بورتريه

أم كلثوم.. عن جبروتها في مواجهة الكبار

أسامة صفار

تعود قصة حصول أم كلثوم على لقب الأميرات إلى عام 1944

إذا كان عبد الحليم حافظ هو “الطفل المدلل لثورة يوليو” وحكوماتها المتعاقبة، فإن أم كلثوم هي “صاحبة العصمة” التي لا تُردّ كلمتها، ولا يستطيع أي مطرب التجاوز معها أبدا، وحين حدث ذلك من “طفل الثورة المدلل” تقرر حرمانه من الغناء أمام عبد الناصر لثلاث سنوات، حتى اضطر لتقبيل يد الست “اعتذارا”.

لهذه الدرجة بلغ جبروت الست وقوتها وشراستها في مواجهة الكبار، بدءا من عبد الوهاب والعندليب وحتى فريد الأطرش وبليغ حمدي، حيث لم تُهزم إلا في معركة واحدة خارج الفن، وهي المواجهة التي افتعلتها زوجة الرئيس السادات لتصبح السيدة الوحيدة في المجال العام بمصر، ولعل تلك الهزيمة هي إشارة نهاية صاحبة العصمة بعد حياة ومعارك كانت خلالها هي الأقوى دائما، لكن تلك القوة لم تكن وليدة تحولات الثورة، وإنما وليدة قدرة مدهشة على إدارة الحياة لطفلة الريف البعيد التي حملت لقب الأميرات والملكات فقط، وهو صاحبة العصمة.

 

لقب “الأميرات” و”صاحبة العصمة”

تعود قصة حصول أم كلثوم على لقب الأميرات إلى عام 1944، ففي حفل رمضاني ساهر بالنادي الأهلي المصري كانت أم كلثوم تختتم أغنية “حبيبي يسعد أوقاته”، وإذا بالملك فاروق يفاجئ الحفل بحضوره إلى النادي الأهلي، وبسرعة بديهتها المعروفة عندما وصلت إلى المقطع الأخير غيّرت في كلمات الأغنية قائلة:
“يا نيلنا ميّتك سكر
وزرعك في الغيطان نوّر
يعيش فاروق ويتهنّى
ونحيي له ليالي العيد”.

وبعد انتهاء الغناء استدعاها الملك وصافحها وأنعم عليها بنيشان الكمال الذي كان مقتصرا على الأميرات، ولقب صاحبة العصمة.

لم يفارق اللقب أم كلثوم من يومها حتى رحيلها، ليس فقط لعلاقتها القوية دائما بالسلطة، لكن بسبب علاقة أخرى، فلم يعرف التاريخ سوى مطربة واحدة اختصرت مشاعر أمة من خليجها إلى محيطها بصوتها، وتجاوزت حاجز الزمن وغالبت الموت، فلما غلبها اصطحبت القمة معها إلى مدفنها، فلم يتسلم راية الطرب العربي أحد منذ رحيلها في فبراير/شباط عام 1975.

 

ابنة منشد الحفلات

ولدت أم كلثوم -أو “فاطمة”- لأسرة بسيطة الحال في قرية ريفية تسمى طماي الزهايرة في مركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية الخديوية المصرية. كان والدها الشيخ إبراهيم إمام ومؤذن لمسجد في القرية، ووالدتها فاطمة المليجي تعمل ربّة منزل.

تضاربت مصادر تاريخ ميلادها الدقيق، فبعض المصادر تشير إلى أن تاريخ ميلادها يعود لتاريخ 30 ديسمبر/كانون الأول 1898، ومصادر أخرى ترجح أن ميلادها يرجع لتاريخ 4 مايو/أيار 1908، وهو المذكور في سجل مواليد المحافظة.

عاشت العائلة في مسكن صغير مُشيد من طوب طيني، وكانت حالة الدخل المادي للأسرة متواضعة، حيث إن المصدر الرئيسي للدخل هو أبوها الذي يعمل مُنشدا في حفلات الزواج للقرية.

ورغم الحالة المادية الصعبة للأسرة فإن والديها قاما بإلحاقها بكتّاب القرية لتتعلم، فتعلمت الغناء من والدها في سن صغيرة، وبرزت موهبتها المميزة، كما علّمها أيضا تلاوة القرآن، وذكرت أنها قد حفظته عن ظهر قلب، وذات مرة سمعت أباها يُعلم أخاها خالد الغناء حيث كان يصطحبه ليغني معه في الاحتفالات، فتعلمت وانبهر والدها من قوة نبرتها، فطلب منها أن تنضم معه لدروس الغناء، وبدأت الغناء وهي في الثانية عشرة من عمرها، وذلك بعدما كان يصحبها والدها للحفلات لتغني معه، وكانت تغني وهي تلبس العقال وملابس الأولاد الذكور.

أولى معارك أم كلثوم المبكرة هي تلك التي خاضتها ضدها في البداية المطربة منيرة المهدية

أظافر جارحة مع المنافسين

ومع انتقالها للقاهرة بشكل نهائي عام 1921 بدأت أم كلثوم رحلة البناء والتعلم الذاتي، فتمكنت من الموسيقى على أيدي كبار الموسيقيين، ومن اللغة العربية على أيدي أشهر الشعراء، واستكملت أدواتها بقدرة مدهشة على التميز وقوة شخصية لا تتكرر كثيرا، لكن ما لم يتوقعه عشاقها هي تلك الأظافر الجارحة والقدرة على خوض الحروب مع منافسيها لدرجة الإجهاز عليهم ببساطة.

ولعل أولى معاركها المبكرة هي تلك التي خاضتها ضدها في البداية المطربة منيرة المهدية التي ذاع صيتها في مصر كلها في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين، حيث سيطرت على سوق الغناء والأداء التمثيلي، والتي رأت في شهرة أم كلثوم تهديدا لمكانتها فاتفقت مع بعض الصحفيين المأجورين على تشويه سمعتها عبر تلفيق قصة عن تعرضها للاغتصاب وتخلي والدها عنها.

لكن المؤامرة فُضحت وتم الصلح في “العوامة النيلية” لمنيرة المهدية، وفي الجلسة قدمت منيرة لضيوفها مشروبات، لكن أم كلثوم رفضت الاقتراب منها، وبالتالي فهمت صاحبة البيت السبب فتذوقت ما قدمته لضيفتها حتى تطمئن إلى أنها لم تقدم لها شرابا مسموما، واستطاعت أم كلثوم أن تأخذ منها الملحنين الكبيرين القصبجي والسنباطي بسهولة.

اشتعلت المنافسة بين أم كلثوم وعبد الوهاب عام 1927، وذلك لأنه المنافس الوحيد لها

كوكب الشرق وموسيقار الأجيال.. حرب باردة

اشتعلت المنافسة بين أم كلثوم وعبد الوهاب عام 1927، وذلك لأنه المنافس الوحيد لها، حيث كان يُحيي حفلا كل أسبوع وكذلك هي، ورغم لقاءاتهما الودية في منزل الموسيقار أبو بكر خيرت وغنائهما معا ديالوغ من أوبريت “العشرة الطيبة” (كلمات بديع خيري وألحان فنان الشعب سيد درويش)، فإن “الست” استخدمت جميع أسلحتها لخطف الأغاني من عبد الوهاب لتبقى هي في القمة.

وعندما كتب شاعر الشباب أحمد رامي أغنية “سهران لوحدي” خصيصا لمحمد عبد الوهاب ولحّن جزءا كبيرا منها، ضغطت أم كلثوم على الشاعر ليمنعها عن عبد الوهاب وتغنيها هي، فما كان من الشاعر إلا أن رضخ للست بأمر الحب، فمنع الأغنية عن صديقه وأعطاها لأم كلثوم التي كلّفت رياض السنباطي بتلحينها.

كما لحن موسيقار الأجيال “طقطوقة” تقول كلماتها:

قال إيه حلف ما يكلمنيش
ده بس كلام والفعل مافيش”.

وطلب من الست غناءها لكنها رفضت، وقدمت مذهبها للموسيقار محمد القصبجي ولحنها وسجلتها.

استمرت المنافسة أو الحرب بين كوكب الشرق وموسيقار الأجيال حتى قبل ثورة يوليو/تموز 1952 بـثلاثة أعوام، وذات مرة أثناء احتفالات الدولة بأعياد 23 يوليو/تموز تصادف وجود عبد الوهاب مع أم كلثوم أثناء تحية الزعيم جمال عبد الناصر، وبمجرد أن شاهدهما الزعيم قال لهما “لن أغفر لكما عدم اشتراككما في عمل فني واحد”، وجاء التعاون الكبير بينهما عام 1964 في أغنية “أنت عمري” كلمات أحمد شفيق كامل، والتي كان من المفترض أن يغنيها عبد الوهاب لكنه أعطاها للست، فيما توقف عبد الوهاب عن الغناء وترك الساحة لها، لكنه دعم عبد الحليم حافظ.

كان يدرك عبد الحليم حافظ أن ثمّة مسافة بينه وبين أم كلثوم، وحين نسي تلك المسافة اضطرته لتقبيل يدها اعتذارا

العندليب يقبل يدها اعتذارا

كان عبد الحليم حافظ “غيورا” ومقاتلا لا يقل شراسة عن أم كلثوم للحفاظ على مكانته، لكنه كان يدرك أن ثمّة مسافة بينهما دائما، وحين نسي تلك المسافة اضطرته لتقبيل يدها اعتذارا.

وكان الخلاف قد نشأ عام 1954 في حفل عيد الثورة، حيث كان مقررا أن تغني لفترة محددة ثم يليها عبد الحليم، ويومها ظلت أم كلثوم على المسرح تُغني للجمهور لوقت أطول من المُحدد لها، وهو الأمر الذي أثار غضب العندليب فقال بعد أن صعد على خشبة المسرح “طبعا منتهى الجرأة إن واحد يغني بعد أم كلثوم أو يختم حفلة غنّت فيها أم كلثوم، وخصوصا بعدما غنّت اللحن العظيم أنت عمري، أنا لا أعرف لماذا أصرّ عبد الوهاب والست أم كلثوم أن أختم الحفلة أنا، هل هو شرف كبير أم مقلب؟.

وأثارت كلمات عبد الحليم غضب صاحبة العصمة، فنشب على أثره خلاف بينهما بعدما رفض الاعتذار لها، وحُرم عبد الحليم من الغناء في أعياد الثورة لمدة ثلاث سنوات، ويُقال إن هذا الخلاف انتهى بعد نكسة 1967، وذلك عندما تحدث حليم مع أم كلثوم لإنهائه والاجتماع على مصلحة مصر، والتقيا فيما بعد في حفل خطبة ابنة الرئيس الراحل أنور السادات في 1970، وذهب إليها عبد الحليم وقبّل يدها ومازحته وقتها بقولها “أنت عقلت ولا لسه؟”.

تساءل فريد الأطرش بمرارة عن الأسباب التي تمنع أم كلثوم من غناء ألحانه

رفض متكرر لفريد بسبب أسمهان

تساءل فريد الأطرش بمرارة عن الأسباب التي تمنع أم كلثوم من غناء ألحانه، سواء عبر برامج تلفزيونية أو صحف مكتوبة. وحين قبلت أخيرا أن تغني له وكلفته بلحن، عادت بعد عام ونصف ورفضت اللحن، وكانت قصيدة للأخطل الصغير بشارة الخوري. ومرة أخرى عندما كلفته بأغنية عاطفية فلحن لها أغنيته الشهيرة “الربيع” ورفضتها أيضا، فتأكد فريد أنها لن تغني له، ولم يتوقف عن السؤال: لماذا؟

الأزمة الكبرى بالنسبة لفريد أن الست تعاملت مع ملحنين من جميع المستويات والأجيال، بدءا من الأربعة الكبار؛ رياض السنباطي ومحمد القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب، وصولا إلى ملحنين من مستويات متباينة أمثال صبري النجريدي ومحمود الشريف وبليغ حمدي وكمال الطويل وسيد مكاوي، ومن جميع معاصريها من الكبار لم يُستثنَ من دخول نادي ملحني السيدة أم كلثوم إلا هو.

كان أول مشروع للتعاون بين الطرفين في الأربعينيات، وذلك عندما عرض فريد والشاعر مأمون الشناوي على السيدة أم كلثوم أغنية “الربيع”، فأبدت اعتراضا على بعض الكلمات وطالبت بتغييرها. وقد رجح مأمون الشناوي بعد رحيل الطرفين أن يكون للست رأي آخر في اللحن الذي لم تشأ أن تبديه لفريد تأدبا منها أو تجنبا للإحراج. ومن غريب الصدف أن مأمون الشناوي ذكر أن أغنية “أول همسة” قام فريد بعرضها بداية على أم كلثوم قبل أن ترفضها بأدب ثم يغنيها.

وكان فريد يكاد يجن حين يذكر أن ملحنين مثل كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي كانوا في سن الطفولة حين كان فريد ملحنا ومطربا معروفا، وأدلى فريد بتصريح للإذاعة السورية في سنة 1973 قال فيه “إن أم كلثوم تكرهه وترفض الغناء من ألحانه للغيرة القديمة من أسمهان.

كان ظهور وردة الجزائرية في حياة بليغ حمدي يمثل لأم كلثوم "كابوسا"

بليغ حمدي وكابوس وردة

ساهمت ألحان بليغ حمدي في تجديد دم وحياة أم كلثوم المطربة دون شك، وحولتها إلى مطربة أخرى غير التي عرفها الناس من قبل، وكانت الست تدرك حجم وأهمية ذاك الشاب المعجزة حينها، والذي أتى ومعه شعراؤه مثل عبد الوهاب محمد ومأمون الشناوي، والذين جددوا دم أم كلثوم بعيدا عن ألحان السنباطي والشيخ زكريا وكلمات بيرم، فكانت فترة الستينيات منذ بدايتها وحتى وفاة أم كلثوم في فبراير/شباط 1975 هي فترة بليغ حمدي والملحنين والشعراء الجدد.

وكان ظهور وردة الجزائرية في حياة بليغ يمثل لأم كلثوم “كابوسا”، فكانت أغنية “حكم علينا الهوى” هي التعاون الأخير بينهما، حيث سجلتها ولم تغنها على المسرح، وأسرّت حينها للأصدقاء أن بليغ مشغول بوردة، لذلك لم تعد ألحانه مميزة كما كانت من قبل في أغنيات مثل “سيرة الحب” و”فات الميعاد” و”حب إيه” وغيرها.