بورتريه

"أمير الرحالة".. رحلة ابن بطوطة التي جابت أرجاء العالم القديم

 

خاص-الوثائقية

"جزمتُ نفسي على هجر الأحباب من الإناث والذكور، وفارقتُ وطني مفارقة الطيور للوكور".. رحلة في أرجاء العالم في القرن الثامن الهجري- الرابع عشر الميلادي، لم يكن في حسبان ابن بطوطة في بدايتها أنه سيرسم للأجيال من بعده صورة صادقة عن العالم الإسلامي في عصره.

يعرض فيلم "ابن بطوطة.. أمير الرحّالة" -الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية ضمن سلسلة "العلماء المسلمون"- حياة ابن بطوطة ورحلاته التي جابت شرق المعمورة وغربها بشكل لم يسبقه إليه أحد، وربما لم يصل إليه أحد من بعده.

 

وُلد محمد بن عبد الله اللواتي الشهير بابن بطوطة في مدينة طنجة شمالي المغرب، في العام الهجري 703، الموافق لعام 1304 من الميلاد. وقد جمعت تربيته بين الثقافتين الأمازيغية والإسلامية، فقد تعلم في الكُتّاب القرآن وعلوم الشريعة من التفسير والحديث، كما اكتسب كثيرا من المعارف الأخرى في رحلة حجه التي استمرت لسنوات.

ويرجع عشقه للسفر منذ الصغر إلى شغفه بأخبار البلدان ومعالمها، وما وصلت إليه من كتب راجت بين العرب آنذاك، مثل "المسالك والممالك" لابن خردذبه، و"مسالك الممالك" للاصطخري. ويصف ابن بطوطة شوقه للسفر في قوله: كانت تراودني أطياف لأمصار شتى من وحي الكتب، بيد أن رحلة أسمى كانت هي الأقرب إلى ذهني، فكانت وجهتي في البدء صوب قبلة تهفو إليها القلوب.

"تكون وفاتي على الطريق وأنا قاصد أرض الحجاز"

بدأت رحلة حج ابن بطوطة في عام 1325م وكان عمره آنذاك 21 عاما، ويرى أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة حسين نصار أن هذه الرحلة لم تكن بقصد الحج فقط، وإنما بقصد التعلم أيضا، فقد بحث عن العلماء وأخذ عنهم.

ولم تكن رحلة ابن بطوطة الأولى سهلة أبدا، إذ يقول عنها: أصابتني الحمى، فكنت أشد نفسي بعمامة فوق السرج خشية السقوط بسبب الضعف، فنصحني صاحبي بأن أستريح حتى أبرأ، فأبيت وركبت الدابة على مرض، وقلت في نفسي: إن قضى الله عز وجل بالموت، فتكون وفاتي على الطريق وأنا قاصد أرض الحجاز.

سحر دمشق تجلى لابن بطوطة حيث التسامح والتنوع في الأوقاف التي فاض ريعها لتتكفل بنفقات العاجزين عن الحج

 

ويصف أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة عصام الدسوقي رحلات ابن بطوطة في سنّه الصغيرة بشد الرحال إلى المجهول، خصوصا وقد جال الأرض المعمورة كلها تقريبا، ويُرجع الدكتور حسين نصار ذلك إلى طموحه وصبره الكبيرين، ويضيف أستاذ التاريخ عبد الكريم مدون أن ابن بطوطة سعى في رحلاته إلى تحدي الصعاب وتحقيق الغاية التي خرج من أجلها، وهي التكوين والبحث في خلفيات الشريعة الإسلامية، وزيارة جميع المناطق التي وصلها الإسلام.

مدائن النيل.. رحلات حول أم البلاد العربية

تكاد تتلخص جولات "ابن بطوطة" في ثلاث رحلات يقول عنها: "رحلات ثلاث؛ بدأت أولاها من طنجة حتى الإسكندرية، ومنها إلى دمياط فالقاهرة، ثم تابعت سفري في النيل إلى أسوان فعباب على البحر الأحمر، ومنها أبحرت إلى جدة، ثم عدت إلى القاهرة فدمشق عبر فلسطين، ثم سرت إلى اللاذقية فحلب، واتجهت مع قافلة حجاج إلى مكة، ثم توجهت بعد ذلك إلى العراق، ثم فارس، وحججت للمرة الثانية، ثم انطلقت من مكة إلى اليمن فالبحرين، ومنها إلى مكة، ثم وصلت إلى مصر، وهي أم البلاد.

ويضيف "ابن بطوطة" عن الأهرامات قائلا: هذه الأهرامات من العجائب المذكورة على مر الدهور، وهي بناء بالحجر الصُلب المنحوت متناهي السمو، مستدير متسع الأسفل، ضيق الأعلى كالشكل المخروط، ولا أبواب لها، ولا تُعلم كيفية بنائها.

مصر كانت أكثر البلدان التي استرعت انتباه ابن بطوطة لكثرة البشر والمعالم الأثرية فيها

 

ويعلق الدكتور عبد الكريم مدون على ذلك بأن ابن بطوطة خص مصر في حديثه بوصف خاص لجميع مدنها من الإسكندرية إلى الصعيد. ويلفت أستاذ التاريخ بجامعة الزقازيق حاتم الطحاوي إلى أن المباني الكثيرة والأعداد الكبيرة للبشر والزحام الشديد في مصر استرعى انتباه ابن بطوطة، بعد أن مرّ على مدن بسيطة على ساحل شمال أفريقيا قبل أن يصل إلى مدن كبيرة بحجم الإسكندرية والقاهرة.

وقد أشار ابن بطوطة إلى فضائل أهل مكة، فوصفهم بأنهم "أصحاب المكارم التامة، والأخلاق الحسنة، والإيثار للضعفاء والمنقطعين، وحسن الجوار للغرباء".

من إندونيسيا إلى الأندلس.. رحلة طبقت أرجاء العالم القديم

يقول الرحّالة ابن بطوطة: أما الرحلة الثانية؛ فكانت باتجاه الشمال، حيث زرت الشام، ثم دخلت آسيا الصغرى، وبلغت سينوبة على البحر الأحمر، ثم عبرتها إلى جزيرة القرم، وزرت جنوب روسيا قبل أن أنتقل إلى أرض البلغار، ومنها عدت إلى فارس، ودخلت أرض الهند.

ويوضح الباحث السوري في تاريخ الحضارات محمد قجّة أن ابن بطوطة أقام في أكثر من مدينة بالهند، وتزوج من أهلها، وتولى القضاء لمدة عشر سنوات، وتحدث عن عادات وتقاليد أهلها من مسلمين وغيرهم في الأفراح والأتراح، والبهارات الحارة التي تستعمل في الأطعمة الهندية.

لكثرة أسفاره، تزوج ابن بطوطة من نساء كثيرات حول العالم فكثر بذلك نسله

 

ويتابع ابن بطوطة في وصف رحلاته، فيقول: ثم زرت كلا من سيلان وإندونيسيا وكانتون في الصين، وعدت من سومطرة إلى ظفار بحرا، وانتقلت برا إلى فلسطين، ثم رحلت باتجاه بلادي عبر مصر فتونس، وفي طريقي زرت سردين بحرا، وخلال زيارتي لفاس عبرت مضيق جبل طارق وزرت الأندلس.

وعن دمشق يقول ابن بطوطة: تجلى لعيني سحر دمشق في ذلك الجو السائد من التسامح والتنوع في الأوقاف التي فاض ريعها لتتكفل بنفقات العاجزين عن الحج، أو الحاجين نيابة عنهم، فضلا عن أكواب زفاف العرائس، حتى السجناء جعلوا لفك رقابهم أوقافا، كما حظي عابرو السبيل بنصيبهم من هذه الأوقاف؛ ما بين ضيافة من ناحية، وتعبيد للطرق ورصفها من ناحية أخرى.

"تلك كانت رحلتي الثالثة".. حلم أفريقي قطعه السلطان

أما عن رحلته الثالثة، فيقول ابن بطوطة: كم كانت مغامرة شاقة حين توغلت في أعماق أفريقيا، واصلت سيري حتى مالي، ثم عدت أدراجي حتى انتهي بي المطاف عند بلاد الفرس؛ تلك كانت رحلتي الثالثة.

أوصاف دقيقة لمشاهدات غريبة حول العالم وثقها ابن بطوطة في كتابه "تحفة النظار"

 

ويعلق الدكتور عبد الكريم مدون على ذلك بأن ابن بطوطة توجه في رحلته الثالثة بشكل أعمق نحو السودان الغربي، حيث تمبكتو في مالي، ووصل إلى نهر النيجر، قبل أن يُستدعى من قِبل السلطان ويعود إلى المغرب، حيث بدأ يروي كتابه عن تلك الأسفار.

وقد كانت لابن بطوطة ذاكرة فوتوغرافية تُحسن التقاط البلدان، وتُسجّل الأحداث والغرائب، وبدا ذلك في استحضار تلك الصور والمواقف حين كان يقصها على المهتمين من حوله.

أبو التاريخ.. غوص في عوالم الجغرافيا وغرائب الشعوب

يُشبّه أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة عصام الدسوقي ابن بطوطة بأبي التاريخ هيرودوت في تسجيله للمشاهدات خصوصا الغريب منها. ويرى الدكتور حاتم الطحاوي أن ابن بطوطة لم يكتفِ فقط بوصف الأماكن من الناحية الجغرافية، وإنما أضاف إلى وصفه الجغرافي وصفا سياسيا واقتصاديا وثقافيا، كما ذكر كثيرا من عادات الشعوب.

لكن أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة حسين نصار يرى أن أهم ما كان يستوقف ابن بطوطة هو مقابلة الناس خصوصا الصالحين والعلماء، وكذلك غرائب الشعوب كعمامة كبيرة لقاض، أو نساء عرايا في جزر المالديف.

كُتب المؤرخين السابقين كانت ملهما لابن بطوطة في السير في رحلاته واستكشاف العوالم

 

ومما يُؤخذ على ابن بطوطة تصديقه أمورا تُحكى له وتبدو غريبة، كأن يقول له أحدهم إنه رأى سمكة على شكل عروس، لكن الدكتور حاتم الطحاوي يرى أن من الواجب عند قراءة ما كتبه رحالة من العصور السابقة أن نعيش هذا العصر أولا، وأن نقدم العذر لمن يكتب غرائب لا يمكن لمنطقنا الحالي أن يصدقها، لكنها كانت في وقتها إما شيئا حقيقيا أو مسليا أو أنها تجمع بينهما، معتبرا أن الرحالة يرى أن مهمته هو تسجيل هذه الغرائب.

بلاد الإسلام.. باب مفتوح من الشرق إلى الغرب

قدّمت رحلات "ابن بطوطة" معلومات في الجغرافيا والثقافة والفكر والفن، وكأنه يقول إن العالم الإسلامي تجمعه ثقافة وفكر واحد، ويمكن أن يعود لوحدته المفقودة.

ويرى الدكتور قاسم عبده قاسم أن رحلة ابن بطوطة تؤكد وحدة العالم الإسلامي، بالمساجد الجامعة في مدنه، وفرص العمل المتاحة للجميع في القضاء والعلم والفقه، وحلقات الدرس في كافة العلوم. بينما يُشير الدكتور حاتم الطحاوي إلى أن هذه الرحلات تجمع خريطة العالم الإسلامي كله؛ سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعادات وتقاليد وغيرها.

ويلفت الباحث في تاريخ الحضارات محمد قجّة إلى أن الطريف في الأمر أن لم يسأل أحد ابن بطوطة إلى أين تذهب، وبالطبع لم يطلبوا منه تأشيرات أو يسألوه عن جواز السفر، فهذه البلاد كلها كانت تحت مظلة حضارية واحدة، أو بلاد صديقة لهذه المظلة الحضارية.

جاب ابن بطوطة العالم راكبا أو ماشيا حتى غطى الممالك كلها

 

ويُعقّب أستاذ التاريخ بجامعة الزقازيق قاسم عبده قاسم قائلا إنه لم يكن هناك في ذلك الوقت حديث عن مصريين وشوام وهنود وغير ذلك، بل حديث عن عالم إسلامي متحد ثقافيا وحضاريا بغض النظر عن التقسيمات السياسية.

أما عن تمويل رحلاته، فيقول أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة حسين نصار إن ابن بطوطة ذكر صراحة في كتاباته أن فلانا أعطاه مالا، وفلانا أنزله في بيته أياما، فضلا عن الأمراء والملوك الذين استضافوه مددا طويلة، كما عيّنه بعضهم في وظائف.

وعن كيفية تواصله مع شعوب العالم، يقول الدكتور قاسم عبده قاسم إن العالم كان يتحدث العربية، كما كانت لغة التجارة.

"أعانني على الترحال بدنٌ قوي".. صعوبات الرحلة

لم تكن رحلات ابن بطوطة كلها سهلة يسيرة، لكنه يذكر ما ساعده على إتمامها في قوله: أعانني على الترحال بدنٌ قوي يتحمل المتاعب ويقاوم الأمراض بصورة تدعو إلى العجب، كنت آكل كل طعام عدا المحرّمات، لم أشكو سوء هضم إلا مرة وحيدة، كنت لا أتخيّر طعاما، بل آكل ما أجد، وربما كنت أصوم عن الطعام أياما حتى يصح بدني إذا ما ألمّ به سُقم.

خاض ابن بطوطة ألوانا من الأخطار في أسفاره المتعددة، فقد تعرّض للهجوم خلالها أكثر من مرة، وتارة كاد يغرق مع السفينة التي كانت تحمله، وأخرى كان على شفا حفرة من الإعدام على يد أحد الطغاة. وكما تعدد سفره، فقد تعدد كذلك زواجه، وكثر نسله وأبناؤه.

الملوك والأمراء والأغنياء كانوا يستضيفون ابن بطوطة لما له من علم وتجربة

 

وبعد انتهاء ابن بطوطة من كتاب "الرحلات"، وبعد تقدّمه في السن، حطّ رحاله أخيرا ليشتغل بالقضاء، وكأنه أراد أن يُطبّق على أرض الواقع حصيلة ما اكتسبه من حكمة وتجارب على مدى الرحلة الطويلة.

ويُوضح الدكتور حسين نصار أن ابن بطوطة تولى القضاء أيضا أثناء رحلاته، فقد ظل قاضيا في الهند مدة عشر سنين، قبل أن يُرسله السلطان سفيرا له إلى الصين التي اشتغل فيها قاضيا أيضا، وكان موضع احترام كبير جدا.

"كاد الناس أن يُحرموا تفاصيل هذه المغامرة".. رحلة التأليف

من جميل ما بقي من رحلات ابن بطوطة كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، الذي يقول عنه: ولولا إلحاح من المحيطين بي، ولولا طلب سلطان بلادي أبي عفان فارس المتوكل بتدوين هذه الرحلات، لكاد الناس أن يُحرموا تفاصيل هذه المغامرة الطويلة.

ولقي الكتاب فيما بعد حظوة لدى الغرب وشهرة، وذلك حين ازداد التواصل مع أوروبا، إذ تُرجم إلى الإنجليزية والفرنسية ولغات أوروبية أخرى، كما لقي تقديرا من قِبل الباحثين الأوروبيين باعتباره وثيقة مهمة.

ترجم كتاب "تحفة النظار" إلى عدد من اللغات الحية العالمية لما فيه من دقيق وصف لعادات الشعوب وثقافتهم

 

وقد لقّبت جامعة كامبريدج البريطانية ابن بطوطة بأمير الرّحالة العرب المسلمين، ويُقدّر البعض المسافات التي قطعها ابن بطوطة بحوالي 220 ألف كيلومتر.

وعند مقارنة ما قام به الرّحالة "ماركو بولو" برحلات ابن بطوطة، نجد أن رحلات ابن بطوطة أعرض زمانيا ومكانيا وتبلغ ثلاثة أضعاف رحلات "ماركو بولو" الذي تحرك في آسيا فقط تقريبا على عكس ابن بطوطة الذي زار أفريقيا والشام والجزيرة العربية وآسيا ووصل إلى أوروبا، كما أنها تضمنت معلومات أكثر نتيجة فهمه للثقافات.

وبعد رحلة طويلة عريضة جاب خلالها أرجاء المعمورة، تُوفي ابن بطوطة عام 779 هجريا الموافق لعام 1377 ميلاديا.. تتوقف الراحلة عن المسير والمزيد، بينما لم تتوقف رحلة عطاء ابن بطوطة من بعده، متمثلة في كل حرف يُقرأ عن مصر من الأمصار في "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" لصاحب أطول أسفار في العالم.

ويبقى السؤال: تُرى، لو أدرك ابن بطوطة عصرنا، هل كان ليتأخر لحظة في القيام برحلة إلى القمر؟

ذات صلة