بورتريه

أليخاندرو غونزالس.. مخرج استثنائي على رأس لجنة تحكيم “كان”

محمد علال

في رصيد أليخاندرو خمس جوائز أوسكار و118 جائزة عالمية من أصل 155 ترشيحا دوليا

ظلّ النجم الأمريكي ليناردو دي كابريو مدة 26 عاما وهو يعاني نوعا من حُرقة في القلب لفشله طيلة تلك الفترة في أن يحصل على جائزة أوسكار، هكذا تُشير كل التقارير الإخبارية والتسريبات القادمة من هوليود، وذلك حين الحديث عن حكاية الابن المدلل الذي شارك في أعمال هامة أبرزها “تايتنك” عام 1996، وهو شاب لم يتجاوز الـ22 عاما.

في تسعينيات القرن الماضي توقع الجميع أن يحصل دي كابريو جائزة أوسكار أفضل ممثل، وذلك لما حققه من نجاح منقطع النظير عن تجسيده شخصية جاك، لكن أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة لم تحقق حلم النجم الأمريكي الأشقر، مما دفع المليونير الماليزي جو لو إلى إهدائه أحد دروع الأوسكار التاريخية التي اشتراها بسعر خيالي كتذكار، وهو الدرع الذي يعود تاريخه إلى عام 1954، وحاز عليه حينها المخرج لمارلون براندو عن فيلم “الواجهة البحرية” (On the Waterfront).

احتفظ دي كابريو بهذا الدرع التاريخي في خزانة بيته سنوات طويلة، وحاله يشبه حكاية جاك التي جسدها في فيلم “تايتنك”، حيث لا استسلام ولا يأس عندما يتعلق الأمر بأشياء نحبها. لقد ظلّ كل من جاك ودي كابريو يصارعان من أجل أحلامهما الوردية، لكن كل واحد بطريقته، فذلك الشاب العاشق الذي شاهدناه في فيلم “تايتنك” ظلّ وفيا لحبيبته روز (جسدت دورها كيت وينسلت) في رحلة شاقة وسط أمواج البحر، بينما لم يقطع يأس دي كابريو أبدا في حلم الأوسكار.

صورة تجمع المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزالس مع الأمريكي ليناردو دي كابريو

أليخاندرو وعقدة دي كابريو 

رغم أن الفيلم الذي أخرجه جيمس كاميرون سجّل اسمه دي كابريو بأحرف من ذهب في تاريخ السينما الأمريكية، وذلك بتصنيف “تايتنك” في خانة أكثر الأفلام ترشّحا للأوسكار بعد أن تربع على عرش المرتبة الثالثة في قائمة الأفلام الأعلى إيرادات في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية حسب موقع “ذا هوليود ريبورتر”، لكن كل هذا الأمر لم يكن بمثابة إنجاز كبير أمام حلم دي كابريو في أن يوشّح مساره بجائزة أوسكار.

تحولت حكاية دي كابريو مع الأوسكار إلى علامة استفهام كبيرة، فهو الذي شارك لاحقا في عدة أعمال مع مخرجين من العيار الثقيل، لكنه لم يتمكن من الفوز بالأوسكار إلا عام 2016، وذلك بفضل المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزالس إناريتو.

شكلت منحة المكسيكي أليخاندرو لديكابريو تأشيرة المرور إلى حكاية لم تخطر على البال، حيث جاءت بعنوان “العائد” الذي جاء مختلفا في كل شيء، وقد غاص الفيلم بأحداثه الشيقة تفاصيل حكاية تعود إلى عام 1823 على حدود هيو غلاس، لتتبع خطوات ذلك الصيّاد الذي جسّد دوره دي كابريو.

ومع هذا الفيلم نكتشف كيف تحقق أبرز حلم للممثل الأمريكي، ونتقرب أيضا من عبقرية مخرج راهن على نص مارك إل سميث وإيناريتو المقتبس من رواية بالعنوان نفسه لمايكل بنك، ليخرج بأهم فيلم عام 2016، وينتصر لقضيتين أساسيتين شغلتا العالم؛ الأولى تلك التي تعلقت بالأوسكار، والثانية ظاهرة الاحتباس الحراري التي كانت محور نقاش سياسي واسع في ذلك الوقت الذي كان فيه ديكابريو من أشد المدافعين عن الطبيعة، وذلك لنشاطه بصفته “رسول السلام” للأمم المتحدة المكلف بالتحركات الأممية لمكافحة الاحتباس الحراري.

 

أليخاندرو.. مخرج استثنائي

اليوم دي كابريو دون شك هو أكثر شخص في هوليود يعرف قيمة المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليس أناريتو الذي تم اختاره رئيسا للجنة تحكيم المسابقة الرسمية للدورة الـ75 لمهرجان كان السينمائي الدولي (من 14 وحتى 25 مايو/أيار الجاري)[i]، والصدفة هذه السنة في مهرجان كان ستجمعهما مجددا لكن بشكل مختلف، حيث سيشارك دي كابريو في المسابقة بفيلم “حدث ذات مرة في هوليود” (Once Upon a Time in Hollywood) للمخرج الأمريكي كوينتن تارانتينو، بينما سيجلس أليخاندرو غونزالس مُحكّما لـ19 فيلما تتنافس على السعفة الذهبية، منها أحدث أفلام دي كابريو.

هكذا تضعنا الدورة الـ72 لمهرجان كان أمام هذا اللقاء الفريد من نوعه بين دي كابريو ومخرجه الاستثنائي. وعندما نقول إن المخرج المكسيكي يستحق صفة الاستثنائي فذلك ليس من باب الفراغ، فعلاقة هذا الأخير مع النجوم والمهرجان -كما تشير سيرته الذاتية- استثنائية فعلا في كل شيء، فتجاربه السينمائية والتتويجات التي حاز عليها تجعل منه رجلا على ذلك النحو، حتى تسريحة شعره التي تمنح ملامحه اللاتينية لمسة ساحرة تميز صورته عن باقي المخرجين.

لقد نجح غونزالس في تحقيق عدد هام من الإنجازات التي تُصنف في خانة الانفراد، فهو المنفرد بكونه أول مخرج من أصل مكسيكي يترأس لجنة تحكيم كان، وهو أول من فاز بجائزة أوسكار مرتين على التوالي، وهو أول مخرج من أصل مكسيكي يخطف تلك الجائزة، قبل أن يتوج بها لاحقا كل من المخرج المكسيكي جييرمو ديل تورو الذي حاز عليها عام 2017 عن فيلمه “شكل الماء”، والمخرج ألفونسو كوارون الذي حاز عليها مرتين عام 2013 عن فيلم “غرافيتي”، وعام 2018 عن فيلم “روما”.

نجح غونزالس في تحقيق عدد هام من الإنجازات التي تُصنف في خانة الانفراد، فهو المنفرد بكونه أول مخرج من أصل مكسيكي يترأس لجنة تحكيم كان

رصيد حافل بالجوائز

في رصيد أليخاندرو (55 سنة) خمس جوائز أوسكار و118 جائزة عالمية من أصل 155 ترشيحا دوليا، وفي رصيده ستة أفلام هامة هي “أموريس بيروس” و”21 غراما”، وأكثرها تميزا على الإطلاق فيلم “بابل” الذي أخرجه عام 2006، وهو العمل الذي صنفه في خانة أول مخرج مكسيكي المولد يفوز بجائزة أفضل إخراج في مهرجان كان السينمائي.

لا يمكن اليوم الحديث عن مسار المخرج دون الإشارة إلى اثنين من الأفلام الهامة التي أخرجها، وهما فيلم “بيردمان” عام 2014، والذي تحول إلى ظاهرة حقيقية وحقق نجاحات تجارية ونقدية وصُنّف في خانة أفضل أفلام عام 2014، وفيلم “العائد” الذي كان محطة هامة في مساره المهني ومسار دي كابريو. وتعكس هذه الأفلام كيف أن أفلام المخرج المكسيكي تعرف جيدا كيف تجمع بين النجاح النقدي والتجاري وحصد أهم الجوائز.

 

رحلة إصرار على النجاح

ولد أليخاندرو غونزالس إناريتو في 15 أغسطس/آب 1963 بالعاصمة مكسيكو، وحكايته من النجومية تشبه أيضا قصة العشرات من الأمريكيين الذين فرّوا بأحلامهم إلى أوروبا. لقد كان أليخاندرو أول من آمن بموهبته عندما قرر ركوب باخرة كانت تحمل البضائع نحو القارة العجوز.

لم يكن أليخاندرو قد تجاوز الـ17 حين خاض أول تجربة هجرة، وقد أراد أن يجعل من الهجرة بوابة ليفجر من خلالها موهبته كمخرج ومنتج وكاتب وموسيقي. وبين المكسيك ورحلاته إلى أوروبا وأفريقيا صقل موهبته أكثر وأكثر.

الحديث عن السيرة الذاتية للمخرج الذي سيترأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية لكان، يأخذنا إلى تفكيك ملامح رجل كافح كثيرا، وعمل مذيعا في بداية مشواره المهني عام 1984 بمحطة راديو “دابليو إف أم” بالمكسيك، ثم عاد إليها بعد رحلته إلى أوروبا للدراسة، ويأخذنا لقراءة ملامح الإصرار على النجاح، وكيف تكون البدايات مختلفة وعلى عكس المتوقع.

فأليخاندرو فتح أبوب عالم الإخراج من عالم الموسيقى عندما كتب موسيقى ستة أفلام مكسيكية، هكذا تشكلت ملامح المخرج العالمي عبر الموسيقى كأنها لحن جميل كتبه الإصرار والسفر، وجمعه بالنجوم وحقائب السفر، وهو ما تعكسه معظم أفلامه التي تتناول المدن التي زارها عندما كان مراهقا.

 

[i] تضم لجنة التحكيم الممثلة الأمريكية إيلي فانينغن، ومواطنتها المخرجة والمؤلفة كيلي ريتشاردت، ومن بوركينا فاسو الممثلة والمنتجة ميمونة ندياي، فضلاً عن المخرجة الإيطالية أليس روهواخير. وتشمل أيضاً المؤلف والمخرج الفرنسي إنكي بلال، ومواطنه المخرج والكاتب روبن كامبيو، إضافة إلى المخرج والسيناريست اليوناني يورجوس لانثيموس، وزميله البولندي باوي بوليكوفسكي.