 أفلام قصيرة.

تدور أحداث الفيلم في مدينة أثينا، وقد تقاسم دور البطولة فيه الممثلان محمود بكري وأرام صبّاح، أما السيناريو فقد اشترك في كتابته مهدي فليفل مع “جيسون ماكولغان” والمخرج المغربي فيصل بوليفة صاحب فيلم “الملعونون لا يبكون” (The Damned Don’t Cry).

مهجر أثينا المؤقت.. بحث عن المال لإكمال الرحلة

يروي الفيلم قصة شابين فلسطينيين في العشرينيات من عمرهما، وهما شاتيلا ورضا اللذان لم يعودا قادرين على تحمل عذاب العيش بمخيم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، حيث يحظر عليهما الانتقال والعمل والتحرك وبناء حياة، فيغادران لبنان إلى العاصمة اليونانية أثينا، وهناك تدور أحداث الفيلم.

بوستر الفيلم الفلسطيني في مهرجان كان 2024 ” إلى أرض مجهولة”

ليست أثينا هي المقصد، ولا يشعران بالراحة أو الاستقرار، وإنما هي محطة في الطريق إلى الحلم الأكبر، ألمانيا. ولكن كيف يجدان وسيلة للسفر إلى ألمانيا وقد جاءا متسللين، ليست لديهما جوازات سفر ولا تأشيرات، ناهيك عن حاجتهما الماسة إلى المال لتغطية تكاليف تزوير جوازات السفر، وشراء بطاقات السفر بالطائرة.

لا يرى شاتيلا (الممثل محمود بكري) وابن عمه رضا (الممثل أرام صبّاح) شيئا من أثينا التي يقصدها ملايين السياح، بل يعيشان مستترين فيما يشبه “الغيتو” الفلسطيني، يحاولان تدبر أمرهما والعثور بأي طريقة على بعض المال، لكي يدفعا للمزور المحترف مروان (الممثل منذر رياحنة) المبلغ الكبير الذي يطلبه، مقابل تزوير جوازي سفر لهما.

لذلك نراهما من أول مشهد في الفيلم يحتالان لسرقة حقيبة يد من امرأة يونانية مسنة في الحديقة العامة وسط أثينا، لكن ما يجدانه فيها لا يكفي ثمنا لوجبة عشاء.

فما هو ذلك الحلم الذي يدفعهما للذهاب إلى ألمانيا، وهي أكثر البلدان تشددا في معاملة الفلسطينيين كما أثبتت الأحداث الحديثة؟ ربما لأنها أكثر ليونة من غيرها في قبول اللاجئين.

شاتيلا ورضا.. علاقة العقل المدبر والمدمن الساذج

شاتيلا هو العقل المدبر للعملية، وقد سُمي على المخيم الشهير الذي شهد المذبحة في لبنان عام 1982، وهو الذي يخطط ويدبر ويفكر ويدفع الأمور، لكنه لا يتمكن دائما من السيطرة عليها، بل كثيرا ما يفشل فيما اعتزمه، لا سيما أن رضا من النوع الضعيف الهش، فلديه قلب إنساني يجعله عرضة للخسارة باستمرار، حتى عندما يبدو أنه قد حقق شيئا.

يستر رضا شعوره بالهوان والعجز والاكتئاب عن طريق تعاطي المخدرات، وهذا الإدمان -الذي يحاول شاتيلا أن يدفعه إلى الإقلاع عنه- يجعله لا يتورع عن السطو على المدخرات القليلة التي يخبئها شاتيلا في مخبأ أمين، لشراء المخدر الذي يفقده وعيه.

رفقة إنسانية تجمع البطلين أرام صبّاح ومحمود بكري مع اختلاف شخصيتهما

ومع أن رضا يوقع شاتيلا في مآزق كثيرة، بسبب طيبة قلبه وسذاجته وتعاطفه مع الآخرين من دون حسابات، فإنه يغفر دائما لزميله وصديقه الوحيد الذي يحبه ويثق فيه، بل يبدو أيضا أنه قد أصبح مسؤولا عنه، فهو الذي أغواه بالرحيل معه.

وكان شاتيلا قد ترك خلفه زوجته نبيلة وابنه الصغير الذي لا يتجاوز عمره 3 سنوات، وحلمه أن يفتتح مقهى ومطعما صغيرا في برلين في الحي الذي يقطنه العرب، ثم يأتي بزوجته نبيلة لطهي الأطعمة، فهو يصفها بأنها طاهية ماهرة، أما رضا فسيصبح مسؤولا عن تقديم المشروبات وخدمة الزبائن.

توازن الشخصيتين.. سيناريو يلعب على الحبال النفسية

يحقق السيناريو توازنا بديعا بين الشخصيتين، ويلعب على ثنائية الخوف والتحدي، والتردد والإقدام، والشعور المسيطر بالأمل مع الشك واليأس الذي يدفع إلى ارتكاب جرائم صغيرة لا مفر منها. كما لا يجعل الشخصيات أحادية الجانب، فهناك الجانب الشرير والجانب الخيّر، ولكن كلما أوغلا في الشعور بوطأة مأزقهما الإنساني، تدنى السلوك كما سنرى.

في لحظة ما يقول شاتيلا لرضا إن عومل الناس معاملة الحيوانات فسيأتي وقت يأكل فيه بعضهم بعضا.  وربما تنطبق هذه المقولة على غالبية الشخصيات التي يصورها هذا الفيلم، بعيدا عن صورة الضحية المعتادة في أفلام التعاطف العاطفي المسبق.

لا يتورع رضا مثلا عن الذهاب إلى الحديقة في أثينا ليلا، حيث يتردد الشواذ، كي يبيع قدرته الجنسية مقابل قليل من المال، ومع أن شاتيلا يستنكر ذلك فإنه لا يردعه، كما أن رضا يسرق أحذية من محل، ويفترض أن ثمن الحذاء لا يقل عن 200 يورو، ولكنه يقبل ببيعه مقابل 20 يورو فقط لرجل فلسطيني آخر جشع من مجموعة فلسطينيين اتخذوا مأوى داخل منزل مهجور، وهو نفس المكان الذي يؤوي شاتيلا ورضا.

“تاتيانا” ومالك.. فرصة سانحة لجني بعض المال

هناك طفل يلفت انتباه رضا وشاتيلا في الحديقة، وهو يدعى مالك (13 سنة)، وسيتضح أنه فلسطيني من غزة، أصبح وحيدا تماما في أثينا، وهو الآن لا يجد مكانا يأويه، بعد أن تخلى عنه المهرب الذي جاء به، وكان يفترض أن يوصله إلى عمته في إيطاليا.

يشعر رضا بالتعاطف مع الطفل مالك ويريد أن يساعده، أما شاتيلا فيبدو مترددا، ففي البداية يصرفه بعيدا، ولكنه يعود إليه، فيرق له قلبه، ويوافق على أن يقيم معهما لبعض الوقت.

رضا يلهو مع مالك في لحظة شعور بالسعادة

يلتقي شاتيلا بامرأة تدعى “تاتيانا”، وهي يونانية وحيدة ضائعة ذات جمال زائل، تغرق نفسها في الخمر كل ليلة، فتنجذب إليه وترثي لحاله، ولكنها في البداية لا تأنس إليه تماما، فهي تتشكك في نياته، ولكنه سرعان ما يجدها فرصة، إذ يمكنه أن يقنعها بالسفر مع مالك إلى روما بادعاء أنها أمه، مقابل أن تتقاسم معه مبلغ الـ4 آلاف يورو التي تعرضها عمة الطفل، وتشترط أن يكون الدفع بعد وصول مالك إلى إيطاليا.

بيع الوهم للاجئين السوريين.. ثقة في غير محلها

يريد شاتيلا انتهاز أي فرصة لجني بعض المال، حتى يدفع مستحقات استخراج جوازي السفر المزورين، ولذلك تتسع شهيته وتنفتح على استغلال أزمة 3 من اللاجئين السوريين، ممن قاسَوا الأمرّين للفرار من سورية، والآن سيصبحون ضحايا نتيجة سذاجتهم وطيبة قلبهم وثقتهم به، فيستولي على ما معهم من مال بالتعاون مع المزور مروان، وذلك بدعوى أنه وشركاءه سيهرّبونهم إلى إيطاليا.

فكيف ستنتهي هذه القصة المتشابكة الأطراف؟ وهل يتحقق حلم الشابين بالوصول إلى الجنة المنشودة في ألمانيا؟ كيف ستسير الأمور مع “تاتيانا” ومالك، ثم مع السوريين الثلاثة؟ وكيف سيجرّ التدني إلى تدنٍ أكثر وأكثر وسقوط في الجريمة؛ الخطف والاحتجاز وممارسة التعذيب؟

لن نعرف كثيرا ما حدث لمالك و”تاتيانا”. فهل وصلا إلى إيطاليا، وإن كانا قد وصلا فلماذا لم ترجع “تاتيانا”، ولماذا أغلقت عمة مالك هاتفها ولم تعد ترد على اتصالات شاتيلا، هل تراجعت عن دفع المبلغ المطلوب بعد أن وصل إليها مالك؟ أم أن الشرطة قبضت على “تاتيانا” ومالك؟

أسلوب الإثارة والتشويق.. تحول مسار الفيلم في الثلث الأخير

تبقى كل التساؤلات مفتوحة لا إجابة لها، فهي جزء من المحنة الفلسطينية، المأزق المستمر الذي لا فرار منه، وقد يأتي الموت قبل الأوان، في الغربة، فقد كتب على الفلسطيني- كما يقول إدوارد سعيد- أن يموت خارج أرضه. ما هو واضح أن شاتيلا ورضا لن يعودا أبدا إلى أرضهما، وسينتهي الفيلم في أثينا التي تبدو سجنا كبيرا.

المخرج الفلسطيني مهدي فليفل

في الثلث الأخير من الفيلم، يتغير الأسلوب مع تعقد السرد عند محاولة إيهام اللاجئين السوريين بتهريبهم ثم احتجازهم والتنكيل بهم لانتزاع كلمة السر التي تفتح هواتفهم، ويتجه الفيلم نحو أسلوب الإثارة والتشويق، ثم يكتسي أيضا بلمسة ميلودرامية، وصولا إلى نهاية مأساوية تذكرنا بنهاية فيلم “المخدوعون” لتوفيق صالح، ولكن من دون أن يفقد الفيلم طابعه الإنساني المؤثر.

يتحدث رضا مع زملائه في المأوى، فيقول إنه أنهى دراسته الثانوية، ثم يقرأ عليهم مقطعا من إحدى قصائد محمود درويش عن التيه الفلسطيني. فيسأله أحدهم: هل أنت كاتبها؟ فيقول: لا بل كتبها محمود درويش. ثم يسأله: أتعرف محمود درويش؟ فنسمع همهمة، من غير إجابة!

“إلى أرض مجهولة”.. إخراج واقعي وتصوير يغوص في المشاعر

يلتزم أسلوب الإخراج بالواقعية التي اكتسبها مهدي فليفل من تجاربه السابقة في التصوير المباشر بالشوارع، مع إبراز لملامح المكان في وجود الشخصيات دائما، ولا شك أن الفضل في قوة التعبير بالصورة في الفيلم، يعود إلى مدير التصوير اليوناني “ثودوروس ميهولوبولوس”.

مهدي فليفل في لقطة أثناء إعداد أحد المشاهد

يركز التصوير على الوجوه في لقطات قريبة (Close-Up) لإبراز المشاعر والتعبيرات وانعكاس الأحداث على وجوه الأبطال الثلاثة، مع اختيار زوايا تصوير لا تربك عين المتفرج ولا تشتت المنظور، واستخدام الإضاءة ذات المصادر الطبيعية.

يرتفع الفيلم كثيرا بفضل الأداء الممتاز من جانب الممثلين جميعا، لا سيما محمود بكري وآرام صبّاح في الدورين الرئيسيين، مع أداء مميز جدا للممثل الأردني منذر رياحنة في دور مروان، والطفل محمد الصرافة في دور مالك.

وعند تقديمه للفيلم في مهرجان كان، قال المخرج مهدي فليفل إن التصوير بدأ بعد شهر من أحداث السابع من أكتوبر 2023، وانتهى العمل في الفيلم بعد ستة أشهر، للحاق بالعرض في المهرجان. وقد اشتركت في إنتاج الفيلم جهات عدة، في اليونان والدنمارك وبريطانيا وهولندا.