بورتريه

أحمد الهيبة.. مفتتح المعارك الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي للمغرب

 

يونس مسكين

في قرية سيدي بوعثمان التي تبعد حوالي 30 كيلومترا من مدينة مراكش باتجاه الدار البيضاء، وفي قلب جغرافيا منطقة الرحامنة الفلاحية، دارت أولى المعارك الكبرى بين الاستعمار الفرنسي والمقاومة الشعبية المغربية مستهل شهر سبتمبر/أيلول 1912، أي بعد خمسة أشهر فقط من التوقيع الرسمي على معاهدة الحماية بين فرنسا والسلطان المغربي؛ وكان قائد هذه المعركة نجل ووارث سر الشيخ ماء العينين، أحمد الهيبة.

فبعد فوضى واضطرابات القبائل المجاورة لمدينة فاس عاصمة المملكة وقتها، بسبب استسلام السلطان مولاي عبد الحفيظ للضغوط الاستعمارية وتوقيعه معاهدة تمنح فرنسا حق ممارسة "الحماية" على المغرب؛ كانت القوات الفرنسية على موعد مع أول اختبار حقيقي ومواجهة شاملة في معركة كبرى مع مقاومين مغاربة، وذلك بعد خروج خليفة الشيخ ماء العينين -خليفة سلاطين المغرب في الجنوب وقائد المقاومة في الصحراء- من مدينة تزنيت حيث بويع أميرا للجهاد رفقة الآلاف من المقاتلين، ليدخل مدينة مراكش التي كانت بمثابة العاصمة الثانية للمغرب، ويفرض سيطرته الكاملة عليها ويحتجز ممثلي الحماية الفرنسية فيها.

 

هناك في الضاحية الشمالية لمراكش وبقيادة أحمد الهيبة، دارت أولى المعارك الدموية بين جيش الاحتلال والمقاومة الشعبية، إذ كانت لكل منطقة من مناطق المغرب معركتها الكبرى الخالدة، فنجد معركة لهري 1914 في الأطلس المتوسط بقيادة المجاهد موحا أحمو الزياني، ومعركة أنوال 1924 في الريف بقيادة المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، ومعركة بوكافر 1932 في الأطلس الكبير بقيادة المجاهد عسو باسلام.

تنازل السلطان.. خواء سياسي يستدعي التدخل لصد الاحتلال

بعد تمكنه من فرض معاهدة الحماية على السلطان المغربي مولاي عبد الحفيظ، فوجئ الاستعمار الفرنسي بثورات شعبية عدة في مختلف أنحاء البلاد، وقد اتخذت أشكالا مختلفة، ودامت قرابة ربع قرن من المواجهة المسلحة في الجبال والبوادي، قبل أن تنتقل المقاومة الشعبية إلى المدن في شكل تنظيمات سياسية وأخرى فدائية سرية.

ومن بين أكبر تلك الثورات التي فاجأت المحتل مباشرة بعد انتزاعه "شرعية" الوجود فوق التراب المغربي من السلطان، كان الاجتياح المسلح الذي قاده المقاوم أحمد الهيبة لمدينة مراكش، إحدى العواصم الكبرى للمغرب وقتها.

مدينة مراكش التاريخية ثاني أكبر وأهم مدن المغرب بعد العاصمة فاس

 

كانت المدينة الحمراء (لقب يطلق على مدينة مراكش) في قلب الأحداث السياسية الكبرى. فهي التي كانت في بداية القرن العشرين بمثابة العاصمة الثانية للمغرب، إذ كان السلطان مولاي عبد العزيز يستقر في مدينة فاس بينما يتولى أمر مراكش أحد إخوته وخليفته في القسم الجنوبي من المملكة مولاي عبد الحفيظ، ومنها انطلق مولاي عبد الحفيظ في زحفه العسكري شمالا لإزاحة أخيه وتولي زمام الحكم، بمبايعة وتأييد من القادة المحليين والعلماء الذين أوكلوه مهمة الجهاد والتصدي للمد الاستعماري، وهو ما كان يجعل مراكش تتمتع بأهمية قصوى.

وجاء تحرّك أحمد الهيبة نحو مراكش في سياق سياسي دقيق مرّ به المغرب، فقد تنازل السلطان مولاي عبد الحفيظ -الذي تولى الحكم وفقا لبيعة مشروطة التزم فيها بالجهاد ضد المستعمرين- لأخيه مولاي يوسف، وهو ما فتح الباب أمام أحمد الهيبة لتولي زمام المبادرة واعتبار المغرب في حالة فراغ سياسي تستدعي التحرك لصد الاحتلال.

الشيخ ماء العينين.. خليفة سلطاني حارب المحتلين الثلاثة

ترتبط هذه الأحداث بشخصية أحمد الهيبة، ولا يستقيم الحديث عنه دون استحضار دور وشخصية والده الشيخ ماء العينين الذي ولد سنة 1831 في الحوض الشرقي بموريتانيا، وأخذ علوم القرآن والتصوف والحديث في زاوية أو مدرسة والده، وحفظ القرآن كاملا وهو ابن عشر سنين، وتولى التدريس قبل إتمامه العشرين، ثم ما فتئ أن انطلق في رحلة الحج نحو مكة قبل تمام العقد الثالث من عمره، فكانت رحلة طويلة في العلم والمقاومة كتبت سطورها الأخيرة في منفاه بمدينة تزنيت، بعدما اضطره المستعمر إلى مغادرة معقل حركته الجهادية، وهو مدينة السمارة التي أسسها بدعم ومساندة من سلطان المغرب لتكون رباطا يصد تغلغل الأوروبيين في الخاصرة الجنوبية للمملكة، إذ كان الشيخ ماء العينين -كما يؤكد أحفاده- خليفة سلطانيا معينا بظهير ملكي مثله مثل خلائف مكناس وفاس ومراكش.[1]

الشيخ ماء العينين والد القائد أحمد الهيبة

 

كانت انطلاقة الشيخ ماء العينين عام 1858 ميلادية، حين خرج من جلباب أبيه نهائيا، وبإيعاز منه حطّ رحاله في المجال الجغرافي الشمالي لهذه الصحراء الممتدة، وتحديدا في منطقة الساقية الحمراء. وبمجرد استقراره في الساحل الأطلسي، وجد الشيخ ماء العينين نفسه مجبرا على مقاومة بريطانيا وإسبانيا وفرنسا، أما بريطانيا فقد حاولت احتلال طرفاية في الساحل الأطلسي للمغرب، بينما باتت إسبانيا تحتل الصحراء المغربية، وأما فرنسا فتحتل الأراضي الموريتانية.[2]

وجد الشيخ ماء العينين نفسه عام 1908 في قلب المواجهة التي اندلعت بين السلطان مولاي عبد العزيز وشقيقه وخليفته في مراكش مولاي عبد الحفيظ، فقد قدم الشيخ ماء العينين من الساقية الحمراء في جموع كثيرة، ليأخذ لهم المؤونة والسلاح من السلطان مولاي عبد العزيز الذي كان يقيم في الرباط، فلما وصل موكب الشيخ إلى نواحي مراكش، بلغه أن أهلها بايعوا مولاي عبد الحفيظ، وأن أهل المغرب ناقمون على أخيه السلطان، فما كان منه إلا أن بايع مولاي الحفيظ، فدخل مراكش بجموعه، وبايع واحتفل به السلطان الجديد.[3]

وبإيعاز من السلطان مولاي عبد الحفيظ، انتقل الشيخ ماء العينين من السمارة إلى تزنيت، مما شكل نهاية لمقاومة مستميتة قادها الشيخ ماء العينين منذ مؤتمر الجزيرة الخضراء، واستقر الشيخ في القصر الخليفي (قصر خليفة السلطان) محفوفا باستقبال شعبي شديد الحفاوة. وحين اكتشف الشيخ ضعف موقف السلطان مولاي عبد الحفيظ وعدم تمكنه من مقاومة التغلغل الاستعماري داخل المغرب، انكفأ على تنظيم وقيادة المقاومة التابعة له.[4]

وبعد وفاة الشيخ ماء العينين عام 1910، قاد ابنه أحمد الهيبة المقاومة، واستطاع تعبئة قبائل سوس والصحراء انطلاقا من مدينة تزنيت وسط المغرب، وخاض عددا من الملاحم والمعارك، أشهرها وأكبرها على الإطلاق معركة سيدي بوعثمان (قرب مراكش).

أحمد الهيبة.. إرث الخليفة العلمي ونفوذه المعنوي

ولد الشيخ أحمد الهيبة سنة 1875 (وقيل سنة 1876 أو 1877)، أي في بداية عهد السلطان الحسن الأول المعروف بكونه كان يحمل عرشه فوق فرسه لكثرة تنقلاته الميدانية، وآخر السلاطين المغاربة الذي قاوموا التحرشات الاستعمارية، ومنعوا الأوروبيين من بسط سيطرتهم على المغرب.

نشأ أحمد الهيبة ودرس في الزاوية التي أسسها والده في مدينة السمارة جنوب المغرب، وورث عن والده مكانة علمية ووجاهة بين قادة وعلماء المغرب وقتها، بمن فيهم السلاطين والأمراء، من خلال تردده المتكرر على مدينة مراكش. وكان والده الشيخ ماء العينين يسميه "دليل الخيرات" ويكلفه بالمهام الكبرى مثل حمل الرسائل إلى السلاطين والأمراء واللقاء بهم، وهو ما أهله ليكون خليفة والده في المهام السياسية والروحية في منطقة سوس.[5]

رسم تخيلي للقائد أحمد الهيبة ابن الشيخ المجاهد ماء العينين

 

كان الاسم الأصلي لأحمد الهيبة -حسب المؤرخ عبد الله العروي- هو أحمد هبة الله، من الفعل وهب، ثم سرعان ما تغير الاسم ليصبح مشتقا من فعل هاب وأضيفت الياء ليصبح هيبة، ولعل التعديل كان مقصودا، بحسب المؤرخ عبد الله العروي. ولم تكن لأحمد الهيبة أية موهبة في قيادة الحروب، خلافا لأخيه الأغظف، لكنه ورث عن والده معرفته الواسعة بالدين ونفوذه المعنوي.[6]

رافق أحمد الهيبة والده الشيخ ماء العينين في جميع معاركه التي خاضها ضد الاستعمار، لا سيما الفرنسي والإسباني، إلى أن توفي سنة 1910. ويشير المؤرخ عبد الله العروي إلى أن تنازلات السلطان مولاي عبد الحفيظ المتوالية للفرنسيين، جعلت القسم الجنوبي من المغرب وعاصمته مراكش تحت السيطرة الكاملة لقادة محليين أعلنوا الولاء لفرنسا. كما أن أنباء الاضطرابات التي كانت تشهدها عاصمة المغرب فاس، وكثرة المعارك فيها، كانت تجعل مصير السلطان غامضا، وقد ترددت أنباء عدة حول مقتله، مما كان يجعل المناطق البعيدة في وضعية غياب فعلي للسلطان الشرعي.

زحف مراكش.. بيعة في عاصمة السلطان الممزقة

ورث أحمد الهيبة عن والده الشيخ ماء العينين مركز القيادة الروحية والسياسية في منطقة سوس وما وراءها جنوبا، وكان مستقره الرئيس مدينة تزنيت، حيث توفي والده منفيا عن مدينته السمارة التي حاصرتها قوى الاستعمار.

وبدأت حكاية الزحف نحو مراكش حين جرى انتقال العرش رسميا يوم 12 آب/أغسطس 1912، بعد تنازل السلطان مولاي عبد الحفيظ لأخيه مولاي يوسف في جو من الفوضى العارمة والاضطرابات التي سبّبها توقيع السلطان لمعاهدة الحماية.

وما إن وصل النبأ إلى معقل الشيخ أحمد الهيبة، حتى تحرك للزحف إلى مدينة مراكش، فدخلها على رأس قوة عسكرية كبيرة رافقته من السمارة وتزنيت (قبائل الصحراء وسوس)، ولقي ترحيبا كبيرا، وبويع أميرا للمقاومة حسب بعض الروايات، وسلطانا بديلا عن مولاي عبد الحفيظ المتنازل عن العرش حسب روايات أخرى.

أحمد الهيبة يزحف إلى مدينة مراكش بجيش جرار من قبائل الصحراء وسوس

 

مهّد أحمد الهيبة لحملته العسكرية على مراكش بتنظيمه مؤتمرات كبرى في مدينة تزنيت، منفى والده ومكان دفنه، حيث التأم كبار قادة القبائل والعلماء وأصحاب الزوايا في المنطقة، وقد خلصوا إلى تشكيل تكتل واسع بقيادة أحمد الهيبة هدفه الأول الجهاد ضد الاستعمار.

ومكّن هذا التكتل الضخم حركة أحمد الهيبة من حشد غفير من المقاتلين ومؤونة متنوعة سمحت له بالزحف السريع نحو مدينة مراكش، كما ساهم الوضع الداخلي للمدينة في ولوج أحمد الهيبة السهل إليها، إذ كان القادة التابعون للمخزن يعيشون حالة انقسام ونزاع داخليين، بينما كان السكان يتعطشون لإطلاق حركة مقاومة ضد الاستعمار.[7]

وقد اختلفت الكتابات والدراسات في توصيف بيعة أحمد الهيبة من طرف أعيان وعلماء سوس وما بعدها في اتجاه الجنوب، بين من اعتبرها انتهازا للفرصة وتوثبا على الحكم، وبين من اعتبرها نهوضا بالمسؤولية وملئا للفراغ الذي نجم عن تخلي السلطان مولاي عبد الحفيظ عن العرش، بعد توقيعه معاهدة الحماية مع الفرنسيين. فالمؤرخ عبد الله العروي يقول إن تنازل السلطان عن العرش لأخيه وفر فرصة سانحة أمام أحمد الهيبة لانتحال لقب السلطان.[8]

إمام المؤمنين.. صورة حامل لواء الجهاد في كتب المؤرخين

نقرأ في مقال كتبه المؤرخ وعالم الاجتماع المغربي عبد الله العروي، حول شخصية أحمد الهيبة -ضمن موسوعة تاريخية نشرت عام 1985-، كيف يغلب التناقض على الكتابات المتعلقة بالهيبة، ذلك أن المصادر الفرنسية تنظر إليه نظرتهم إلى الرجل الذي يدعي الصلاح ويأتي بالخوارق، "ويرون أنه تزعم جموعا من الرجال الزرق الجياع، نزحوا من الصحراء للاستيلاء على ثروات مدن الشمال. ويرى أولئك الكتّاب أيضا أن الهيبة ورجاله كانوا يريدون القيام بحركة مثل حركة المرابطين، لكن لم يكتب لها النجاح". ويجزم العروي أن هؤلاء الكتاب الفرنسيين لم يكونوا ليصوروا أحمد الهيبة بهذا الشكل لو أنه اختار مساندة المستعمرين.[9]

أما روايات المصادر العربية التي خلفها بعض العلماء والفقهاء، فلم تنظر إلى الهيبة بعين الرضى بحسب المؤرخ عبد الله العروي، ورغم ذلك، فإن كل هذه النصوص تتحدث بصفة مباشرة أو غير مباشرة عن شعبية الهيبة الواسعة، وعن الآمال العريضة التي فجرها نداؤه في نفوس الطبقات المحرومة.

 

ويسجّل المؤرخ عبد الله العروي بدقة مراحل صعود أحمد الهيبة إلى موقع القيادة، إذ يقول إنه أعلن نفسه يوم 3 مارس/أيار 1912 إماما للمجاهدين، تمهيدا للقب إمام المؤمنين، "ولم يكن في ذلك مخالفة لأحكام الشريعة نظرا للظروف التي أشرنا إليها. ولا شك أنه كان للهيبة من الصفات الدينية ما يؤهله للإمامة"، ويستدرك العروي قائلا: "لكن لم يكن له من الصفات السياسية ولا من التجربة العسكرية ما يضفي الشرعية الكاملة على إمامته".[10]

بينما يتحدث الكتاب المرجعي الذي خلّفه العالم المغربي المختار السوسي، المعروف اختصارا باسم "المعسول"، عن ثلاثة أسس قامت عليها حركة أحمد الهيبة:

–        الأساس الأول: الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي للمغرب.

–        الأساس الثاني: ملء الفراغ السياسي في المغرب.

–        الأساس الثالث: التفاعل بين الأساسين السابقين وظروف الجنوب المغربي.[11]

ثورة الجنوب.. مراسيم سلطانية قبل الزحف

قبيل تحرّكه للزحف عسكريا نحو مراكش، أخذ الإمام أحمد الهيبة يرأس الصلاة في حفل رسمي شبيه بالتقاليد السلطانية، وأعلن سكان المناطق الجنوبية ولاءهم له، وامتنعوا عن دفع الرسوم والضرائب باستثناء الزكاة، وراح بعض القادة المحليين الذين كانوا يدينون بالولاء لفرنسا يعلنون طاعته خوفا من بطش السكان بهم.

وبحسب المؤرخ عبد الله العروي، فإن المصادر الفرنسية تؤكد أن السلطان مولاي عبد الحفيظ نفسه كان على اتصال بالهيبة وأخبره باستعداده للتنازل عن العرش، نافيا في الوقت نفسه أن يكون قد أوعز له بخلافته، "فمن الصعب تصديق ذلك لانعدام الحجج التي لا تدحض. فقد عرض الفرنسيون بمولاي حفيظ لحاجة في نفس يعقوب". هكذا يقول العروي موضحا أن الغاية هي التنصل من الوعود التي التزم بها الفرنسيون بعدم المساس بنظام الحكم ومقومات الدولة المغربية.[12]

وقبل خروجه من تزنيت نحو مراكش، قام أحمد الهيبة بتعيين عدد من القادة بواسطة ظهائر تحاكي الوثائق السلطانية، كما نصب خلفاء له في المناطق وعين القضاة، وشكّل نواة جيش عبر مطالبته كل قبيلة بعدد من الجنود يتناسب مع تعداد سكانها. وقبل خروجه استخلف أخاه النعمة على مدينة تزنيت، وشكّل فرقة حرس خاصة به تضم مئة فارس إلى جانب بلاط يحاكي البلاط السلطاني للمولى الحسن الأول، كما يروي المختار السوسي في كتابه "المعسول".[13]

 

وبعد مرور شهرين فقط من ندائه للجهاد انطلاقا من مدينة تزنيت، أصبح أحمد الهيبة أشهر شخص على الإطلاق في الجنوب المغربي. وبعد إعلان تنازل مولاي عبد الحفيظ عن العرش وتأخر تنصيب خليفته مولاي يوسف، بدا المغرب كما لو أنه يشهد فراغا سياسيا شجع أحمد الهيبة على تولي القيادة، "فجمع حوله عشيرته كثيرة العدد وأنصاره ومن انضم إليه من جنوب البلاد، وقصد مدينة مراكش ودخلها يوم 18 آب/أغسطس دخولا رسميا، وبويع له في المسجد الأعظم واعترفت به السلطات المحلية".[14]

اعتقال القنصل الفرنسي.. مراكش تسلم نفسها لسلطان الجهاد

بمجرد وصول الشيخ أحمد الهيبة إلى أبواب المدينة، خرج كبار القادة والعلماء والقضاة والأعيان لاستقباله، يتقدمهم القائد المدني لكلاوي وشقيقه التهامي والقائد العيادي الرحموني، وإدريس بن منو باشا مراكش، ومفوض السلطان مولاي عبد الحفيظ في الجنوب.[15]

كما قام أحمد الهيبة بعد دخوله مدينة مراكش، بالسيطرة على بعض المباني الرسمية واعتقال الفرنسيين الموجودين بها، يتقدمهم القنصل الفرنسي بالمدينة، كما استولى على مخزونات مستودعات المدينة من مواد التموين.

بذلك أصبح في المغرب سلطانان، واحد في الشمال وآخر في الجنوب، وكان أحمد الهيبة -حسب المؤرخ عبد الله العروي- في مأمن بعدما احتجز القنصل الفرنسي وسبعة موظفين فرنسيين آخرين بمدينة مراكش، واشتد ذعر الفرنسيين حين التقطت مخابراتهم اتصالات بين الهيبة وزعماء مقاومين في الشمال يستشف منها التحضير لثورة عارمة ضد الوجود الأجنبي. كانت فرنسا تخشى أساسا القوة السياسية للهيبة، إذ لم تكن قوته العسكرية تشكل أي خطر عليها.

ويقول المؤرخ عبد العروي إن العشرة آلاف مقاتل الذين دخلوا مراكش إلى جانب الهيبة، لم يكونوا يتمتعون بأي تجربة أو تكوين عسكري حديث، وأن جلهم كان يخوض القتال بطريقة البدو وسكان الجبال.

استنفار الجيش.. معارك غير متكافئة تكسر شوكة الثورة

فور علم السلطات الفرنسية باجتياح الشيخ أحمد الهيبة لمدينة مراكش وسيطرته عليها وطرده لممثليها فيها، أعطت الأوامر للقوات الاستعمارية للتحرك من معسكراتها والقضاء على حركة الشيخ أحمد الهيبة، وقد أرسل المقيم العام الفرنسي "أوبير ليوتي" برقية إلى العقيد "مانجان" يوم 2 سبتمبر/أيلول 1912 يقول فيها: تحركوا فورا، أضع فيكم كامل ثقتي لإنقاذ مواطنينا هناك ودعم حلفائنا ومعاقبة أعدائنا.[16]

إعلان النفير ضد المستعمر الفرنسي في معركة سيدي بوعثمان

 

جرت بين الطرفين ثلاث معارك كبرى، الأولى كانت في منطقة صخور الرحامنة القريبة من مراكش، والثانية بمنطقة بئر أوهام، قبل أن يحصل الالتحام الأكبر في منطقة سيدي بوعثمان يوم 6 سبتمبر/أيلول 1912، حيث قضت الآلة العسكرية الفرنسية على الجيش الذي كان يقوده أخو وعم الشيخ أحمد الهيبة. ومن ثم اضطر إلى الانسحاب من مدينة مراكش، لتنطلق رحلة طويلة من المطاردة والمواجهات، انتهت بوفاته نتيجة المرض يوم 2 يونيو/حزيران 1919، ليساهم أخواه مربيه ربو والنعمة في مقاومة باسلة استمرت في جبال الأطلس المغربية إلى غاية 1934.[17]

ويعتبر عبد العروي أن من بين الأخطاء التي ارتكبها الهيبة وأفشلت حركته، أنه حاول تطبيق القواعد الصارمة للشريعة الإسلامية، فقد استحسنها سكان البوادي والجبال وخضعوا لها في حاضرة كبيرة مثل مراكش، لكن تنكبت النخبة الحضرية مساندته لما ألحقه من ضرر بمصالحها. كما كانت الهجمات التي نظمها الهيبة ضد القوات الفرنسية خارج مراكش مصيدة أوقع فيها قواته، إذ كانت القوات الفرنسية تقضي عليها بكل سهولة.

يوم سيدي بوعثمان.. ألفا شهيد فداء للوطن

أدرك الهيبة خطأه بعد معركتي ضواحي مراكش، فتباطأ في استئناف القتال ضد الفرنسيين، فتقدمت القوات الفرنسية نحو مدينة مراكش إلى أن بلغت منطقة سيدي بوعثمان، فارتفعت حماسة المقاتلين المغاربة وخرجوا لمواجهة الغزاة يوم 6 سبتمبر/أيلول، وهو ما تحوّل إلى مذبحة حقيقية، إذ يقول المؤرخ عبد الله العروي إن الألفي قتيل الذين تتحدث عنهم المصادر الفرنسية سقطوا خلال ساعتين فقط من المواجهة. "ولما جن الليل، قرر الهيبة فجأة الجلاء عن مدينة مراكش، فدخلتها مقدمة الجيش الفرنسي في صباح اليوم التالي".[18]

الاستعداد لملاقاة الفرنسيين في معركة سيدي بوعثمان الكبرى

 

وتعترف بعض المصادر الفرنسية -ومنها مذكرات المقيم العام "أوبير ليوتي"- بأن المعركة لم تكن بمثابة النزهة للقوات الفرنسية، فقد تطلّب الأمر ثلاثة أسابيع من العمل العسكري، تخللته 11 مواجهة قبل المعركة الكبرى بسيدي بوعثمان. كما تقر المصادر الفرنسية أن المقاومين المغاربة كانوا يبادرون بالقتال في بعض المواجهات، وكانوا يبدون قتالية كبيرة رغم الأدوات البدائية التي لم تكن تتعدى في بعض الحالات بعض العصي والسكاكين.

وتشكك بعض المصادر في صحة حصيلة الخسائر الفرنسية التي تحصرها الوثائق الفرنسية بين قتيل واحد وستة قتلى، لكون الجيش الفرنسي لم يكن يعترف بالقتلى المنحدرين من المستعمرات الفرنسية الأخرى، خاصة منها بلاد السنغال والجزائر وحتى الخيالة المغاربة الموالين للاحتلال، وهؤلاء كانوا يوضعون في مقدمة الجيش ويتلقون جل الضربات القاتلة، ثم لا يحصون ضمن القتلى عكس الجنود الفرنسيين.

"فائض الإيمان غائض السياسة"

لم يجد المقاومون المغاربة أمام القوة العسكرية الضخمة التي استقدمها الفرنسيون، سوى التخلي عن عتادهم وعدتهم العسكرية البدائية والعودة للاحتماء خلف الجبال والشعاب المنيعة.

ويورد المختار السوسي في معرض تفسيره هزيمة جيش أحمد الهيبة في معركته ضد الفرنسيين، عبارة ينسبها إلى أحد وجهاء مدينة مراكش، يصف فيها شخصية أحمد الهيبة بالقول إن "الرجل فائض الإيمان غائض السياسة"، أي أنه اعتمد بشكل كامل على قوة الوازع الديني وأغفل بالمقابل التخطيط والتدبير السياسيين والعسكريين.

والثابت تاريخيا أن المقاتلين المغاربة لم يحسنوا اختيار موقع المعركة حين عسكروا على جبهة بطول 4 كيلومترات في مكان منبسط ومكشوف، وقدر عتادهم بـ9000 بندقية و4 مدافع وسبحة قدمها الهيبة للقيادة مشفوعة بالدعوات، بينما وصلت القوات الفرنسية مدعومة بقوات سنغالية وجزائرية وحوالي 600 فارس مغربي، وكانت مسلحة بأكثر من 1200 بندقية و8 رشاشات و12 مدفعا، ولم تطلق المدافع الأربعة (ألمانية الصنع) التي كانت عند جيش الهيبة أي قذيفة.[19]

"فين أيامك أبو عثمان؟".. رحلة خالدة في المخيال الشعبي

على عكس ما تحاول الرواية الاستعمارية إشاعته، فإن معركة سيدي بوعثمان -رغم الهزيمة الفادحة التي منيت بها المقاومة خلالها- لم تكن سوى بداية لمعركة طويلة دامت أكثر من عشرين سنة في منطقة الأطلس الصغير.

فبعد استقراره في مدينة تارودانت استأنف الهيبة اتصالاته بقادة قبائل سوس، وقام بتعيين خلفاء وقادة فيها، كما أجرى اتصالات مع دول أجنبية مثل ألمانيا وتركيا، ونهض لمحاربة أحد القادة المحليين بعد أن انقلب عليه وتحالف مع الفرنسيين، وهو القائد حيدة بن ميس الذي حصل على دعم سخي من فرنسا ووكلائها في المنطقة إلى جانب خليفة السلطان مولاي الزين، ولم يغادر الهيبة مدينة تارودانت إلا حين اشتد القصف والحصار عليها واحتلت مدينة أكادير، المصدر الأول لتموين المدينة بحاجياتها.[20]

تنقل أحمد الهيبة بين عدة قرى في منطقة سوس محاربا المد الفرنسي، مع هدنة قصيرة خلال فترة الحرب العالمية الأولى، وبعد نجاته من معارك ومحاولات اغتيال عدة، توفي في يونيو/حزيران 1919 ودفن بقرية أكردوس، وتختلف الروايات حول سبب الوفاة، بين تأكيد لفرضية الموت الطبيعي بسبب المرض، وبين فرضية السم الذي يحتمل أنه دس له من طرف خصومه.

ورغم أن المصادر الرسمية أبقت معركة سيدي بوعثمان داخل منطقة الظل ولم تكن تتطرق إليها إلا لماما لما يزيد عن القرن، بفعل السلوك السلطاني الغامض لقائدها أحمد الهيبة، فقد احتفظت الذاكرة الشعبية بتفاصيل المعركة وسجّلته في أشكال فنية مختلفة، منها هذا المقطع من الغناء الشعبي المعروف باسم "العيطة"، ويقول[21]:

فين أيامك أبو عثمان؟

كان موسم ولا حـرْكا

لا خـزانة ولا عاود بقا

شعلات النار بلا دخان

وْرا الطرابش كي بلعمان

ورا الموتى كيف الذبان

ورا العسكر حابس البيبان

 

المصادر

[1] shorturl.at/fkO39
[2] shorturl.at/afRZ5
[3] https://al-maktaba.org/book/32687/368
[4] shorturl.at/cei26
[5] الطالب أخيار بن الشيخ ما مينا آل الشيخ ماء العينين، الشيخ ماء العينين علماء وأمراء في مواجهة الاستعمار الأوربي، منشورات مؤسسة الشيخ مربيه ربه لإحياء التراث والتبادل الثقافي، ، الجزء الأول، الرباط 2005
[6] عبد الله العروي،
[7] الحسن الباز، مقاومة الشيخ أحمد الهيبة للاستعمار الفرنسي 1904-1955 الجذور والتجليات، ندوة المقاومة المغربية ضد الاستعمار الجذور والتجليات المنعقدة أيام 13 و14 و15 نوفمبر/تشرين الثاني 1991، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، دار الهلال العربية للطباعة والنشر، 1997
[8] عبد الله العروي، مقال "أحمد الهيبة" ضمن كتاب مذكرات من التراث المغربي، الجزء 5، الرباط 1985، الصفحة 115
[9] عبد الله العروي، مقال "أحمد الهيبة" ضمن كتاب مذكرات من التراث المغربي، الجزء 5، الرباط 1985، الصفحة 110
[10] عبد الله العروي
[11] الحسن الباز، مقاومة الشيخ أحمد الهيبة للاستعمار الفرنسي 1904-1955 الجذور والتجليات، ندوة المقاومة المغربية ضد الاستعمار الجذور والتجليات المنعقدة أيام 13 و14 و15 نوفمبر/تشرين الثاني 1991، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، دار الهلال العربية للطباعة والنشر، 1997
[12] عبد الله العروي
[13] المختار السوسي، المعسول، الجزء 4، الصفحة 107
[14] عبد الله العروي
[15] المختار السوسي، المعسول، الجزء 4،
[16] Histoire des goums marocains, tome 1, la Koumia, 1985, p. 5
[17] https://www.yabiladi.com/articles/details/68065/14-18-aout-1912-soulevement-d-ahmed.html
[18] عبد الله العروي
[19] shorturl.at/ijkz9
[20] فارس محمد خير، تنظيم الحماية في المغرب 1912-1939، دراسات في تاريخ شمال إفريقيا الحديث، 1972
[21] shorturl.at/FSTV8

ذات صلة

زينب النفزاوية.. فاتنة الأمراء وزوجة السلاطين وصانعة مراكش
نقد سينمائي

زينب النفزاوية.. فاتنة الأمراء وزوجة السلاطين وصانعة مراكش

عُرفت بأنها فاتنة الأمراء لشدة جمالها، وزوجة السلاطين لزواجها بأمير الصحراء أبي بكر بن عمر اللمتوني ثم ابن عمه السلطان بوسف بن تاشفين، كما كانت زينب أول امرأة أطلقت فكرة بناء مراكش. فما قصة هذه المرأة الاستثنائية؟