بورتريه

أسامة بن لادن.. جنى على طالبان وهزّ البيت الأبيض

 

يونس مسكين

بإعلان سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابل منتصف آب/أغسطس 2021، استعاد العالم مشاهد رجال ذوي هندام بدوي يتمنطقون بأسلحة رشاشة وقنابل، يحطمون أصناما بوذية ويغطون وجوه النساء ويقطعون رؤوس الرجال، لكن للعرب سببا آخر يذكرهم بأفغانستان وحركة طالبان، هو رجل اسمه أسامة بن لادن.

قبل عشر سنوات من الدخول الاستعراضي لمقاتلي حركة طالبان إلى عاصمة أفغانستان -الذي يأتي بعد عشرين سنة من خروجهم منها تحت وابل القصف الأمريكي حينها-؛ كانت واشنطن تعلن بكثير من الفخر، تمكّنها من قتل الرجل الذي ارتبط اسمه بأحداث 11 سبتمبر/ أيلول، وهو الرجل الذي بسببه خرجت أمريكا في كبرى حروبها منذ حرب فيتنام كي تسقط حكم طالبان التي آوته في أفغانستان.

واليوم، وبعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان الذي أنهى 20 عاما من الاحتلال والحرب الطاحنة، ومن بين ألغاز كثيرة ينطوي عليها هذا الانسحاب ومعه السيطرة السهلة والشاملة لحركة طالبان على مجموع التراب الأفغاني، يبقى اسم أسامة بن لادن أكبر ألغاز هذا الملف، بعدما كان تحالفه مع طالبان وأحداث 11 سبتمبر/ أيلول المنسوبة إليه سببا في الغزو الأمريكي لأفغانستان.

فهل كان هذا العربي سببا في تقوية شوكة طالبان بتحالفه معها منتصف التسعينيات؟ أم تراه كان سببا في جر نقمة العالم الغربي عليها وإسقاط حكمها عام 2001؟ هل كان مؤسس وزعيم شبكة القاعدة ساذجا ومتهورا جنى على نفسه وعلى حركة طالبان حين استدرجها إلى مستنقع حروب دولية؟ أم تراه كان يجرّ وراءه -عن علم أو عن جهل- أعين الوكالات الاستخباراتية إلى قلب كابل ثم جبال تورا بورا؟

 

أبناء حصن باهشن.. رحلة من حضرموت إلى الساحل السعودي

منذ التحاقه بأفغانستان واستقراره فيها رفقة جيشه المكون من مقاتلي القاعدة منتصف التسعينيات، وإلى غاية إعلان مقتله تزامنا مع ثورات الربيع العربي، لم يكن أي من أيام المنطقة العربية يمر يوم دون مشاهدة صورته أو سماع اسمه أو اسم التنظيم المنسوب إليه تحت اسم "القاعدة". هكذا كان قليل الظهور كثير الحضور، يهدد ويتوعد فينفذ ثم يختفي.

تعود أصول أسامة بن لادن إلى أسرة يمنية الأصل سعودية التشكل والثراء. بدأت قصتها الحديثة ذات يوم من أواخر عشرينيات القرن الماضي، عندما غادر محمد بن عوض بن لادن واثنان من إخوته، وثلاثتهم عمال بناء؛ قريتهم الصغيرة المسماة حصن باهشن، في أقصى وادي دوعان بالجنوب اليمني. وكانت تلك القرية تبدو كسجن معزول حسب وصف الرحالة البريطاني "فريا ستارك" الذي زار حضرموت سنة 1932، لما تميزت به من موقع قابع في أعالى المرتفعات.

وجد محمد بن لادن في جدة السعودية أحد أبناء العمومة الحضرمية، فقدم له المأوى والزاد، بل وساعده في الحصول على عمل وآزره إلى أن أصبح قادرا على تلبية حاجاته والقيام بشؤونه بشكل مستقل، فانبرى على الفور لممارسة مهنته وموهبته المتمثلة في بناء آجر البناء وتركيبه بمهارة، وعلى فترات متقطعة كان يحمل قفة ويأخذ وجهة مرسى مدينة جدة، ليعمل حمالا يفرغ شحنات السفن ويشحنها بأخرى.

هاجر والد أسامة بن لادن من اليمن إلى السعودية، وكان تاجرا ذكيا استغل ظهور النفط ليثري منه

 

ظهور النفط.. تذكرة بن لادن إلى عالم الثراء

سارع بن لادن الأب إلى خدمة تحالف وجده قائما في بلاد الحجاز، بين جد المملكة السعودية محمد بن سعود الذي كان حاكم إحدى الواحات الصحراوية في نجد وسط البلاد، مع المذهب الإسلامي الجديد الذي أسسه محمد بن عبد الوهاب الفقيه السني.

لم يكن زحفُ آل سعود على أرض الحجاز يحمل تطلعات اقتصادية بالحجم الذي نراه اليوم، وكان صراعا قبليا تقليديا يبغي السيطرة على المواقع الاستراتيجية والتاريخية، ولم يبدأ تحول المنطقة من دولة قحط إلى دولة نفط إلا مع نهاية عقد الثلاثينيات.

باكتشاف النفط في المملكة العربية السعودية عام 1938، والبدء في استغلاله بواسطة الشركة الأمريكية (ARAMCO) بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وإبرام ما يعرف باتفاق السفينة "كوينسي" السعودي الأمريكي، وعنوانه النفط مقابل الحماية.

كان محمد بن لادن من أوائل العمال في شركة "أرامكو" السعودية الأمريكية، وهناك أبان عن علو كعبه وقدرته على خدمة جميع الأطراف، مع حس فطري ميال إلى النظام الصارم والفعالية والموهبة الهندسية، حتى تمكن عام 1935 من تأسيس شركته الخاصة بدعم من بعض مشغليه الذين توسموا فيه النجاح، والقدرة على الاستفادة والإفادة دون شروط.

عاش بن لادن حياته في مدينة جدة وتخرج من جامعة الملك عبد العزيز

 

أسامة.. سلفي في كلية الاقتصاد والإدارة

تلقى الطفل أسامة تعليمه الابتدائي والثانوي بمدينة جدة حيث كان يقيم، ومكث فيها لولوج جامعة عبد العزيز متخصصا في الاقتصاد وإدارة الأعمال ليتخرج منها بشهادة البكالوريوس، بينما كان كثيرا ما يتعقب آثار والده في رحلة "الشتاء والصيف" نحو الشام، ليس بغرض التجارة، وإنما ليقضي عطلته رفقة خاله ناجي في اللاذقية.

كان التيار السلفي حينها آخذا في الانتظام من خلال ظهور عدد من الجمعيات الإسلامية، وآلة الدعوة إلى المذهب الجديد آخذة في الدوران، من خلال عمليات طباعة واسعة لكتب السلف، بعدما شهد النصف الأول من القرن العشرين إعادة طبع ونشر عدد كبير من الكتب القادمة من العصور الأولى للإسلام، وتتوزع على مختلف حقول الفكر والفقه والتفسير والحديث والعقائد.. وفي هذا السياق، عُرف الطفل أسامة بن لادن بين أبناء عشيرته بالتزامه العميق بمقتضيات الدين.

زلزلت ثورة الخميني كل كراسي الحاكمين العرب وأدخلت الشك والخوف إلى نفوسهم

 

ثورة الخميني.. إعصار فارسي يزلزل العروش العربية

قبل أن تكون المشكلة الأفغانية مطية جهادية وأرضا لتحالفات عجيبة وحروب بالنيابة، كانت ملفا سياسيا دوليا تمخضت تناقضاته عن تجربة قتالية فريدة من نوعها، بدأت قصتها بانقلاب داخلي عام 1978 صعد على إثره الحزب الشيوعي لأول مرة إلى الحكم بأفغانستان، مما أشعل فتيل مواجهات داخلية انتهت بطلب الشيوعيين نجدة الجيش السوفياتي الذي لم يتأخر في دخول ساحة المواجهة عام 1979.

وبعد الضبابية التي أحاطت بمشاركة أسامة بن لادن في حرب الإخوان المسلمين على النظام السوري البعثي العلماني، وبعد تضارب المصادر حول حقيقة ميولاته وقناعاته الفكرية والدينية؛ فإن صفحة جديدة ستفتح بعد العام 1979، لتتقاطع المصادر المتناولة لشخصية بن لادن، وتبدأ المعطيات الموثوقة في معانقة التحليلات الموضوعية للمحيط الإقليمي والدولي.

فتلك السنة كانت استثنائية بكل المقاييس، ولم تكن لتسمح باستمرار التردد أو إخفاء القناعات الحقيقية، فهو عام الثورة الخمينية في إيران الشيعية الفارسية؛ الثورة التي لم تطوح بعرش الشاه فقط، بل زلزلت كل كراسي الحاكمين العرب وأدخلت الشك والخوف إلى نفوسهم، إنها حركة سياسية معارضة ترفع علم الدين وتدخل قصر الحكم فوق أكتاف الجماهير.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية حينها في عز حربها الباردة، عملاقا ينزف من جرحه الفيتنامي الذي لا يندمل، فأعقبته هذه الطعنة المفاجئة ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان درَكي واشنطن بالمنطقة وخديمها المطواع.

وجد بن لادن طريق الجهاد ميسرة في أفغانستان فكان يجمع العتاد والرجال إليها

 

مسرح أفغانستان.. تحضير الخشبة لدخول الشيخ المجاهد

في الجهة الأخرى لبلاد فارس وأفغانستان، كان الرئيس الباكستاني ضياء الحق يراقب بطموحات كبيرة لمد إمبراطوريته في آسيا الوسطى، واحتواء طموحات البشتون الأفغان للتحالف مع بني عمومتهم داخل باكستان.. عوامل وأخرى اجتمعت لتتفق على بعث الجهاد الإسلامي المنسي منذ الحروب الصليبية، وكان ميدان ذلك جبال أفغانستان التي دكها الاتحاد السوفياتي بدون رحمة.

شرعت المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إي" في إعداد خشبة المسرح لدخول الممثلين، ولكل دور معلوم، فكانت المفاجأة أن توافد الراغبون في التمثيل من كل المدارس "المسرحية"؛ فالصيني يريد إضعاف صديقه اللدود والحد من طموحاته، فجاء حاملا عدته العسكرية مستعدا للبيع؛ وجاء الباكستاني وسيطا ودليلا عارفا بمتاهات المنطقة جغرافيا وإثنيا.

أما العرب فهم متلهفون لتصدير مجاهديهم والتخلص من إزعاجهم، فتحولت السفارات الباكستانية في الدول العربية إلى وكالات أسفار مفتوحة، ونظيرتها السعودية بنوكا إسلامية تقرض المجاهدين "قرضا حسنا"، فتمنحهم تذاكر السفر بتخفيضات كبيرة، وتضمن لهم تكاليف الوصول إلى جبهة القتال، وأما إسرائيل الصهيونية اليهودية فكانت على أهبة الاستعداد أيضا لدعم "المجاهدين" بمنحهم ما تراكم في خزائنها من خردة السلاح السوفياتي الذي غنمته من حروبها ضد العرب.

وفي هذا الخضم، اضطلع الشيخ أسامة بن لادن بدور هام في تمويل وتشجيع آلاف المجاهدين للالتحاق بأفغانستان، وذلك في رحلاته المتكررة بين أرض الجهاد والجزيرة العربية، وبدأت صفحات الجرائد والمجلات بالمنطقة العربية تقدمه بطلا مستعدا للتضحية من أجل قضية عادلة.

وقفت الدول العربية ومن ورائها أمريكا في أفغانستان ضد روسيا في دعم المجاهدين وإرسالهم إلى بيشاور

 

إسلام أباد.. حامل مفاتيح الخزينة يبدأ المعركة

توجه أسامة بن لادن إلى العاصمة الباكستانية إسلام أباد بعيد اندلاع الحرب في أفغانستان عام 1979، وكانت مهمته آنذاك السهر على تنسيق الحملات الدولية لجلب المقاتلين وتعبئة الدعم المادي، فقد فرض هذا الشاب نفسه تدريجيا كحامل لمفاتيح خزينة التمويل غير المباشر للجهاد الأفغاني، من خلال مساهمته المباشرة كرجل ثري، ومساهمة عائلته التي باتت ترى في ابنها رمزا للبطولة ومصدرا للفخر.

لم تتردد العائلة الثرية في تلبية طلبات ابنها بإرسال الآليات والجرافات لإقامة المعسكرات والمخيمات والأنفاق والمستشفيات، ومستودعات السلاح والتحصينات؛ ثم قنوات الدعم العربي الرسمي والشعبي التي تصب في إسلام أباد وبيشاور وجيوب بائعي السلاح من الصين إلى إسرائيل، فكان يعود من رحلاته المتكررة إلى السعودية مثقلا بالأموال.

أهم تطور في هذا المسار الهادئ، أن أسامة بن لادن كان يرسل الوافدين للتدرب على القتال في معسكرات قادة الحرب في أفغانستان، أمثال ربّاني وقلب الدين حكمتيار، إلى أن شرع أواسط الثمانينيات، في إقامة معسكراته الخاصة في أفغانستان، وبدأ بذلك في تأسيس جيشه الخاص.

شنت القوات الروسية سنة 1980حربا على أفغانستان انتصارا للشيوعيين هناك

 

حكومة المجاهدين.. حلف أعداء السوفيات في أصقاع الأرض

كانت الجبهة التي تولت التصدي للحكومة الشيوعية الأفغانية ومعها الجيش السوفياتي، ترفع راية الانتماء الإسلامي، وهو ما التقطته الجهات المهددة بالوجود السوفياتي، بدءا من باكستان وانتهاء بالولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار هذا المستجد الجيوستراتيجي بمثابة سقوط لجدار النار ما بين العالم الإسلامي والعالم الشيوعي السوفياتي، مما أفضى إلى تطابق بين موقف العالمين العربي والإسلامي، والاتجاه الغربي داخل الأمم المتحدة.

نتج عن هذا التوافق إصدار قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة يدين الغزو الروسي، ويطالب موسكو بسحب قواتها، وانعقدت دورة طارئة لوزراء خارجية الدول الإسلامية بإسلام أباد في يناير/كانون ثاني 1980، ونصت في قرار لها على موقف مماثل مع مقاطعة الألعاب الأولمبية في موسكو، مع تعليق عضوية الحكومة الأفغانية المتواطئة مع السوفيات.

بدأ مسلسل الدعم الإسلامي للجهاد الأفغاني، لكن هذا المفهوم لم يظهر في السجلات الرسمية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، إلا في قمتها عام 1986 بمدينة فاس؛ حيث قرر المؤتمر دعم المقاومة الأفغانية في تحرير البلاد والحفاظ على هويتها الإسلامية، بينما قرر المؤتمر الوزاري للدول الإسلامية عام 1989 بمبادرة من السعودية، أن تحل حكومة "المجاهدين" محل الحكومة الشيوعية في عضوية المنظمة الإسلامية.

معركة جاجي التي خاضها المقاتلون العرب عام 1986 ببسالة؛ كانت سبب إنشاء أسامة بن لادن مجموعته القتالية

 

معركة جاجي.. بطولة عربية ولدت جيشا مستقلا

ازداد تدفق المقاتلين من الشباب العربي في أواخر الثمانينيات، حتى باتوا يقاتلون في وحدات قتالية مستقلة، ثم جاءت بعدها معارك جلال آباد التي استشهد فيها حوالي 70 عربيا، وكذلك معركة مأسدة الأنصار 1987 م، وهي موقع أنشأه أسامة بن لادن للشباب العربي الداعم المجاهدين الأفغان، وقد كان البُعْد المعنوي أيضا من أبرز أدوار المجاهدين العرب الذين كانوا يرون ضرورة الاشتراك في الجهاد الكشميري حال الفراغ من الجهاد الأفغاني.

كان لمعركة جاجي التي خاضها المقاتلون العرب عام 1986 بكثير من البطولية؛ دور معنوي للتحفيز على إنشاء أسامة بن لادن لمجموعته القتالية الخاصة التي بدأت في خوض أولى معاركها بشكل منفصل، بدل الاكتفاء بالانضمام إلى المقاتلين الأفغان.

كما كانت تلك المجموعة نواة لإقامة "القاعدة"، أي قاعدة بيانات خاصة، سجل فيها أسامة بن لادن المعلومات الخاصة بالمقاتلين الذين يمرون من معسكراته، استعدادا لمراحل أخرى من التنظيم.

اختار أسامة بن لادن أن يجمع حوله المستعدين للقتال بدل هواة الخطابات، وأخذت تتشكل حوله جماعة من ذوي الخبرة القتالية من "المهمشين" اجتماعيا، وجلهم ممن جرى تأطيرهم في معسكرات بيشاور وأفغانستان، وسجلوا في وقت مبكر في سجلات "القاعدة".

نظم بن لادن أسماء المجاهدين المتطوعين في قوائم سماها "قاعدة البيانات" ومنها اشتق اسم القاعدة

 

جيش مدرب لا معركة له.. خيبة أمل تصنع تنظيم القاعدة

عندما كانت القوى المتحالفة ضد السوفيات تستعد أواخر عقد الثمانينيات، للاحتفاء بنصر كاسح وممتع، بما أنه نُفذ عن طريق جهاز التحكم عن بعد، وبمراحل طويلة من الاستنزاف والخدوش العميقة في وجه الدب الروسي؛ كان جيش من المقاتلين الذين أرسلتهم دولهم العربية من المغرب إلى الخليج لمحاربة الكفار، يلتفت من حوله بحثا عن منافذ تصريف ما قالت له الفتاوى الرسمية إنه واجب شرعي ورسالة إلهية لا تعرف الحدود الجغرافية والزمنية.

لكن الخيبة كانت كبيرة بحجم الأحلام السابقة، حين رأى المجاهدون كيف تقلص الدعم الأمريكي والعربي بمجرد أن بدأ الجيش السوفياتي في الاندحار، وباتوا يطالبون مصادر الدعم المالي بمواصلة العمل رفقتهم، حتى تتحقق لهم السيطرة على كابل وإقامة الدولة الإسلامية المنشودة على نهج السلف الصالح. وزادت الخيبة بانهزامهم في إحدى معاركهم بجلال أباد عام 1989، التي كان انتصارهم فيها يعني نهاية للحرب. حينها فقط بدأ أسامة بن لادن في الحديث عن مذابح إسرائيل في حق الفلسطينيين، وعن الدعم الأمريكي لإسرائيل.

هكذا وجد بن لادن نفسه على رأس جيش مدرب لا يجد معركة يخوضها، وكان جزء هام من مجاهديه قد أتى من اليمن الجنوبي الخاضع لنظام شيوعي آنذاك، فشرع هؤلاء اليمنيون فور عودتهم من أفغانستان في الحلم باسترجاع الأراضي التي صادرتها منهم الحكومة الماركسية، والتقت طموحاتهم مع ميول قائدهم بن لادن، فوجههم فورا نحو العمل على قلب النظام، فانتهى شهر العسل الطويل بين بن لادن وداعميه العرب، ومن خلالهم العرّاب الأمريكي.

كان الغزو الأمريكي الأول للمنطقة العربية سببا في تأجيج الصراع بين بن لادن والسعودية

 

إزعاج البيت السعودي.. بداية رحلة المنفى لزعيم القاعدة

لم يتدخل الشيخ المعتد بإمكاناته وجيشه الجديد في شؤون دولة جارة فقط، بل بدأ يوالي تدخلاته في شؤون البيت السعودي، حيث راح يطالب بالإصلاح والتطبيق السليم للشريعة، وتجاوز الطموح الجزيرة العربية ليوجه سهام نقده للعراق ورئيسه السابق صدام حسين، واصفا إياه بالجشع والعدواني المتطلع للسيطرة على الكويت، بل إنه ذهب حد تكفيره.

عندما تحققت نبوءة بن لادن بغزو عراق صدام حسين للكويت، وبات الجيش العراقي يصول ويجول في الكويت مقتربا من الحدود السعودية، استعمل أسامة نفوذ عائلته وقابل وزير الدفاع الأمير سلطان بن عبد العزيز، مقترحا عليه خطة دفاعية لدحر الجيش العراقي في حال وقوع الاجتياح.

لكن السعودية فضلت استقبال الجيش الأمريكي لإخراج الجيش العراقي من الكويت، وهو ما اعتبره بن لادن جريمة لا تغتفر في حق الإسلام والمسلمين، وغادر المملكة -التي كانت تفرض عليه الإقامة الجبرية بعد عودته من مهمته الأفغانية- بشكل نهائي إلى باكستان بداية ومنها إلى السودان، حيث شرع في تأسيس شركة بناء في الخرطوم من أجل تمويه غايته الحقيقية، المتمثلة في التخطيط للجهاد الشامل ضد الولايات المتحدة.

كانت تحركات القاعدة الأولى في هذا الاتجاه من خلال ضربات في الصومال وعدن، حيث كانت الاستراتيجية تقوم على المزاوجة بين استعداء واشنطن وعدم نسيان البعد الإقليمي، والهدف إرضاء طموحات التنظيمات المحلية، ودعمها في ضرب الأنظمة المحلية، إلى جانب استهداف أمريكا.

بطلب من الرئيس البشير في 1996، غادر بن لادن السودان عائدا إلى أفغانستان

 

غروب شمس السودان.. عودة إلى ميادين الحرب القديمة

كانت متاعب بن لادن في هذه المرحلة آخذة في التعاظم، فمن ناحية هناك هذا التوجس الإقليمي من ما يرمي إلى تأسيسه في السودان، بدءا من الجارة مصر وانتهاء ببلده السعودية، ومن جهة أخرى صعوبات تدبير التناقضات الداخلية والمحلية للسودان، وتزايد الضغط والحصار الأمريكي.

سرعان ما أخد أمد "الجنة السودانية" في الانقضاء، وانطلق استعداد حكومة الخرطوم لتقديم القرابين للديناصور الأمريكي، لكن المثير أنه سيتضح بعد سنوات أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن تبدي الاستعداد الكافي للإيقاع بأسامة بن لادن والقبض عليه، بينما كان هو يستعد لشد الرحال إلى جلال أباد المدينة الأفغانية المحاصرة.

كانت واشنطن مقتنعة أنها أزاحت الخطر عن مصر والسعودية وحلفائها الآخرين في القرن الإفريقي، كما أضعفت الجبهة الوطنية الإسلامية في السودان وعزلتها، عبر حرمان بن لادن من استثماراته وأعماله التجارية ومعسكرات التدريب التي كانت بتصرفه.

وبعدما دفعه الرئيس السوداني عمر حسن البشير إلى المغادرة، نزل أسامة بن لادن في شرق أفغانستان حيث كانت تعم الفوضى، لكنها منطقة عرفها جيدا حين كان لا يزال شابا، وقد بنى صداقات عدة في مناطق البشتون الحدودية بين أفغانستان وباكستان، وكانت إدارة "كلينتون" لسوء حظها قد تجاهلت أهمية تلك الروابط التي عقدها هناك، معتبرة عودته إلى أفغانستان نوعا من الحصار يضرب من حوله.

تحرير كابل واندحار السوفييت كان مقدمة لسقوط الشيوعية سنة 1989

 

سقوط كابل.. حلف الشيخ العربي مع زعيم طالبان

لم تكن أفغانستان التي عاد إليها أسامة بن لادن عام 1996 هي نفسها التي شد إليها الرحال مستهل عقد الثمانينيات. وخروج الجيش السوفياتي من البلاد عام 1989، ثم سقوط الحكومة الأفغانية الموالية لهم عام 1992، لم يكن ليحيل "خراسان" إلى جنة للمؤمنين والمجاهدين، فسرعان ما تفجر الصراع الداخلي وتحول الإخوة إلى أعداء؛ يفرقهم أساسا تقاطب بين معسكرات حكمتيار وربَّاني وأحمد شاه مسعود، ولم يزل الحال كذلك إلى أن ظهرت على الساحة حركة طالبان، وباتت اللاعب الأول في الملعب الأفغاني.

وتحتفظ الكتابات حول تلك المرحلة، بمحاولتي اختطاف وقتل تعرض لهما أسامة بن لادن، إحداهما في منطقة جلال أباد. حيث جرى توظيف مرتزقة من المنطقة الحدودية لتنفيذ العملية، لكن تفاصيلها سرعان ما بلغت المستهدف، ليجري احتياطاته الأمنية، ويعد العدة للانتقال إلى قندهار المعسكر الآمن لحركة طالبان.

فعندما كان أسامة بن لادن يجهد نفسه للحفاظ على موقعه المحايد في المعمعة الأفغانية، بلغه نبأ سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابل بعد انتصار كاسح ودون معارك تقريبا، وأصبحت بذلك الحركة هي المسيطر الأول على أفغانستان، ورغم تعدد المراسلات بين أسامة والملا عمر زعيم حركة طالبان، فإنه لم يسبق للرجلين أن التقيا.

أرسل أسامة إلى الملا عمر طلبا بالالتحاق بقندهار، فوافق الرجل القوي الجديد لأفغانستان، مسارعا إلى كسب تحالف رجل يعرف مكانته لدى الأفغان، وقدرته على تزويد المحركات القتالية بوقود المال والسلاح، فكان الشرط الوحيد للملا عمر أن يوقف أسامة حملته الإعلامية حتى تستقر الأمور وتحصل حركة طالبان على الاعتراف الدولي، وقد وافق عليه أسامة ليشد الرحل على متن سيارة نحو كابل، ومنها استقل الطائرة التي حملته إلى قندهار.

في أيار/مايو 2011 اغتيل زعيم الفاعدة أسامة بن لادن بعد عدد من المحاولات باءت جميعها بالفشل

 

محاولة الاغتيال.. تفجير الصراع القاعدي الأمريكي

كان أسامة حريصا باستمرار على الإشادة علنا بحكم طالبان باعتباره مثالا للدولة الإسلامية الأصيلة، ونموذجا للخلافة التي ألغاها أتاتورك في العام 1924، كما كان متعطشا لتعويض خسارته حلف الدولة السودانية، بمساهمته في إقامة دولة جديدة أكثر استجابة لشروطه وتطبيقا لمرجعيته الدينية، مستعدة للتحول فور الفراغ من قتال رستم ومسعود (خصوم طالبان)، لإعلان الولايات المتحدة الأمريكية عدوا أولا.

لم يكن عمل الأمريكيين الدؤوب على اقتناص أسامة متوقفا، ففي العام 1997 كانوا بصدد التخطيط لخطة اختطاف ثانية بعد تلك التي فشلت في جلال أباد، وجرى التخطيط بتنسيق مع الاستخبارات الباكستانية على الخصوص، وكان بمثابة شر لا بد منه لإحكام الاستخبارات الباكستانية إمساكها بأسرار المنطقة ومتاهاتها، وكانت الخطة تقضي بتدريب كوماندوز على تنفيذ الاختطاف، وانطلاقه من الأراضي الباكستانية إلى قندهار، وبدأت التدريبات في ربيع العام 1997، لكن الأمر توقف عند ذلك، حيث سرعان ما تسرّب الخبر إلى محيط أسامة بن لادن، وتداولته الصحافة العالمية.

لم يتأخر رد القاعدة على هذا التحرك الأمريكي المتردد، فبمجرد انصرام الربيع ووصول الصيف الموالي ذروته، نفذت عمليتان دمويتان غير مسبوقتين ضد أهداف أمريكية تنتظران إشارة التنفيذ، حيث انفجرت عربتان مفخختان بشكل شبه متزامن قرب سفارتي واشنطن بالعاصمة الكينية نيروبي والعاصمة الاقتصادية لتنزانيا.

شهد الرد الأمريكي على تفجيري نيروبي ودار السلام تحولا نوعيا هذه المرة، حيث تحرك الأسطول الأمريكي بمدمراته وقاذفاته الصاروخية. مستهدفا سبعة أهداف في أفغانستان والسودان، أهمها مصنع "الشفاء" بالعاصمة الخرطوم، فقد كانت تزعم واشنطن أن تحليلات مخبرية لحفنة من التراب أُخذت من محيطه القريب، أظهرت احتواءها على مواد كيماوية فتاكة، بينما تقول مصادر سودانية إن المصنع الذي أسسه بن لادن كان يوفر نصف حاجيات البلاد من الأدوية.

في خضم كل ذلك، كان أسامة بن لادن يقيم بنيان مملكته الجهادية، مواصلا حياته الشخصية بكل ثقة كما لو كان يعيش وسط الرياض، رغم مظاهر الزهد والتقشف التي بات يبديها، إلى أن حلّ يوم "القيامة الأمريكية"، أي يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001.

تفجير برجي التجارة العالمي.. القشة التي قصمت ظهر البعير وحكمت على بن لادن بالموت

 

تفجيرات مركز التجارة العالمي.. صفعة تقلب وجه التاريخ

في الساعة الثامنة وخمسين دقيقة صباحا كان المشهد مثيرا، طائرة أولى تتقدم في كل هدوء وثقة، يقابلها أحد برجي مركز التجارة العالمي، تقترب الطائرة بكل دقة وحسن توجيه، ترتطم بالبرج الشاهق لتخترقه من الجانب الآخر كتلة من اللهب، ثم طائرة ثانية تكرر المشهد، لتسري حرارة جهنمية في أعمدة البرجين وأساسيهما، وحرارة أكبر في شرايين دولة مراهقة لم تجاوز قرنها الخامس.

طال المشهد أكثر من ذلك، وامتد إلى ما بعد الخامسة من بعد ظهر ذلك اليوم، بانهيار المبنى رقم 7 من مركز التجارة العالمي، رغم أنه لم تمر أي طائرة بالقرب منه. ولحسن الحظ أن هذا الانهيار لم يخلف ضحايا بعد إخلاء المكان، وقد فسرت قوات الطوارئ الأمريكية الأمر بتضرر المبنى بانهيار البرجين، وبات التوجس كبيرا من سقوط مبان أخرى بالطريقة ذاتها، فطلبت بلدية نيويورك ثلاثين ألف كيس بلاستيكي خاص بالجثث، تحسبا للأسوأ.

كانت الخطوة الأولى تقضي بعزل أفغانستان عن طريق تقديم المساعدة إلى التحالف الشمالي المناوئ لطالبان وما بقي من قادته، ثم تسريع الاتصالات مع بعض الزعماء البشتون، ومن ضمنهم ستة من قادة طالبان العسكريين الكبار الذين قال مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية السابق "جورج تينيت" إنهم كانوا راغبين في إزاحة الملا عمر عن السلطة.

جبال تورا بورا الأفغانية.. لم تلن أمام ضربات الغزو الأمريكي العنيفة

 

حرب الانتقام.. عودة الغزاة إلى الجبال الأفغانية

سمّى "كولن بأول" وزير الخارجية الأمريكي أسامة بن لادن بصفته المشتبه به الرئيس، ومهّد بأقصى سرعة لتدخل رجا أن يكون محدودا في أفغانستان، كما وجّه ما يشبه التحذير لباكستان لحثها على أن تضع بتصرف الولايات المتحدة كافة البنى التحتية العسكرية التي لديها، وعلى أن تقطع مباشرة أي علاقة سياسية أو اقتصادية مع نظام طالبان، كما قال "تييري ميسان" في كتابه "الخديعة الرهيبة".

في العشرين من سبتمبر/أيلول 2001، ألقى "بوش" خطابا قويا أمام الكونغرس، حمّل فيه مباشرة مسؤولية الأحداث لأسامة بن لادن، وقال مخاطبا حركة طالبان: "عليكم أن تسلموا إلى السلطات الأمريكية كافة مسؤولي تنظيم القاعدة الذين يختبؤون على أراضيكم.. عليكم أن تغلقوا على الفور وبصورة نهائية كافة معسكرات التدريب الإرهابي في أفغانستان وأن تسلموا الإرهابيين.". ولم يحل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2001، إلا وفوهة آلة الحرب الأمريكية جاهزة وموجهة نحو دولة اسمها أفغانستان.

تفاصيل ومجريات الحرب في أفغانستان قد لا تكون لها أهمية، بما أن الأمر لم يستغرق أكثر من بضعة أسابيع، تناثرت فيها أشلاء المقاتلين الطالبان ومعهم المدنيون مثل الزجاج المتكسر، ليهرع قادة الفصائل الأفغانية إلى الالتفاف حول مائدة العم سام، بينما لجأ من بقي من مقاتلي طالبان والقاعدة إلى منطقة جبلية تدعى تورا بورا، دافعين بذلك الجيش الأمريكي إلى استعمال قنابل محظورة تدك الجبال دكا.

الرئيس الأمريكي أوباما يتابع أحداث عملية اغتيال أسامة بن لادن

 

اغتيال بن لادن.. انتصار طال انتظاره في البيت الأبيض

توالت على مدار السنين الأنباء الكاذبة كل يوم عن رصد محتمل لأسامة بن لادن، وحيكت الأساطير حول قصص إفلاته المتكرر من طائرات التجسس والأقمار الاصطناعية وعيون الجواسيس والعملاء، وقد تطلب الأمر انتظار عشر سنوات، قبل ذلك المشهد الذي خلّدته صورة شهيرة يظهر فيها الرئيس الأمريكي وقتها "باراك أوباما"، ونائبه الرئيس الحالي "جو بايدن"، وبرفقتهما باقي كبار مسؤولي الإدارة الأمريكي ووزارة الدفاع ووكالات المخابرات، ليتابعوا بالفيديو أطوار عملية الاغتيال التي أنهت حياة أسامة بن لادن إثر رصد مكان إقامته في إياد أباد الباكستانية.

وكشف كتاب صدر قبل عودة مقاتلي طالبان بأيام قليلة إلى كابل منتصف آب/أغسطس 2021، لصاحبه "بيتر بيرغن" وبعنوان "صعود وسقوط أسامة بن لادن"؛ تفاصيل جديدة للطريقة التي أدت إلى رصد مكان إقامة بن لادن، حيث تطلّب الأمر أكثر من عام من الرصد والمراقبة للإقامة المنيعة التي كان يتحصن بداخلها رفقة زوجاته وأبنائه وحراسه.

كان اغتيال أسامة بن لادن مستهل أيار/مايو 2011 بالنسبة للكثيرين إيذانا بدخول أفغانستان مرحلة جديدة من تاريخها، وتخلّصها من آثار مرحلة طالبان-القاعدة. لكن سرعان ما انقلب التاريخ على عقبين بعد مرور عقد كامل، حيث تابع العالم مقاتلي طالبان وهم يدخلون قصور الحكم في كابل، بينما يحث الأمريكيون الخطى للهروب منها.

 

المصادر

–       جوناثن راندل، "أسامة: السبيل إلى الإرهاب"، نقله عن الإنجليزية شكري رحيم، دار النهار، بيروت، 2004

–       جورج تينيت، في قلب العاصفة السنوات التي قضيتها في السي آي إي، دار الكتاب العربي، ترجمة عمر الأيوبي، بيروت 2007

–       عبد الباري عطوان، القاعدة التنظيم السري، دار الساقي، الطبعة الأولى 2007

–       STEVE COLL, The Bin Ladens AN ARABIAN FAMILY IN THE AMERICAN CENTURY, Published by Penguin Books, Mar 31, 2009

–       Meyssan Thierry, 11 Septembre 2001: L’Effroyable Imposture, Published by Editions Carnot, 2002

–       Peter L. Bergen, The Rise and Fall of Osama bin Laden, Publisher: Simon & Schuster, August 3, 2021.

ذات صلة

أفغانستان الجريحة.. عاصفة طالبان التي أطفأت فتيل الحرب وشمعة الحرية
نقد سينمائي

أفغانستان الجريحة.. عاصفة طالبان التي أطفأت فتيل الحرب وشمعة الحرية

بعد انسحاب الروس من أفغانستان وسقوط العاصمة كابول، اختلف الإخوة فيما بينهم على التركة، لتظهر حركة طالبان المدعومة باكستانيا فتسيطر على المشهد وتغير نمط الحياة، فتقتل الرئيس الشيوعي نجيب الله، وربما أحمد شاه مسعود، ولتبدأ جولة الصراع مع الغرب.