بورتريه

أبو حسن سلامة.. أخطبوط المقاومة الفلسطينية وقاهر الموساد

عبد الله أيد

التحق علي حسن سلامة بحركة فتح بالقاهرة عام 1963

كان شابا وسيما ومؤثرا جدا وذا حضور طاغ، لمع اسمه في سماء النضال المقدس والكفاح من أجل فلسطين. شاب اقتدى بأبيه في المقاومة، ومن شابه أباه فما ظلم.

 آمن بفكرة الفرد للمجموعة والمجموعة للفرد، وكان سرابا خارقا للعادة غامضا لا يمكن التنبؤ بأفعاله. يتلوّن كالحرباء أينما حل وارتحل بأناقته ولغاته الأجنبية المتعددة، وله جهاز عالمي يعمل في الكثير من الدول الأوروبية حتى اخترق المجتمع اليهودي. كان شخصا مقاوما محبوبا بين الناس ويحمل جميع الصفات القيادية كما أنه محب للحياة، حتى إن حبه للحياة هو الذي قتله.

نستعرض فيما يلي الفيلم الذي أنتجته الجزيرة بعنوان ”الأمير الأحمر.. قاهر الموساد الإسرائيلي“، ويحكي قصة رجل المخابرات الفلسطيني علي حسن سلامة، وكيف قهر الموساد الإسرائيلي لسنوات طويلة في أوروبا والوطن العربي.

 

ثورة فلسطين الأولى

كان من أهداف الثورة الكبرى بين عامي 1936 و1939 وقف الهجرة اليهودية ووقف بيع الأراضي وإنهاء الانتداب البريطاني مع تشكيل حكومة وطنية مسؤولة أمام برلمان فلسطيني، أي أنها كانت تحاول أن تخطو الخطوة الأولى باتجاه الاستقلال الفلسطيني، وسريعا ما تحولت من عصيان مدني إلى ثورة مسلحة خلال مدة شهر من بداية الثورة، لتبدأ انتفاضة مسلحة انبثق من رحمها جيش الجهاد المقدس.

كان حسن سلامة جزءا من هذا الجيش وقائد قطاع، إلا أنه اضطر في 1939 أن يفارق فلسطين قاصدا العراق، وهناك في أرض الرافدين الخصبة أنجب ابنه علي حسن سلامة الذي اشتهر فيما بعد باسم ”أبو حسن سلامة“.

جينات المقاومة

انضم حسن سلامة إلى مجموعة من كتيبة المظليين الألمان، وقاموا بالهبوط في فلسطين في منطقة أريحا لتنفيذ عملية خططت لها المخابرات الألمانية تهدف إلى تسميم منابع المياه في تل أبيب، إلا أن المجموعة ارتكبت خطأ كبيرا أدى إلى فشل العملية فشلا ذريعا وذلك لكون المظليين غير عالمين بطبيعة المنطقة.

أدى ذلك إلى عجزهم عن الهبوط في مكان واحد فتقرقوا، وفارقوا المظلات التي تحمل سلاحهم وصناديق الذهب لتكتشف مجموعة من الرعاة البدو الأمر فتطمع في الاستفادة من الذهب والأسلحة، وقاموا بالإبلاغ عنهم لتصل وحدة إنجليزية فتبيدهم، لكن حسن سلامة تمكن من التخفي في جبال القدس فترة طويلة، ليعود فيما بعد في عام 1947 للمشاركة في تشكيلات جيش الجهاد المقدس تحت قيادة عبد القادر الحسيني، وفي معمعان معركة رأس العين الشهيرة أوقعه القدر المحتوم فسقط شهيدا.

 

عدوى الثورة

استشهد الشيخ حسن سلامة في مرحلة مبكرة من عمر ابنه علي، فلم يتعرف على أبيه إلا من خلال ما يطرق آذانه من حكايات الناس، الأمر الذي قد يكون له أثر في بداية حياته.

كان علي حسن محبا للغات والهندسة، فذهب إلى سويسرا من أجل دراسة اللغات ثم انتقل إلى ألمانيا، وهناك عاش بداية فترته إنسانا بسيطا يسير مع التيار دون أن تكون لديه اهتمامات سياسية ثم عاد في وقت لاحق إلى القاهرة.

وفي تلك الأثناء بدأت الثورة الفلسطينية فجاء إليه في منزله بعض الفلسطينيين من مؤسسي حركة فتح يدعونه إلى الثورة قائلين ”ليس من المعقول أن تكون ابن الشيخ حسن سلامة ثم لا تلتحق بالثورة الفلسطينية“، ليلتحق علي حسن سلامة بحركة فتح بالقاهرة عام 1963، فأصبح شخصا مختلفا تماما عما كان يعرفه الناس من توجهات وأفكار وسير مع مسار الريح، ثم انتقل في العام الموالي إلى الكويت ليعمل فور وصوله بدائرة التنظيم الشعبي التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

كان جل مؤسسي حركة فتح مثل ياسر عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف شبابا قادمين من مصر، إلا أن الحركة لم تستطع التواصل مع عبد الناصر في سنوات حكمه الأولى، فكانت سوريا حاضنتها الأم. جاء عام 1967 بنكسته المخيبة للآمال حين انهزمت الجيوش العربية أمام إسرائيل، لتبدأ الانطلاقة الثانية لحركة فتح ويصل ياسر عرفات إلى الضفة ويُدخل الأسلحة، ويبدأ في تشكيل مجموعات مسلحة في الداخل.

دائرة الرصد

كان عبد الناصر بعد النكسة بحاجة إلى أي شخص يقاتل إسرائيل، فنجح بالتواصل مع حركة فتح، والتقى ياسر عرفات بعبد الناصر شارحا له أمر الثورة، قائلا له ”إن الثورة الفلسطينية وجدت لتبقى“، وقدم لهم عبد الناصر آنذاك ما استطاع من تسليح وتدريب ودعم سياسي، ومن ذلك الدعم تقديم دورات أمنية وإستراتيجية.

وممن خضعوا لهذه الدورة أبو حسن سلامة الذي شكلت الدورة نقلة مفصلية في حياته، حيث نقلته من دائرة التنظيم الشعبي إلى دائرة الرصد المختصة في رصد العدو والتجسس التي كان يشغل نائب رئيسها، وقد تم نقلها بعد ذلك من القاهرة إلى عمّان لتتخذ منها مقرا رسميا لها.

انتقل علي حسن من دائرة التنظيم الشعبي إلى دائرة الرصد المختصة في رصد العدو والتجسس

أيلول الأسود

مع تنامي حركة فتح في عمّان أصبح القلق يساور صناع القرار في الأردن، وخصوصا بعد الانتصار الكبير الذي حققته حركة فتح جنبا إلى جنب مع الجيش الأردني على إسرائيل في معركة الكرامة عام 1968، الأمر الذي زاد حركة فتح تناميا وانتشارا، حيث التحق بصفوفها الكثير من الشباب من العراق ولبنان ومن الأردن نفسه، وأصبحت تنظيما قويا داخل الأردن.

 بدأت السلطات الأردنية في مضايقتهم ومنع انتشارهم، مما أدى إلى الصدامات التي بلغت ذروتها عام ١٩٧٠ حين قرر النظام الأردني ضرب المقاومة أينما كانت في أي موطئ قدم لها في البلاد، ولكن بشكل أخص طردها من عمان العاصمة، وهذا بالفعل ما جرى في سبتمبر/أيلول ١٩٧٠ في الأحداث التي عرفت إعلاميا باسم ”أيلول الأسود“ بين الأردن وحركة فتح التي انتهت بطرد حركة فتح تماما من الأردن إلى لبنان.

كان أبو حسن سلامة في هذه الفترة مرافقا لياسر عرفات ومسؤولا عن أمنه حتى غادرا معا إلى القاهرة لحضور الحوار المشترك مع النظام الأردني، وقد أدى الاتفاق إلى انسحاب المقاومة من جميع مدائن الأردن، والتمركز على الحدود الأردنية الفلسطينية.

كان أبو حسن سلامة في هذه الفترة مرافقا لياسر عرفات ومسؤولا عن أمنه

لبنان تحمي المقاومة

بعد أن وصلت أرتال المقاومة المنهكة إلى لبنان عقب حربها مع الملك حسين ونفيها من الديار الهاشمية، بدأت المقاومة تبحث عمن يحمي لها ظهرها في لبنان، فتحالفت مع الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، إلا أن ياسر عرفات لم يرد أن يظهر أن المقاومة تصطف في صف أحد أو تهتم بأي شيء في السياسة الداخلية والصراع حول النظام، بل أراد أن يرتبط بعلاقة جيدة مع الجميع حتى إنه خرج في سيارة بالشارع ببيروت ملوحا بيديه من النافذة يحيي الجميع، وكأنه يقول لست خصما لأحد ولا أريد مخاصمة أحد، بل أريد مودة الجميع.

كان عرفات بهذا التصرف المسالم يبدي للبنان حسن النية بعد حربه مع الهاشميين، ويوضح هدف المقاومة الفلسطينية التي تسعى إلى جعل المنطقة الجنوبية اللبنانية قاعدة شبه عسكرية لتحركات المقاومة على الحدود الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني، وإلى جعل لبنان قاعدة سياسية وإعلامية لمخاطبة العالم.

منظمة أيلول الأسود

بعد خذلان اللجنة العربية للفدائيين الفلسطينيين، شعر الثوار الفلسطينيون بغصة نتيجة إزاحتهم عن خطوط المواجهة مع العدو واستهدافهم من قبل أعز الناس لا من قبل العدو، فرأى بعضهم ومنهم أبو حسن سلامة وجوب الانتقام من هؤلاء الخونة، فدعا إلى تأسيس ”منظمة أيلول الأسود“ للثأر للشهداء والثورة ولقتل كل شخص قام بخيانة الثورة ولإثبات أن حصرهم في لبنان لا يحد آفاقهم، بل إنهم يستطيعون الوصول إلى أي مكان.

كانت ”منظمة أيلول الأسود“ ترتيبا سريا لحركة فتح التي أصبحت قوة سياسية في لبنان متحالفة مع الحركة الوطنية اللبنانية، وقد ظهرت المنظمة ببيروت بعد فترة أيلول الأسود، وقامت بتنفيذ العديد من العمليات والاغتيالات من أبرزها اغتيال وصفي التل رئيس الوزراء الأردني في القاهرة وعملية ميونخ وهامبورغ.

طورت هذه المنظمة في وقت لاحق طرق عمل محترفة جدا مكنتها من أداء عملها باحترافية عالية بادية التميز عن عملها في الأردن، حتى أصبحت بعد عدة سنوات لغزا محيرا مخيفا وخطيرا يرعب الرأي العام الإسرائيلي بسبب عملياتها المتتالية، وبسبب الضباب الذي يحيط بها ويحجب حقيقتها.

كانت ”منظمة أيلول الأسود“ تسبب حرجا لحركة فتح بسبب التزاماتها في لبنان وعلاقاتها العامة، لكن هذا التنظيم السري كان يعفيها جزئيا من الإحراج عبر إنكارها للأمر، وادعائها بوجود تنظيمات خارجة عن السيطرة واتباع سياسة عدم الإعلان عن أي عملية حتى يعلن عنها الطرف الآخر.

اتهم علي حسن سلامة بأنه العقل المدبر لها والقائد المنفذ لعملية ميونيخ

الأخطبوط الودود

في لبنان تميزت مواقف المقاومة بعدم الانحياز إلى أي طرف من الأطراف المتناحرة، وكان الأمير الأحمر خير مثال على ذلك، فكان يخرج من بيت هذا إلى حفلة في بيت ذاك، إلى سهرة في صالون أولئك رغم العداء بين القوم، وكان يبادل الجميع الود حتى إن بعضهم كان يعتبره بمثابة ابنه.

ولا شك في أن هذا الدور المعتدل المتودد إلى الجميع والعلاقات الطيبة معهم مكنه من لعب أدوار كبرى في تأمين بعض الاجتماعات بين الفرقاء السياسيين المتناحرين، والوساطة في جمعهم تحت سقف واحد من أجل الحوار.

عملية ميونخ

كانت فكرة عملية ميونخ في جوهرها الأساسي تهدف إلى طرح أسئلة مهمة منها السؤال عن سبب استبعاد الفلسطينيين من الألعاب الأولمبية بينما يشارك فيها الإسرائيليون، كما كانت تهدف إلى لفت الأنظار إلى القضية الفلسطينية والأسرى الفلسطينيين، فجميع الخطط في العمليات الخارجية لم تكن بهدف القتل، بل بهدف الاختطاف من أجل المقايضة بالأسرى الفلسطينيين المعتقلين في زنازين الاحتلال.

كان قائد عملية ميونخ مهندسا درس في ألمانيا، وقد شارك في بناء المدينة الرياضية في ميونخ، لذلك فهو محيط بالمعلومات اللازمة عنها عارف بتفاصيلها الكاملة، وخطط للعملية في ليبيا في معسكر ضم مجموعة من الشباب اتفقوا على القيام بهذه العملية، وأبلغوا القيادة التي وافقت على تنفيذ العملية، ثم انخرطت مع المجموعة أطراف أخرى غير ملمة بحقيقة الأمر في التنفيذ، وذلك من خلال تجهيز جوازات السفر والتأشيرات والأسلحة في ألمانيا.

اقتضت الخطة أن تقوم منظمة أيلول الأسود بالتسلل إلى القرية الرياضية والوصول إلى مبنى الرياضيين الإسرائيليين من أجل اختطافهم والبدء في التفاوض على إطلاق عدد من الأسرى الفلسطينيين، ثم ترحيل المجموعة بطائرة خاصة إلى القاهرة دون قتل أحد من الرهائن، لكن رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير رفضت التفاوض محملة الألمان مسؤولية التفاوض، وحين توجهت المجموعة مع الضحايا إلى مطار عسكري للإقلاع بطائرة خاصة إلى مصر حاول الألمان أن يوقفوا العملية بأي وسيلة، فوقعت الكارثة ومات الرياضيون ولم ينج من الفدائيين إلا شخصان ليس من بينهم قائد العملية ومخططها الذي استشهد في الميدان.

وقد تم الربط بين اسم علي حسن سلامة والعملية بعد شهرين في مقال كتب بمجلة ألمانية، بل تم اتهامه في المقال بأنه العقل المدبر لها والقائد المنفذ لها أيضا، لكن بعض الصحفيين وكذلك بعض المقربين منه في مسيرته المقاومة أنكروا -فيما بعد- تخطيطه وقيادته لها، لكنهم أثبتوا مشاركته فيها.

وثأرا لقتلاها اتخذت غولدا مائير قرارا بقتل قياديي فتح أينما حلوا وارتحلوا، وأينما ثقفوا في أي غور من المعمورة، وبالتحديد الأمير الأحمر أبو حسن سلامة.

كان جل مؤسسي حركة فتح مثل ياسر عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف شبابا قادمين من مصر

ثأر إسرائيلي

قامت إسرائيل عبر ذراعها الضارب الموساد بقتل 13 رجلا من قيادات الفلسطينيين في أوروبا بعد عملية ميونخ، كما قام الموساد بمحاولة فاشلة لقتل علي حسن سلامة في السويد، حيث اشتبهت في عامل مغربي لا ناقة له ولا جمل في الأمر لكنه يشبه علي حسن سلامة فقتلته، مما أوقع إسرائيل في مشكلة دبلوماسية كبيرة.

ثم قام جهاز الكوماندوز الإسرائيلي بعد ذلك بالتسلل إلى لبنان وقتل ثلاث شخصيات فلسطينية بارزة بمنازلهم في قلب بيروت حاضنة المقاومة، ووصلوا إلى مكتب ياسر عرفات لكنهم أخطؤوه، بينما فشلوا في الوصول إلى حسن سلامة لوجود منزله بين السفارات، وقد كانت تلك الاغتيالات بمثابة غرز سكين في قلب منظمة التحرير الفلسطينية.

زير النساء اللعوب

كان علي حسن سلامة رجلا يعيش حياة باذخة مليئة بالحفلات والأسفار والتنقلات بين مدائن أوروبا التي كان محبوبا فيها كثيرا، فوسامته ومظهره الجذاب وملابسه الراقية وعلاقاته وشهرته في أوساط مصممي الأزياء والمشاهير جعلا منه رجلا ذا شعبية كبيرة، خصوصا مع إتقانه عدة لغات أوروبية، ومن تحدث بلغة قوم أصبح منهم.

كان الجانب العاطفي للرجل جانبا متصابيا مليئا بالنساء أينما حل وارتحل، فالليالي الحمراء تخيم حيثما أناخ راحلته، والجميلات يطفن به دائما لكونه الشاب الوسيم الأنيق، فقد كان يريد الظهور بمظهر الرجل الغربي لا الفلسطيني التقليدي ذي الكوفية. وأدى به ولعه بالجمال والرقي واقتناء الأشياء الفخمة إلى أن تزوج بملكة جمال العالم اللبنانية جورجينا رزق.

وكان جمعُه بين هذين المتناقضين أمرا محيرا وغامضا وخطرا في وجهة نظر الإسرائيليين، فبين الرجل القوي الناضج في حياته السياسية والعسكرية ذي الشخصية القيادية الذي يتحرك في العالم ويجيد التواصل مع الغرب، وبين الفتى اللعوب المتصابي المبالغ في السهر والعبث المحب للبذخ والجميلات، كان تتشكل شخصية علي حسن سلامة.

قام الموساد بمحاولة فاشلة لقتل علي حسن سلامة في السويد

الحرب الأهلية في لبنان

حين استعرت نيران الحرب الأهلية اللبنانية بين الفرقاء السياسيين، دخلت لبنان في مرحلة من الفوضى عمت الكثير من تراب الوطن، فأصبحت المقاومة في وسط هذا العجاج مرتبكة نوعا ما، إلا أن العلاقات المتميزة لبعض رجالها كعلي حسن سلامة مكنها من السير بين الأشواك بحذر، فعلى الرغم من استعانة بعض الأطراف بقوى خارجية ومنها إسرائيل فإن المقاومة لم تتحيز إلى صف دون آخر أثناء الحرب.

كان أبو حسن سلامة راغبا في فتح خطوط مع الأمريكان والاتصال بالسفير الأمريكي أثناء الحرب الأهلية، وكانت هناك أطراف تساعده في ذلك، حيث ارتأت أن تحسن العلاقات بين الفلسطينيين والأمريكيين عن طريق شخص ودود مثل علي حسن، يمكن أن يخدم لبنان أيضا في أوضاعه الصعبة.

علاقات مع أمريكا

في أحد الاجتماعات الأمنية المطولة تم اقتراح أن تقوم المقاومة بوضع طوق كبير حول السفارة الأمريكية لا يلامسها ولكنه يؤمن محيطها، وقد عين ياسر عرفات على المهمة أبو حسن سلامة، وحين سأل السفير الأمريكي الوسيط بينه وبين الفلسطينيين عن مصلحتهم في ذلك، قال له ”إنهم يريدون الاتصال بكم“.

 كان الفلسطينيون راغبين بفتح قنوات اتصال بأي طريقة لأنهم لا يتصورون إمكانية وجود دولة فلسطينية دون موافقة أمريكية، وقد تمت الموافقة على فكرة الحزام الأمني بعد فترة حين اعترف السفير الأمريكي للوسيط بوجود بعض المشاكل الأمنية التي تواجههم وبحاجتهم إلى الحزام الأمني، وهو ما ساهم في فتح خطوط تواصل بين علي سلامة والأمريكيين.

التنسيق الأمني بين سلامة والأمريكيين هو ما وطد علاقته لاحقا بالسي آي إيه، وتقديم رئيس المخابرات جورج بوش الأب دعوة له لزيارة مقرها بأمريكا، وكأنهم يقولون له ”شكرا على ما فعلت لنا من تأمين للسفارة ورعاياها في لبنان“. وهو أيضا ما فتح لياسر عرفات باب البيت الأبيض.

أصبح أبو حسن همزة الوصل مع الاستخبارات الأمريكية والإدارة الأمريكية، الأمر الذي اعتبره الإسرائيليون مثل إقحام الأصبع في أعينهم

البحث عن الشهادة

أصبح أبو حسن همزة الوصل مع الاستخبارات الأمريكية والإدارة الأمريكية، الأمر الذي اعتبره الإسرائيليون -كما صرح بذلك أحد أفراد الموساد الذي شاركوا في عملية اغتياله- مثل إقحام الأصبع في أعين الإسرائيليين.

كانت علاقاته برئيس المخابرات الأمريكية جورج بوش الأب بمثابة خيانة كبرى لإسرائيل حليف الولايات المتحدة، لكن أمريكا لم تعبأ بذلك، فاتخذت إسرائيل القرار بوجوب التخلص منه ظنا منها أنه أصبح رجل المخابرات الأمريكية في لبنان، وإيمانا منهم بتورطه أو قيادته لعملية ميونخ وانتقاما لفشلها في قتله في ليلهامر في السويد حين قتلت رجلا مغربيا يشبهه مما أدى إلى فضيحة كبرى للموساد، الأمر الذي ترتب عليه مضايقة وتقييد حرية الحركة الإسرائيلية في أوروبا، فكان ذلك حسابا غير مغلق بالنسبة للموساد يسعى إلى إغلاقه.

أضف إلى كل هذه الأسباب السبب الأكبر الذي يحاول الإسرائيليون دائما إثباته، ألا وهو أن لهم اليد الطولى التي تستطيع الوصول إلى كل شيء، فحين يقتلون شخصا بهذه الدرجة من الأهمية التي جعلت العالم أجمع يتحدث عنه فإن في ذلك إثباتا قويا على طول وقوة أذرعهم الضاربة في العالم، ولقد ركزوا عليه إعلاميا فترة من الزمن قبل اغتياله لخدمة هذا الغرض، حتى إنهم صنعوا مسلسلا يتحدث عن الأمير الأحمر في إحدى الصحف، انتهى قبل مقتله بأسبوع.

اغتيل علي حسن سلامة في الثاني والعشرين من يناير/كانون الثاني 1979

الاغتيال

عام 1972 وضعت المخابرات الإسرائيلية لائحة تضم 12 اسما من الفلسطينيين المتورطين في عملية ميونخ، وكان من بين الأسماء اسم علي حسن وطوال عدة سنوات حاول الإسرائيليون العثور عليه لقتله، لكنهم كانوا دائما يخطئون أو يفشلون.

وفي عام 1978 قدمت إلى لبنان فتاة تحمل جنسية إنجليزية مزيفة دخلت بها لبنان عدة مرات، وكانت تدعي أنها رسامة وتنصب اللوحات التي ترسمها على شرفتها في الشقة المقابلة لشقة علي حسن سلامة التي كانت تقطنها، وبذلك كانت تراقب عن كثب تحركاته والاتجاه الذي يسلك ومواعيد خروجه ودخوله.

كانت إسرائيل تحاول منذ فترة طويلة قبل ذلك تعقب الأمير الأحمر في عدة بلدان عاش فيها ومنها لبنان، حتى استطاعت في النهاية الحصول على بعض المعلومات من شخص فلسطيني عاش في بيروت، وهو منخرط بإحدى المنظمات الفلسطينية وأطلعهم على بعض المعلومات المتعلقة بحياة علي في بيروت، وقد رسم الإسرائيليون خطة على مدى شهور للوصول إليه ثم اغتياله.

أُبلغ علي سلامة بأن ملف اغتياله قد تم سحبه من الدرج وذلك يعني أن خطة اغتياله أصبحت جاهزة وأن التنفيذ على وشك أن تدق ساعته، فأجاب ”فليصنعوا ما أرادوا“.

 وعندما نصحه أهله بتغيير نظام حياته اليومي رفض ذلك، بحجة أن ذلك لا يجدي، فحين تحين ساعة المرء لا يجد المفر من حتفه، وحين تعطى الأوامر بالاغتيال فهو واقع لا محالة، ولكنه سوف ينتظر ويقاوم.

 وفي الثاني والعشرين من يناير/كانون الثاني 1979 يوم اغتياله؛ أُبلغ بواسطة بعض الم��ربين منه بأن انتبه، وغيّر من نمط حركتك فهناك محاولة لاغتيالك اليوم.

حين نزل من منزله متوجها إلى احتفال بعيد ميلاد ابنة أخته، تم تسليم الرسالة إليه وهو في السيارة، وحين طأطأ رأسه ليقرأها وقع الانفجار، واستشهد هو وجميع من معه حتى تطايرت رؤوسهم، أما هو فكانت إصابته بسيطة جدا بسبب الطأطأة، فما هي إلا شظية صغيرة دخلت في عينه فقتلته.

كان علي حسن سلامة في طريقه إلى حفل الصغيرة، فسمعت أمها الانفجار، لكنها لم تتوقع أبدا أن يكون أخاها، فقد كانت تنظر إليه على أنه الشخص الذي لا يمكن أن توقعه كماشة أبدا، الشخص الذي لا يمكن أن تلتقطه براثن الموت.