بورتريه

إدريس الطلبي.. هولاكو الحالم بصهوة الفانتازيا

المصطفى الصوفي

”بوجلابة حرير“ هو ذلك الطفل الذي كان يعشق التلصص على حوار أزليات سيف بن ذي يزن على أمواج الإذاعة من على شرفة ”لالة الزهرة“ التي كانت تقطن بحي ”الطاشرون القديم“ خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وذلك بالقرية المنجمية الفوسفاتية بوجنيبة ضواحي مدينة خريبكة.

الطفل المشاكس الذي يعشق تلك المسرحيات الإذاعية التي كانت تُبث كل يوم لا يزال يصغي جيدا إلى تلك الحكايات المغرية، حيث يسند رأسه إلى الحائط البارد متتبعا القصة حتى النهاية، فيما أقرانه يضحكون ويسخرون، وأحيانا يتأملون هذا المشهد باستغراب، في صورة لها الكثير من الحسّ الشاعري الطفولي الجميل.

بطل إشكالي

مثل هذه المشاهد تكاد تتكرر في ذهن ”بوجلابة حرير“، حيث يتذكر أطياف شرفة لالة زهرة وصوت الممثلين الجهور في تلك الأزليات، كما يتذكر ضوء الشمعة في يد لالة زهرة، ورائحة الحبق التي كان يعبق بها المكان، وكؤوس الشاي التي كانت تُوزع هناك على الأطفال وهم فرحين مسرورين.

إدريس الطلبي الممثل البارع والسيناريست والمؤلف يحلم بأن يُحيي تلك الأطياف الهاربة في عمل سينمائي روائي أو وثائقي، خاصة أن مدينة بوجنيبة تُعد فضاء خصبا لتصوير هذه الأعمال، وهي مدينة قديمة بدروبها وأسوارها وأبوابها وهندستها، كما يوجد في ضواحيها الكثير من الكهوف والأحراش، وشهدت أحداثا تاريخية مختلفة، والتي للأسف لم يسجلها التاريخ كما يجب أن تكون.

”بوجلابة حرير“ يحلم بأن يجسّد ذلك الدور الذي لم يحن وقته بعد، إنه أشبه بالشاعر الذي لم يقل كلمته الأخيرة، فهو فارس في جبة خيال بارع يركب صهوة حصان حرون يتهادى يمينا ويسارا، فيما أجراس السرج ترن بإيقاع ساحر، فيا لها من صورة لنخوة مفقودة.

هذا البطل الإشكالي لا يرى مانعا من أن يكون الممثل مبدعا مشّاء بين الفنون، وهو ما تأتى له من خلال ثقافته الواسعة التي مكّنته من دخول عالم المسرح والسينما والتلفزيون، فضلا عن كتابة القصة والسيرة الذاتية والشعر العامي (الزجل)، وذلك بأسلوب لا يخلو من سخرية لاذعة وتهكّم على الحال والأوضاع والزمان والمكان.

الممثل والكاتب إدريس الطلبي أو ”هولاكو“ الآتي من تخوم الحرية في تلك الهضبة الفوسفاتية المحادية للقلعة التاريخية والأضرحة والمزارات القريبة أشهرها ”العامريات؛ يعشق المسرح والسينما، حيث أبدع في الأول وأصاب في الثاني، لكنه يظل الباحث عن النجوم الفنية التي لا تنطفئ.

خربوشة تتصدى للطغيان

جسّد إدريس الطلبي أدوارا طلائعية في العديد من الأفلام الروائية الطويلة، منها ”بولنوار“ لمخرجه حميد الزوغي، و“القمر الأحمر“ لحسن بنجلون الذي يتحدث عن هجرة اليهود المغاربة إلى فلسطين، ثم فيلم ”خربوشة“ لحميد الزوغي الذي يحكي قصة امرأة فنانة خُلّدت في الذاكرة الشعبية المغربية خلال القرن التاسع عشر كأحد رموز الصمود والنضال والثورة ضد الظلم والفساد والطغيان، وذلك أثناء حكم القائد الجائر عيسى بن عمر بمنطقة عبدة.

وتألَّق الطلبي أيضا في أفلام قصيرة وطويلة أخرى منها ”البهلوان“ و“كلاب الدوار“ لمصطفى الخياط، و“على الرغم نسير“ لعبد العزيز ثلاث، و“أريد حقي“ لمحمد حبيب الله، و“ابتكار“ لرشيدة لبضاح، وهي أفلام جعلت منه الفنان الذي يتقن أدواره باحترافية عالية أهّلته ليحظى بكثير من التكريمات ونيل جوائز عدة هنا وهناك.

ويبقى لإدريس الطلبي في التلفزيون مساحة مضيئة من خلال العديد من الأعمال، سواء في القناة الأولى أو الثانية المغربيتين، ومن تلك الأعمال كممثل أو مشارك في ورشة الكتابة والتأليف ”رادويو واك واك“ لمصطفى الخياط، و“حسابي في راسي“ لرشيد العروصي، و“جحا يا جحا 2″ لمحمد مصرات، و“إلى الأبد“ لإبراهيم شكيري.

وشكلت سلسلتا ”حديدان“ و“رمانة وبرطال“ اللتان تنهلان من معين التراث الفولكلوري القديم للمخرجة فاطمة بوبكدي؛ أهم الأعمال التلفزيونية الرائعة التي تألق فيها الطلبي، وهي أعمال كوميدية وفانتازيا تُمجّد سحر الموروث الشعبي الأصيل والمأثورات المليئة بالكثير من الحيل والأحاجي والمقالب والقصص الخرافية المُصاغة في قالب فني ساخر وعميق.

الخلاص من رزايا الروح

ومن الأعمال الأخيرة التي تألق فيها ”هولاكو“ الحالم بركوب صهوة الفانتازيا على مستوى التلفزيون؛ السلسلة الكوميدية ”حديدان عند الفراعنة“ للمخرج إبراهيم شكيري، والتي عُرضت خلال شهر رمضان الماضي على القناة الثانية.

صُورت هذه السلسلة الفلكلورية في أستوديوهات السينما بمدينة ورزازات الشهيرة بهوليود السينما الأفريقية، والتي شهدت تصوير أكبر الإنتاجات العالمية، من أبرزها ”كليوبترا“ لمخرجه فرانك رودام، و“المومياء“ لمخرجه ستيفن سومار، و“الإسكندر الأكبر“ لمخرجه أولفير ستون بطولة كلين فارول، و“جوهرة النيل“ لمخرجه مايكل دوغلاس، و“كوندون“ لمارتن سكورسيزي، وغيرها من الأعمال السينمائية العالمية التي نالت جوائز كبرى منها جوائز أوسكار.

ويقول إدريس الطلبي عن هذا العمل إنه لعب فيه دور القائد الصعايدي، وقدّم الكثير من المواقف للشخصية المحورية حديدان التي لعبها كمال الكاضمي وباقي الممثلين في قالب ساخر مليء بالتشويق، كما أنها جمعت نخبة من نجوم الفن بهدف تقديم فرجة ممتعة للجمهور.

المسرح.. أبو الفنون

وعلى مستوى السيناريو والكتابة السينمائية فقد خاض ”هولاكو“ الذي لم يجسّد الدور الذي يحلم به بعد تجربة عدة، لعل أبرزها كتابة الشريط التلفزيوني ”بغل الجماعة“ لنور الدين الطويل خلال سنة 2018، فضلا عن أعمال سينمائية وثائقية منها فيلم لسيرة الناقد السينمائي الراحل محمد الدهان الذي أنجزته مؤسسة مهرجان السينما الأفريقية خلال الدورة الـ16 لمهرجانها السنوي.

حينما نسأل الطلبي عن أقرب الفنون إلى قلبه يُجيب بكل تلقائية بأن المسرح هو أبو الفنون، وأنه عشقه الأبدي الذي يجد فيه الخلاص من رزايا الروح والجسد، حيث يتذكر بالمناسبة مسرح دار الشباب الزلاقة بمدينة خريبكة، والذي لا يزال يحفظ له الكثير من الذكريات والصولات في مسرحيات خالدة مع كثير من الممثلين الوازنين، وحكايات ومواضيع تفاعل معها الجمهور بشكل كبير.

وعلى مستوى التأليف المسرحي فقد كتب الطلبي الكثير من المسرحيات، لعل أشهرها ”كلشي بالقانون.. شكون دا البغل“، و“أكثر من صدفة“، ثم ”المانيرا“ لمحترف مسرح النهضة سنة 2004 والمقتبسة عن ”الحبل المتهدل“، و“أغنية قطار الشبح“ لفرناندو أربال التي حصلت على دعم الترويج لوزارة الثقافة في السنة نفسها.

كتب الطلبي الكثير من المسرحيات، لعل أشهرها ”المانيرا“ لمحترف مسرح النهضة سنة 2004

قضايا تنتصر للإنسان

كتب الطلبي خلال سنة 2005 مسرحية ”التعركيبة اللامة لامتنا“ لنفس المحترف، وهي المسرحية التي شارك فيها ممثلا ومؤلفا وسينوغرافا، وحصلت على دعم من وزارة الثقافة، فضلا عن مسرحية ”كما لو كانت لي حاجة“ للأطفال التي حازت جوائز عدة، ثم ”مصاصة“ و“بساط الرما“ و“مشطة وكدم“ لمحترف بيت المسرح سنة 2015 ممثلا وسينوغرافا، و“من معه“ التي تألقت كثيرا في المهرجان الوطني للمسرح سنة 2011، و“ولونطي“ و“ميخالة“ و“القمجة“ و“كلشي حول العنف بالمدرسة“ وغيرها.

وتعود بإدريس الطلبي الذكريات الأولى مع المسرح خلال الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك مع فرقة الخشبة الصغيرة في مسرحية ”طاعة الوالدين“، وهي الفرقة التي لعب معها أيضا ممثلا ومؤلفا في مسرحية ”الحصان الأبيض“، و“حكايات“ ثم ”أسرار الدوار“ مع نخبة من الممثلين سنة 1987، و“تاريخ ورديغة“ التي ألّفها ومثّل فيها سنة 1995.

تألق إدريس الطلبي في الكثير من الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية وسبر أغوار الفن عموما، كما انخرط في تجارب أخرى تركزت على الإخراج والسينوغرافيا من خلال مسرحية ”كرّ البحر“ لمحترف مسرح التعاون سنة 2007، و“من معه“ لمحترف بيت المسرح سنة 2011، وغيرها من الأعمال التي عالجت بأسلوب فرجوي جادّ ومسؤول قضايا اجتماعية متنوعة تنتصر لكل ما هو مجتمعي وإنساني، وتتمرد على كل ما هو سائد من أوضاع مزرية وحالات تستدعي تمرير رسائل عبر المسرح لمن يهمهم الأمر.

وقد أهّل هذا الفيض من الأعمال الفنية للاحتفاء وتكريم هذا الفنان في كثير من المناسبات وتتويجه بعدد من المهرجانات السينمائية والمسرحية ممثلا وكاتب سيناريو، وأبرزها حصوله على الجائزة الثالثة في مسابقة كتابة السيناريو خلال المهرجان الوطني للسينما باسا في الجنوب المغربي سنة 2014.

عِشقُ الكتابة والتأليف لعضو النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية يُضاف إلى هذا الممثل المتواضع والبسيط

قضايا وانكسارات وطموحات

وفي سجل الطلبي مساحات شاسعة لتنظيم الكثير من الورش الخاصة بإدارة الممثل والسينوغرافيا (البيئة المكانية للعرض المسرحي) وكتابة السيناريو، كما اختير عضوا بلجان تحكيم في العديد من المهرجانات المسرحية والسينمائية، كان آخرها عضو لجنة تحكيم بملتقى سينما المجتمع ”دورة رشيد الوالي“ خلال مارس/آذار الماضي ببئر مزوي، وذلك إلى جانب كل من الممثل والمخرج عبد الكبير الركاكنة، والدكتور عبد الإله مرتبة، والكاتب طارق نصراوي.

وأمام هذا الزخم الفني لإدريس الطلبي فقد تم تكريمه نهاية أغسطس/آب الماضي ضمن فقرة ”ماستر كلاس“ مع الجمهور، وذلك في اللقاء الشعري ”أكسيون سات“ الذي تستضيف فيه الخزانة الوسائطية للمجمع الشريف للفوسفات بخريبكة نجوم السينما والمسرح، حيث تحدث عن تجربته الفنية منذ بدايتها، والكثير من القضايا والانكسارات والطموحات التي تُخالج صدره وتؤرق بال الفنان المغربي عموما.

عِشقُ الكتابة والتأليف لعضو النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية يُضاف إلى هذا الممثل المتواضع والبسيط، حيث صدرت له مجموعة قصصية بعنوان ”بين وبين“ مؤخرا بدعم من وزارة الثقافة، كما سيصدر له قريبا سيرة ذاتية بعنوان ”ولد الفقيه“، وديوان زجلي بـ“الدارجة المغربية“ بعنوان ”فعلي يلقاني“، وكتاب بعنوان ”التغريبية الخريبكية وجوه وأماكن“ من تقديم الدكتور والروائي عثمان أشقرا.

الطلبي الذي بدأ مشوراه الفني نهاية السبعينيات من القرن الماضي؛ هو من الوجوه البارزة والمُؤسسة لمهرجان السينما الأفريقية

الابتعاد عن الزبونية والصداقات

عن الوضع الفني والمسرحي والسينمائي والثقافي عموما يؤكد الطلبي أن الفنان والمبدع خاصة في مدن ومناطق الهامش يعيش على حُرقة الانتظار والإقصاء في بعض الأحيان، كما يعاني شُحّ وانعدام الدعم الذي بإمكانه أن يفتح للمبدع آفاقا ومجالات واسعة للحلم والإبداع.

كما يتأسف الطلبي بحرقة من عزوف الجمهور على الأنشطة الفنية والثقافية وقلة صالات العرض المسرحي والسينمائي، وهو ما يؤثر على مستقبل الفن بشكل عام، وعلى البرامج والسياسات التنموية في المجال الثقافي والفني، داعيا بالمناسبة الشباب إلى الانخراط في مختلف المبادرات الإبداعية، لأنها تصقل الموهبة وتُنمّي المدارك والذوق الفني والجمالي، إضافة إلى توظيف الوسائل التكنولوجية الحديثة بذكاء، والاستفادة مما تتيحه من إيجابيات وفضائل.

الطلبي الذي بدأ مشوراه الفني نهاية السبعينيات من القرن الماضي؛ هو من الوجوه البارزة والمُؤسسة لمهرجان السينما الأفريقية الذي يُعتبر من أقدم المهرجانات في القارة الأفريقية، حيث يدعو أيضا إلى الابتعاد عن الزبونية والصداقات في المجال الفني والسينمائي، واستحضار الجانب المهني والاحترافي، وهذا ما يجعل الكثير من الفنانين الكبار يُفضّلون الركون إلى الظل، فيما غثاء السيل يطفو إلى الأعلى.

مشهد من كواليس تصوير فيلم خربوشة للمخرج حميد الزوغي

حُلم مُحقق

وعن جديده المسرحي والسينمائي يؤكد الطلبي أن الفنان الذي ابتُلي بجمرة الكتابة وحرقتها هو دائم البحث والتجديد، مبرزا وجود شيء جميل وممتع يريد أن يتركه مفاجأة للجمهور، خاصة على مستوى كتابة السيناريو وأعمال أدبية ومسرحية وسينمائية وتلفزيونية سترى النور قريبا.

كما أعرب الطلبي عن سعادته الغامرة في النهاية بتحقيقه لنوع من الحلم راوده منذ زمن، وهو ولوج ابنه المهدي الطلبي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، وهي المبادرة التي ستجعل من ابن البط عواما ماهرا يسلك طريق الفن الجميل والنقي، وذلك كرسالة نبيلة تنطلق من كنف المجتمع وتقدم لأفراده الأجمل بطريقة غاية في الإمتاع، بحثا عن الخلاص من عالم تعاظمت فيه الانكسارات.