بورتريه

أنا.. عمّار الشريعي

عمّار الشريعي

بقلم: فاطمة نبيل

لم يتخيل والدي “علي محمد إبراهيم علي الشريعي” أن ابنه الخامس “عمّار” المولود في 16 إبريل 1948، والذي جاء العالم كفيفا سيصبح موسيقارا ملء السمع والبصر.

أراد أن أصبح قويا قادرا على الاعتماد على نفسي دون معاونة، فألحقني بمدرسة داخلية تدعى “المركز النموذجي لرعاية وتوجيه المكفوفين”.

“إذا تركته في المنزل سينشأ مدللا” هكذا قال الأب الذي أراد لابنه أن ينشأ غير مدلل في عالم لا يعرف إلا أقوياء الإرادة. 

تعلم الصبي الموسيقى في صغره بفضل معلمي مدرسته ثم بفضل والدته التي كانت تحفظ العديد من الأغاني الشعبية الصعيدية، فضلا عن كل إنتاج عصرها كأغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب – والذي كانت تحبه بشكل خاص – ما أثرى الحصيلة الموسيقية لديّ بشكل دفع الأب أن يفكر في يسافر ابنه إلى إيطاليا حيث يمكنه دراسة علوم الموسيقى، لكن الأم تعترض أن يسافر ابنها وحده فيعدل عن الفكرة. 

“كل مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، إن الثورة لا تعرف معنى العجز” كتبها جمال عبد الناصر في مقدمة كتابه الشهير “فلسفة الثورة” حتى يطبع للأطفال المكفوفين بطريقة برايل، فحفظتها طفلا بعد أن عرفت أني ميسر لما خُلقت له .. الموسيقى، ليس عن طريق الغناء – الذي أنا أيضا مميز به – لكن عن طريق الألحان.

عمار الشريعي في شبابه

حفلت السينما المصرية على مدار تاريخها بالعديد من الأسماء التي أثرت مجال الموسيقى التصويرية.

بدأ الأمر باستعانة المخرج بالمنتخبات الموسيقية العالمية، لكن سرعان ما برزت العديد من الأسماء التي مزجت الموسيقى الشرقية بالمشاهد السينمائية، بعدما عانى المشاهد طويلا من مشاهد تجمع على سبيل المثال بين ريف مصري ومقطوعة موسيقية من النمسا.

 من بين هذه الأسماء “بهيجة حافظ” صاحبة التجربة النسائية الرائدة والتي قدمت الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام مثل: “السيد البدوي، زُهرة، ليلى البدوية، ليلى بنت الصحراء، الاتهام، الضحايا، زينب”.

أو الجيل التالي الذي ضم أسماء مثل: أندريه رايدر، وفؤاد الظاهري، وعلي إسماعيل.

بلا شك أن اثنين بينهم كان لهما بالغ التأثير عليّ .. الأول هو اليوناني الأصل “أندريه أناجستوس رايدر” الشهير بأندريه رايدر، والمولود في 10 أغسطس 1908، والذي قدم الموسيقى التصويرية والألحان لحوالي 61 فيلما من أشهرها: نهر الحب، واللقاء الثاني، وأغلى من حياتي، والنظارة السوداء، وغروب وشروق، وشاطيء الذكريات، والرجل الثاني، والحب الكبير، وحكاية حب، واللص والكلاب، وبين الأطلال، والسراب، وفتى أحلامي، دعاء الكروان والذي أعتبره أفضل موسيقى تصويرية قدمت في السينما المصرية على الإطلاق. 

أما الثاني فهو الموسيقار “فؤاد الظاهري” المولود في 15 أكتوبر 1916 من أصل أرمني واسمه الأصلي “فؤاد جرابيد بانوسيان”. 

التحق الظاهري بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية، وبعد تخرجه عمل أستاذا للكورال بمعهد الفنون المسرحية. 

قدم الظاهري موسيقى تصويرية مميزة لعدد من الأفلام المصرية، من أهمها: صراع في الوادي، والوسادة الخالية، وبداية ونهاية، والقاهرة 30، وشفيقة ومتولي، وإسكندرية ليه!

أعتقد أني قد ظُلمت مرتين في حياتي، الأولى عندما جئت إلى العالم فاقدا البصر لا أعرف من ألوانه إلا الأسود، والثانية عندما تم التعامل معي بالطريقة المعتادة مع المكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة. 

من حيث المبالغة في الإطراء والدعم واعتبار كل ما يقدمونه فلتة قلما جاد بها الزمان، لكني كنت مصرا على أن يتم التعامل معي كموسيقي فحسب لا كموسيقي مكفوف، حينها فقط يمكنني لا أن أرى الألوان فحسب، بل أن أصنعها كذلك. 

ربما اعتيادي من الألوان على الأسود فقط أتاح لي مساحة من الخيال، فراغ سرمدي يمكنني أن أملأه بما أشاء من النغمات، فأقدم الموسيقى التصويرية لأفلام سينمائية تعتمد في المقام الأول على الرؤية.

“بيشوف يا شوشو”  هكذا وصفني المخرج حسين كمال عند عملنا معا في فيلم “أرجوك أعطني هذا الدواء” عام 1984 للمونتيرة الشهيرة “رشيدة عبد السلام”، متعجبا من مهارتي الشديدة على تحقيق توافق موسيقي مع مشهد من الفيلم الذي لا أراه بالطبع. 

“إزاي تشوف الموسيقى” الجملة التي اخترتها كشعار لبرنامجي “سهرة شريعي” والذي قدمته لسنوات على شاشة قناة دريم، بعد سنوات عديدة قضيتها أخاطب المستمعين عبر الراديو في برنامج “غواص في بحر النغم” أحلل الموسيقى،  وأناقش النغم، وأروي الحكايات كأي حكّاء بارع.

 

أحب فأرى الدنيا ألوانا، لكنها ألوان لا مرئية، إنها ألوان مسموعة.

أحب فأغني للمحبوبة فتكون “إن كنت ليا وأنا ليك” لكنها بصوت شادية، أو “بتسأل يا حبيبي” بصوت عفاف راضي، أو”قبل النهارده” بصوت وردة.

علاقات عديدة دخلها الموسيقيُّ المولع بالنساء، لكن واحدة فقط استطاعت إقناع العازب الأبدي بالزواج، فكانت ثمرته طفلا جميلا لوّن حياته.

كنت قد قدمت العديد من الأعمال التليفزيونية، لكني أرغب في أن أنقل موسيقاي للسينما، لكن صناعها راغبون عني، معتقدين أنني لا أرى ما يرونه.

فكانت البداية على يد شادية التي قدمتني للمخرج “هنري بركات”، بعد أن كنا قد تعاونا معا في عدد من الألحان قبل ذلك، فكان فيلم “الشك يا حبيبي” عام 1979 أول ما قدمت في السينما.

“أنا مش أعمى ياهوه يا خلق يا عميانين”

أختفي وأرفض العمل في المسلسل الموكل لي.

يخبرني يحيى العلمي أنهم بصدد إعداد مسلسل تليفزيوني مأخوذ عن مذكرات د. طه حسين المعروفة باسم “الأيام”، وأن دوري ومعي الشاعر “سيد حجاب” والمطرب الصاعد وقتها “علي الحجّار” تحويل المشاهد المطولة التي كتبها د. طه في كتابه إلى رباعيات لا تتعدى الدقائق الثلاث على الشاشة.

أرفض العمل معتقدا أنهم ما طلبوا منه العمل في المسلسل إلا لأنني أعمى مثل طه حسين.

يقنعني سيد حجاب أنني مخطئ وأن العلمي لجأ إليّ لأن لدي مشاعر مشابهة وليس ظروفا مشابهة فحسب. 

أمضي فأغني لطه الطفل الذي فقد بصره بسبب الجهل، ثم لطه الشاب الذي يتابع رحلة تفوقه من الأزهر في القاهرة حتى السوربون في فرنسا، ثم طه المُحب الذي جعلته سوزان يرى من جديد.

35 عاما لم أتوقف خلالها عن أن أكون “ونسًا” سنويا ينتظره الجمهور كل عام مع بداية رمضان انتظارهم لكل نجوم الدراما التليفزيونية، ويكون سؤالهم ماذا سيقدم لنا الشريعي هذا العام!

“محبوس يا طير الحق”

أعاني من نقص الإلهام، أفكر ليل نهار في كيف تكون الموسيقى التصويرية لهذا الفيلم، وكيف تكون ألحان أغاني الكورال التي كتبها “عبد الرحمن الأبنودي” وكيف لها أن تجعل المشاهد يتوحد مع بطل الفيلم “أحمد سبع الليل رضوان الفولي” ويتعاطف مع خطئه التراجيدي.

إن “عاطف الطيّب” مخرج الفيلم، و”وحيد حامد” مؤلفه يحاصرانني ولا يدعا لي أي فرصة للتفكير.

لابد أن يتم إنجاز فيلم “البريء” قبل أن تحاصرهم المشاكل الرقابية المتوقعة.

ها هي الموسيقى تتبلور في ذهني، ها هو صوت الناي يحيطني من كل اتجاه، ها هي الأغاني تعلو “الدم اللي في إيديا اللي بينده عليا ويقولي قتلت مين!”، ها هي جاهزة حتى يغنيها الكورال.

حين يسمعها الطيّب يقرر .. لا داعي لوجود الكورال سأكتفي بصوتك أنت يا عمّار.

يقولون إن الشباب المصري قد استعد لمظاهرات ضخمة ضد نظام مبارك بعد مقتل الشاب “خالد سعيد” على يد الشرطة.

الفساد رائحته أزكمت الأنوف، والوضع قد تغير وساء، ولم نعد في بداية التسعينيات حين جمعت المطربين وجعلتهم يغنوا لمبارك “اخترناه”.

أنا لا أكره مبارك كشخص، لكني أشعر بالحماسة في هذا الميدان، أشعر كأني أرى بعيونهم، أرى مستقبلا أفضل لمراد ابني ومن هم مثله.

ما هذه الأصوات المرعبة! كيف يمكن أن يكون للخوف صوت! هنا أعرف صوت الخوف، كما أعرف صوت القتل وصوت الظلم.

يقولون إن الميدان قد اقتحمته الجمال القادمة من نزلة السمّان، وأن الصوت المرعب هذا صوت “تيل فرامل”.

لكني لن أترك الميدان، أنا هنا أتنفس، أنا هنا أستطيع أن أرى.

يقولون أنه قد وجب الرحيل، وأن القلب متعب، والعين تحتاج لغمض.

 

اليوم تميل درجة الحرارة للبرودة كشهر ديسمبر من كل عام، لكني أشعر كأنه الربيع الذي ولدت فيه، أشعر بخفة، تذكرني بخفة البدايات بعد تخرجي من الجامعة، حين حملت آلة الأوكورديون للعمل في كازينوهات شارع الهرم، وقتها خاصمتني أمي لسنوات، لكني كنت أعرف أن هذا مكاني، ومكان كل مزيكاتي مبتدئ. 

لماذا يبكي مراد! ولماذا تبكي ميرفت! آه، ميرفت حب العمر، لا تزال تشعر بالغيرة كما يجب لامرأة تزوجت زير نساء، لكني أحبها حقا، وأوقن أن زواجي منها كان أحد أفضل قرارات حياتي.

أشعر بالسلام لأول مرة بعد شهور طويلة، كأن المزيكاتية يحيطوني من كل جانب، كأني أحمل عودي أغني وأمّي أغاني عبد الوهاب.

المزيكا تعلو، والجسد المتعب يستريح، والروح تشعر بالخفة.