بورتريه

ابن الفارض.. سلطان العاشقين وشاعر الحب الإلهي

 

خاص-الوثائقية

"عَرَفْتُ الهَوى مُذ عَرَفْتُ هواك
وأغْلَقْتُ قَلْبي عَلىٰ مَنْ عَاداكْ

وقُمْتُ اُناجِيـكَ يا مَن تـَرىٰ
خَفايا القُلُوبِ ولَسْنا نراك"

لعل كل قارئ لهذه الأبيات سيستحضر صورا إما كان حاضرا فيها أو شاهدها عبر الإنترنت لحلقات الغناء الصوفي، حيث الدرويش يدور حول نفسه ملخصا في حركته دوران الكون، والخشوع والأصوات الشجية التي تتغنى بالحب الإلهي، وحيث القلوب معلقة تنشد الصفاء الداخلي.

هذه الأبيات التي تتردد في كل أصقاع العالم ولا تكتمل سهرة إنشاد صوفي دون ترديدها هي وغيرها من أشعار العشق الإلهي؛ كلها تنهل من معين واحد، فاضت فتوحاته حتى بات خالدا في التاريخ البشري، واستحق عن جدارة لقب سلطان العاشقين. إنه عمر ابن الفارض صاحب القصائد التي تقطر عذوبة، ولا تكاد تشاهد أي مقطع صوفي أو فيلم وثائقي يتحدث عن الصوفية دون أن يتم إدراج إحدى قصائد ابن الفارض على الرغم من أنه دائما ما يوضع في ظل العلمين الكبيرين: محيي الدين ابن عربي، وجلال الدين الرومي.

وإذا كان ابن عربي قد منح العالم والتراث الإنساني مجرة فكرية عن الطريقة الصوفية في مؤلفه العملاق "الفتوحات المكية"، وأعطى جلال الدين الرومي للعالم والتاريخ البشري طريقته المولوية في التصوف، فإن ابن الفارض منح الشعر الصوفي والعالمي ديوانه "التائية الكبرى" الذي يصفه كثير من النقاد والمختصين في الشعر العربي بأنه يضم أفضل الأشعار الصوفية على الإطلاق، وهذا ما يفسر حضور أبياته في كل الحفلات والأعمال الغنائية الصوفية. فمن يكون ابن الفارض، ولماذا لقب بسلطان العاشقين، وما علاقته بجلال الدين الرومي وابن عربي؟

ابن الفارض منح الشعر الصوفي والعالمي ديوانه "التائية الكبرى"

 

ثمرة القائد صلاح الدين والفقيه ابن عساكر

ولد ابن الفارض في القرن السادس الهجري وتحديدا سنة 576 هجرية في مصر، واسمه الكامل هو عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي. وتعددت ألقابه، فهو أبو القاسم وأبو حفص وشرف الدين. أما نسبه فيمتد حسب بعض الدراسات إلى بني سعيد، وهي قبيلة حليمة السعدية مرضعة النبي عليه الصلاة والسلام.

واجتمعت العديد من الصدف التي نحتت شخصية ابن الفارض ورفعت من ورعه وأهلته لتجربة صوفية فريدة وخالدة، فوالده كان فقيها وعالما زاهدا، ومجتهدا كان له السبق في فرض حقوق النساء على الرجال، ومن هنا جاءت كنيته الفارض، وتقلد الكثير من المناصب المرموقة في الدولة، وعندما عُرض عليه منصب قاضي القضاة في مصر اعتذر عن الأمر خشية أن يشغله هذا المنصب -الذي كانت تتشوّف له النفوس- عن العبادة، وبالفعل فقد انقطع للتأمل وحياة الزهد، وهو أسلوب الحياة الذي سيتلبسه الابن الذي قرر أن يعيش في جبة والده.

هذه الأجواء الروحانية التي توفرت لابن الفارض في البيت، عضدها تتلمذه على يد واحد من كبار فقهاء الإسلام، حيث تلقن علوم الحديث والفقه من الإمام العَلَم أبو محمد القاسم بن عساكر الذي زود ابن الفارض بزاد علمي متين أعانه على رحلته الطويلة في دروب أهل الطريق.

أما العنصر الثالث الذي ساهم في تشكيل شخصية ابن الفارض، وخصوصا في شقها المعتز بانتمائه الثقافي والديني وسهّل مهمة خوض تجربة التصوف دون قلق وجودي أو اهتزازات سياسية عنيفة، كما حدث مع الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، أن ابن الفارض عاصر فترة القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي، وكان شاهدا على سطوع نجمه وعلى انتصاراته العسكرية وإعادة الأمل للمسلمين بعد خيبات الهزائم في الحروب الصليبية.

وهكذا تداخلت ثلاثة أسماء خالدة في التاريخ في تشكيل جزء من شخصية ابن الفارض الدينية والوجدانية، ومهدت له طريق العبور نحو عالم التصوف. والحقيقة أن الباحث عن سيرة مُحكمة لابن الفارض سيجد نفسه أمام شح في المواد المعرفية التي تناولت حياته بالتفصيل، والبعض يُرجع هذا الأمر إلى أن كثيرين اهتموا بإنتاجه الشعري أكثر من حياته، والبعض الآخر يفسرها بطبيعة شخصية ابن الفارض الذي كان ينعزل عن الناس مددا طويلة جعلت من معاشرته والتقرب إليه أمرا صعبا باستثناء محيطه الضيق جدا.

 

مكة.. أرض الفتوحات الربانية

مكة مقصد كل المشتاقين والأرواح المتعبة الباحثة عن سكينة مفقودة، ومن قدِم لها راغبا في نفحات ربانية وصلة بالسماء لا يعود خائبا، حدث هذا مع الكثير من العلماء المسلمين الذين استقر بهم الحال في مكة، وكانت محطة مهمة في مسارهم العلمي، ولا أدل على ذلك من الإمام الأكبر الشيخ محيي الدين ابن عربي الذي انتقل من الأندلس إلى المغرب ثم مصر وصولا إلى مكة، وهناك ألف دُرة التاج في الفكر الصوفي؛ كتاب "الفتوحات المكية" الذي يعتبر من أهم ما كتب عن طريق العارفين.

وكذلك كانت مكة مشكاة أنارت لابن الفارض دربه، ففاض علمه وفتح الله عليه من الأنوار الربانية، وهو ما جعله يؤلف ديوانه الوحيد والشهير "التائية الكبرى".

وتعتبر القصة الأشهر لسفر ابن الفارض من مصر إلى الحجاز وتحديدا إلى مكة؛ ما يروى عنه شخصيا في العديد من المصادر، حيث يقول: فحضرتُ من السياحة يوماً إلى المدينة ودخلت المدرسة السيوفية، فوجدت شيخاً بقالاً على باب المدرسة يتوضأ وضوءاً غير مرتّب، فقلت له: يا شيخ أنت في هذه السن في دار السلام على باب المدرسة بين فقهاء المسلمين، وأنت تتوضأ وضوءاً خارجا عن الترتيب الشرعي، فنظر إليّ وقال: يا عمر أنت لا يُفتح عليك في مصر وإنما يفتح عليك بالحجاز في مكة شرّفها الله فاقصدها فقد آن لك وقت الفتح.

وبالفعل قصد ابن الفارض مكة المكرمة حيث مكث هناك 15 سنة، كان نتاجها رحيقا مصفّى من الشعر، وحالات روحية لم يبلغها ابن الفارض من قبل، وفتوحات شغلت الناس وملأت أخبارها مختلف الأصقاع. ومن الأشعار التي ألفها ابن الفارض عن تجربته المكية:

يا سميري روّح بمكة روحي
شادياً إن رغبت في إسعادي

كان فيها أنسي ومعارج قدسي
ومقامي المقام والفتح بادي

وبالفعل فقد كانت رحلة ابن الفارض إلى مكة رحلة الفتح العظيم، وارتقاء نحو مستويات روحانية، عبر عنها ابن الفارض في قصائده التي تفيض عشقا إليها وحبا سمويا وشوقا لمرحلة الصفاء.

 

ابن الفارض والرومي وابن عربي.. ثلاثي العشق

لا يكاد يخلو أي بحث صوفي أو حديث عن الصوفية دون ذكر الأقطاب الثلاثة: ابن عربي وجلال الدين الرومي وابن الفارض؛ باعتبارهم أكثر من أغنى وأثرى التراث الصوفي بل ومنحوه انتشارا عالميا حتى في أوساط غير المسلمين.

فعلى سبيل المثال يعتبر "المثنوي" لجلال الدين الرومي الذي يضم الكثير من أشعاره، أكثر الكتب طباعة في التاريخ بعد القرآن والكتاب المقدس.

هذا التقاطع بين الأقطاب الثلاثة لم يكن بسبب تميزهم وفرادة تجربتهم الروحية وأهمية إنتاج الفكري فقط، بل لقد كان الثلاثة أبناء جيل واحد، فكلهم أبناء القرن السابع الهجري الذي يعد العصر الذهبي للصوفية في العالم الإسلامي، فهناك ابن عربي في الأندلس، وابن الفارض في مصر، والرومي في أطراف تركيا.

ورغم بعد الرقعة الجغرافية بين الثلاثة فإن طرقهم تقاطعت، ومن ذلك ما ترجحه الكثير من المصادر التاريخية من أن ابن عربي التقى بجلال الدين الرومي لولا أنهما اختلفا على المنهج الصوفي، فابن عربي المتأثر بالأسلوب العقلاني الأندلسي كان يريد وضع إطار منهجي للطريقة الصوفية، وهو ما عارضه الرومي الذي يرى أن التجربة الصوفية تجربة فردية لا يمكن أن يوضع لها دليل أو منهاج موحد بل لكل مريد طريقته.

أما التقاطع الثاني بين هؤلاء الأعلام فهو تعرّف جلال الدين الرومي على "التائية الكبرى"، حيث قرأها وأعجب بها وبمضامينها، وهذا أمر متوقع، فثلاثهم ينهلون من حوض الحب الرباني.

صحيح أن مكانة ابن عربي -أو الشيخ الأكبر- وجلال الدين الرومي المعرفية تبقى أرفع من ابن الفارض الذي لخّص كل تجربته الصوفية في الشعر، لكن الثلاثة شكلوا أضلاع مثلث العشق الإلهي، وظهر كيف أثر كل واحد في مسار الآخر، وكيف كان لمكة دور محوري في رسم ملامح هذا الإنتاج الغزير وتكوين ما يمكن أن نسميه "طريق الحب السماوي" الذي ألهم فئات كبيرة من المسلمين، بل وكان مصدر إعجاب غير المسلمين.

 

أشعار.. سلبت لب العرب والعجم

رفع ابن الفارض الشعر الصوفي إلى مراتب عليا ومستويات غير مسبوقة أعيت من بعده وحتى من قبله من المتصوفة. وعلى الرغم من أن هناك كثيرين حاولوا استنساخ تجربته الشعرية، لكن "التائية الكبرى" لابن الفارض كانت نتاج مكابدة روحية وأيام طويلة من العزلة والتأمل والارتقاء في معارج سماوية، ونالت قصائد ابن الفارض إعجاب كبار الأدباء العرب وحتى الفقهاء، ومن بين أجمل وأعذب ما كتب عن أشعار ابن الفارض ما جاد به قلم الأديب العربي الكبير جبران خليل جبران حيث يقول: كان عمر بن الفارض شاعرا ربانيا، وكانت روحه الظمآنة تشرب من خمرة الروح فتسكر ثم تهيم سابحة مرفرفة في عالم المحسوسات حيث تطوف أحلام الشعراء وأميال العشاق وأماني المتصوفين ثم يفاجئها الصحو فتعود إلى عالم المرئيات لتدوّن ما رأته وسمعته بلغة جميلة ومؤثرة.

وكأن جبران يصف ابن الفارض وأشعاره بكونها وسيطا بين عالم غير مرئي بلغه ابن الفارض وبين عالم الناس، وكأن الأبيات هي رسالة بين عالمين مختلفين لا يخترقهما إلا صاحب حساسية شعرية عالية.

ويقارن جبران بين ابن الفارض وكبار الشعراء في التاريخ العربي فيقول: لم يتناول ابن الفارض في مواضيعه مجريات يومه كما فعل المتنبي، ولم تشغله معميات الحياة وأسرارها كما شغلت المعري، بل كان يغمض عينيه عن الدنيا ليرى ما وراء الدنيا، ويغلق أذنيه عن ضجة الأرض ليسمع أغاني اللانهاية.

وبالفعل، فأشعار ابن الفارض قادمة من عالم آخر، ومبنية على الرموز، والتمليح دون التصريح، والدلالات المعقدة، مما جعل بعض المتعصبين يشكك في إسلام ابن الفارض ويعتبر أشعاره خروجا عن المنهج الإسلامي.

هذا الهجوم دفع الإمام الكبير جلال الدين السيوطي لتأليف كتاب للدفاع عن ابن الفارض عنوانه "قمع المعارض في نصرة ابن الفارض"، وفيه رد على من يشكك في إسلام ابن الفارض، وفيه رأي الفقيه في أشعار ابن الفارض التي يقول عنها السيوطي: إن شعره دليل على تبحره في حفظ اللغات وجمعه منها للشتات، وأما الجناسات وأنواع البديع فكمرّ السيل وكجرّ الذيل.

وإذا كان هذا رأي العرب فيه فإن أشعار ابن الفارض حازت على إعجاب عالمي، حيث تصفه الموسوعة البريطانية للأدب بكونه "أرق شاعر صوفي في التاريخ"، وتقول الموسوعة إن ابن الفارض نجح في التعبير عن معان روحية معقدة بلغة عربية بليغة وبديعة وبتعابير عذبة وأنيقة.

 

رشيد غلام.. أنشودة ابن الفارض

شَرِبْنَا على ذكْرِ الحبيبِ مُدامَةً
سكِرْنَا بها من قبل أن يُخلق الكَرْمُ

لها البدرُ كأسٌ وهيَ شمسٌ يُدِيرُهَا
هلالٌ وكم يبدو إذا مُزِجَتْ نَجم

تحولت الكثير من أشعار ابن الفارض إلى مقاطع غنائية ووصلات سماعية أخذت شهرة واسعة بفضل مطربين عرب، أجادوا في تقديم هذه الأشعار في قالب موسيقي يناسب طابعها الصوفي، ومن هؤلاء الفنان المغربي رشيد غلام الذي يعد من أفضل الأصوات التي تشدو بالشعر الصوفي، وله علاقة خاصة مع أشعار ابن الفارض، حيث يقول في حديثه الخاص مع "الجزيرة الوثائقية": إن أشعار ابن الفارض وإن غلب عليها الرمز ففيها انسيابية غنائية مميزة، وأبياته لها حس عال، وقصائد حية تحمل حرارة الوجد التي كانت لدى ابن الفارض، وكلماته ليست كلمات ميتة بل حافظت على خلودها.

بهذه الكلمات وصف رشيد غلام أشعار ابن الفارض التي أداها لعشرات المرات في حفلاته عبر العالم، معتبرا أن عمر ابن الفارض "هو أصدق من عبر عن الشوق والوصال والبذل والحب الإلهي"، وبأنه نجح في تلخيص علوم الصوفية في ديوانه الشعري، وسهّل معرفة أحوال الأولياء ومقامات التصوف بالحديث عن السكر بحب الله، مفسرا عدم ترجمة هذه القصائد بأنها طويلة، ومع ذلك فغلام يؤكد أن الاشتغال الموسيقي على أشعار ابن الفارض يُعتبر دائما متعة لا تضاهيها أي متعة، خصوصا بالنظر إلى التفاعل الكبير للجمهور معها.