بورتريه

أدولف هتلر.. الطموح الذي تجاوز الحدود

 

تفتح الجزيرة الوثائقية ملف "أدولف هتلر" الزعيم الألماني في سلسلة من ستة أفلام، تحقق في الرجل الذي يقف وراء "هتلر" وتدرس شخصيته من العمق، وتحدد اللحظات الأساسية في صعوده الصاروخي وسقوطه المدوي. وتضم السلسلة أرشيفاً نادراً أعيد تلوينه لإعادة إحياء حقبته بطريقة مذهلة. وتقدم السلسلة وجهة نظر جديدة عن هتلر وقدرته على الانتقال من شخص عاطل عن العمل إلى زعيم لا يعرف الرحمة يحبه ويخافه الملايين. وتناقش الحلقة الأولى من السلسلة المعنونة "هتلر.. الطموح" بداية طفولته وكيف انتقل من التشرد إلى قائد محوري على مستوى العالم.

حبيب مايابى

نفسُ عصامٍ سودت عصاما
وعلّمته الكرّ والإقداما

وجعلته ملكا هماما
حتى علا وجاوز الأقواما

من رحم النضال والهيئات النقابية يخرج المناضلون، وفي المدرجات العلمية والأكاديمية يولد المفكرون والمنظرون، ومن محيط السلطة والأغنياء والأقوياء يعرف المجتمع وجوه السياسة وأصحاب تدبير الشأن العام.

لم تكن شخصية أدولف هتلر "منحوتة" وفقا لتلك المقاربة المنطقية، فبعدما فشل في دخول مدرسة الفنون أمضى سنوات يخلد عيد ميلاده في دار المشردين والأيتام.

وخوفا من التجنيد الإجباري، هرب من النمسا إلى ألمانيا لاجئا يبحث عن قوته، لكن رياح الطموح ذهبت به من ملاجئ المشردين إلى قمة السلطة وقوة التحكم، ليصبح واحدا من أكثر رجال العالم الذين تركوا على رمال التاريخ الحديث أثرا لا يندثر بفعل ثنائية الطموح والمغامرة.

وفي سعيها للاهتمام بتوثيق الأحداث والتاريخ والبحث عن صنّاعه، عرضت الجزيرة الوثائقية سلسلة من ست حلقات بعنوان "هتلر".

وجاءت الحلقة الأولى من السلسلة بعنوان "هتلر.. الطموح" يناقش بداية طفولته وكيف انتقل من التشرد إلى قائد محوري على المستوى العالمي.

حياة البؤس

في أبريل/نيسان عام 1989 ولد أدولف هتلر، وكانت النمسا حينها تعيش صراعا طبقيا وتباينا عرقيا. وكان والده موظفا في الحكومة، بينما كانت أمه من محيط ريفي.

وفي حديثها في الفيلم تقول مؤلفة كتاب "آخر أيام هتلر" إيما كرايجي إن أدولف ولد في عائلة تشهد أحداثا خاصة، حيث مات أطفالها في الصغر ولم يعش منهم إلا أدولف، وكانت أمه تحبه كثيرا، بينما كان أبوه عنيفا معه.

وفي السابعة من عمره انتقلت عائلته إلى مدينة لينز عاصمة النمسا العليا، وغير بعيد من نهر الدانوب ألهمت الطبيعة الولدَ فعشق الفن والرسم، واختار الالتحاق بمدارسه، لكن أباه غضب منه وأرسله لمدرسة علمية للتقنيات.

وبعد التحاقه بالمدرسة التي اختار والده، لم يُعطِ اهتماما إلا لمادة التاريخ، فقد كان شغوفا بسير الأبطال الألمانيين.

وفي 1903 توفي والده فجأة فأصبح رجل المنزل الوحيد، وكانت أمه تخاف عليه وتعمل بجهد لتوفير ما يحتاجه، لكنه بعد أربع سنوات من العيش معها بعد وفاة أبيه تركها وتوجه للعاصمة فيينا سنة 1907.

وبمرافقة بعض أصدقائه انجذب إلى الأوبرا وبدأ حبُّ الفن يتولد لديه من جديد، وشارك في امتحانات دخول مدرسة الفنون العريقة في فيينا، لكنه رُفض لعدم معرفته الجيدة برسم الأشخاص.

وفي العام نفسه انتشر سرطان الثدي في جسم أمه، فرجع لمدينة لينز وجلس بجانبها وكان يشاهد ما تعانيه من ألم ومعاناة المرض، وبعد أشهر عديدة من ملازمتها لفراش المرض فارقت الحياة.

تراكمت الأحزان على هتلر بعد رحيل أمه، وقد كتب طبيب عائلته أنه لم يشاهد أحدا فعل به الحزن مثل ما فعل بأدولف.

وتقول إيما كرايجي إن هذه الأحداث المتتالية أثرت عليه مدى الحياة، فعندما يواجه خسائر تكون لديه مشاعر تمنعه من التصالح مع الذات.

وفي تلك الفترة أصبح أدولف من أبناء الشوارع وقضى جل وقته في مأوى الأيتام والمشردين، وتأثر بقصص رجال السلطة والسياسة كعمدة فيينا قبل الحرب العالمية الأولى كارل لوجر.

في أبريل/نيسان عام 1989 ولد أدولف هتلر، وكان والده موظفا في الحكومة، بينما كانت أمه من محيط ريفي

الهجرة إلى ألمانيا

بحلول عام 1913 غادر أدولف النمسا متوجها إلى ميونخ هروبا من الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش المجري، وبعد أشهر من دخوله ألمانيا ألقي القبض عليه وأحيل للمحاكمة، لكنه في كلامه أمام القضاة استخدم أسلوب الاستعطاف الذي تفنن فيه طول حياته، وقدم نفسه على أنه يكافح من أجل الحياة وطلب العيش، فتم إخلاء سبيله من قبل المحكمة.

وفي إفادته للفيلم قال أستاذ التاريخ بجامعة "إكستر" ريتشارد أوفيري "لقد ترعرع هتلر في وطنه النمسا، حيث تتحكم العرقية بالهوية، وبعد الفرار قبض عليه في ميونخ وقدم للمحاكمة".

وفي 1914 قررت ألمانيا الحرب على فرنسا، فتطوع هتلر وانضم إلى صفوف المقاتلين النازيين بحماس كبير، فتعين في الجيش الاحتياطي وتلقى دورة تدريبية مكثفة وأرسل إلى ساحة المعارك فورا.

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح هتلر رسميا ضمن الجيش الاحتياطي

الحرب وتقمص الأدوار

بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح هتلر رسميا ضمن الجيش الاحتياطي، ويعتقد كثير من الناس أنه كان ذا دور مهم في الحرب، لكن الوثائق المكتشفة حديثا تثبت أنه لم يكن كذلك.

وفي حديث توماس وينر مؤلف كتاب "هتلر فيرست وور" قال إن أدولف تولى في الحرب العالمية الأولى مهمة نقل الرسائل بين الوحدات العسكرية، ولكن ليس على درجة عالية. وتؤكد الوثائق التي تم الحصول عليها أن هتلر لم يكن ملزما بنقل الرسائل إلى الخطوط الأمامية في الحرب.

وفي أولى المعارك التي شاركت فيها الجبهة التي كان هتلر من ضمنها؛ سقط ما يقارب 2000 قتيل، لكن هتلر نجا.

وتقول الدعاية النازية إنه أَسر جنودا فرنسيين عندما فاجأهم بالسلاح في لحظة هدوء، ولكن الوثائق تفند الحكاية التي تم تزييفها لتلميع صورة الجندي الذي كان مجهولا، فصاحب بطولة الإغارة على القاعدة الفرنسية هو ضابط يهودي يدعى "هوغو غاتمن".

وقد حمل الجندي المتطوع من طفولته سرعة الانهيار الذي لم يستطع أن يتخلص منه حتى في ساحات الوغى.

يقول أستاذ التاريخ في جامعة نورث تكساس روبرت سيتينو "عندما هاجمت بريطانيا جنود الألمان بغاز الخردل، كان هتلر ضمن المتضررين، فقد أصيبت عيناه وفقد بصره مدة يومين، لكنه لم يُعالج في وحدة العيون، بل عولج في وحدة الطب النفسي مما يعني أنه أصيب بانهيار عصبي".

في أولى المعارك التي شاركت فيها الجبهة التي كان هتلر من ضمنها؛ سقط ما يقارب 2000 قتيل، لكن هتلر نجا

تتويج رغم الفشل

بعد أربع سنوات من قتاله في صفوف الجبهة الغربية انتهت مشاركته بالفشل، لكنه بعد انتهاء الحرب كان قد اختلق دعاية لنفسه بالكذب حيث تقمص شخصية الضابط اليهودي الذي أسر جنودا فرنسيين بمفرده، ومُنح وسام "الصليب الحديدي" الذي يعتبر أعلى مرتبة في الجيش البافاري، وتُعادل رتبة عريف في الجيوش الأخرى، وهي الترقية الوحيدة التي حصل عليها في حياته.

وإثر هزيمة ألمانيا أمام فرنسا رجع هتلر لمدينة ميونخ كواحد من الألوف الذين ينتظرهم مستقبل مجهول، وكان يواجه حالة نفسية ويشعر بالحاجة للانتماء الذي فقده.

وخلال وقائع الحرب، اكتشف رئيس وحدة الدعاية في الجيش "الكابتن كارل ماير" مواهب هتلر في الإقناع والخطابة، فأبقى عليه في المؤسسة العسكرية ولم يُقطع راتبه كما حدث مع باقي المتطوعين.

وبعد انتهاء الحرب ابتُعِث لدورة في فنون الخطابة والدعاية، وأُرسل إلى الجنود العائدين من فرنسا ليقنعهم ويبعث فيهم الأمل من جديد.

في أكتوبر/تشرين الأول 1919 ألقى هتلر خطابا رسميا لصالح الحزب أمام جمع غفير من جماهير السياسة

دخول عالم السياسة

في أيام طفولته التائهة بمدينة فيينا، تعلق هتلر بالسياسة وزعمائها وخصوصا كارل لوغر. وقد تجدد ذلك التعلق عندما أتيح له شد حبال الوصل مع السياسيين، ففي سنة 1919 تم تجنيده مخبرا يتجسس على حزب العمال الألماني، لكنه أدار ظهره للجيش وانتسب للحزب.

وبعد فترة وجيزة أصبح شخصية محورية في المؤسسة السياسية التي انتمى إليها حديثا، ففي أكتوبر/تشرين الأول 1919 ألقى خطابا رسميا لصالح الحزب أمام جمع غفير من جماهير السياسة المنخرطين في الحزب.

ونتيجة لخطاباته ذات الحس الوطني وأسلوبه في الدعاية الذي ركز فيه على أن ألمانيا تم طعنها في الظهر وحيكت ضدها مؤامرات يهودية من الداخل، اقتنع به الناس والتفت جماهير الحزب من حوله.

وفي يوليو/تموز 1921 تم تغيير اسم الحزب إلى "حزب العمال الوطني الاشتراكي" وأصبح هتلر قائدا له.

وخلال النكسة الاقتصادية سنة 1923 فقد الألمان الثقة في حكومة وايمر بسبب الأوضاع المزرية، فاستغل هتلر اللحظة وقاد مظاهرة عنيفة للإطاحة بالحكومة عن طريق العنف، فاعتقل ضمن مجموعة من رفاقه. وتميزت هذه الفترة من قيادته للحزب بالفشل الكبير، وأظهر عدم نضجه في السياسة وعجزه عن التعاطي مع الأحداث وفق منطق القانون.

يقول أستاذ تاريخ ألمانيا في جامعة "ساوثرن إيلنوي" الدكتور جون ثان "إن هتلر لم يعرف التعامل مع الطبقة الراقية خلال إدارته للحزب، حيث ظهر كشخص متخلف لا يعرف التعامل مع الأغنياء والأقوياء".

في 1927 فُتحت أمام هتلر الأماكن العامة للتحدث وإلقاء الخطب السياسية

بداية جديدة من الصعود

بعد محاولته الفاشلة للانقلاب وتحريك الساحة على حكومة وايمر أحيل للسجن، لكن ذلك كان بداية جديدة من الصعود بالنسبة لهتلر.

ففي السجن ألف سيرته "كفاحي" الذي احتوى على رؤيته وخططه التي سيقوم بها. وشن في مؤلفه حملة على اليهود بلغة عنيفة، ووصفهم بالديدان والطفيليات وسرطان المجتمع الذي يعيش في جسم الإنسان الأوروبي.

وبعد تسعة أشهر من السجن أُخلي سبيله في ديسمبر/كانون الأول 1924 بسبب حسن السلوك، وخرج بفكرة النضال السلمي والقانوني، وبدأ في تحسين صورته عند العامة.

وعقب خروجه من السجن وجد الحزب في حالة من الفوضى تهدد بتفككه، فدعا لاجتماع موسع للهيئات القيادية في عموم البلاد. وخلال مؤتمر الحزب طلب الدعم والولاء غير المشروط، فصوت له الجميع باستثناء جوزيف غوبلز، لكن هتلر أقنعه بعد ذلك وأصبح من خاصته وعينه وزيرا للدعاية عندما تولى حكم البلاد.

وبعد أن أصبح رئيسا للحزب أُطلق عليه لقب "القائد" وتعني القدوة والملهم، وبدأ في استعادة القوة لحزبه.

وفي 1927 فُتحت أمام هتلر الأماكن العامة للتحدث وإلقاء الخطب السياسية، وبدأ نجمه في السطوع على جميع الولايات الألمانية.

وبعد سنوات التشرد والضياع وحقبة التجنيد الفاشلة، انتقل أدولف من تلك المراحل إلى أقوى شخصية قيادية في الساحة السياسية يتحدث الناس عن أفكاره ويصفونه بالملهم وينتظرون منه الإنقاذ.