بورتريه

الأمير عبد القادر الجزائري.. باني الدولة وقاهر الاستعمار وحامي المستجيرين في المنفى

 

بلال المازني

في العام 1861 أبدع الرسام البلجيكي "جان بابتيست هويسمانس" في رسم القائد عبد القادر الجزائري، فقد ظهر حينها الأمير بلحافه الأبيض الحريري، وبرنُسه المنسدل على كتفيه، والذي لم يفارقه تقريبا في أي صورة ظهر فيها، دون أوسمته التي اعتاد تعليقها فوق صدره، لكنه وقف بأنفة العظام، يُقبّل يده أحد القساوسة وسط حشد من المسيحيين استجاروا به من سيوف الدروز في باب توما بدمشق.

لم يروِ التاريخ كثيرا أن يُمجّد العدو عدوه، إلا أنه فعلها مع الأمير عبد القادر حين رثاه جنرالات ومؤرخو فرنسا التي استعمرت بلاده، واهتز لموته القريب والبعيد، حتى نُصب له تمثال في ساحة مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية، وأصبح مضرب مثل القائد الخالد.

 

سيدي محيي الدين.. ميلاد الأمير الشريف في حضن القادرية

في العام 1808، وُلد عبد القادر بن محيي الدين الذي أصبح يُعرف باسم عبد القادر الجزائري في قرية القيطنة قرب مدينة معسكر، وكان أبوه المعروف باسم سيدي محيي الدين شيخ الطريقة القادرية، وجدّه لأمه شيخ زاوية أيضا، حيث أثرت المكانة الروحية لعائلة عبد القادر في رسم مصيره وتدرجه ليُصبح الفقيه القائد.

انقسمت حياة عبد القادر الجزائري إلى محطات مهمة، وكانت أولى تلك المحطات ولادته وسط عائلة لها نفوذ روحي استمدته من نسبها الشريف، فهي تعيش بقوانين المتصوفين، وتؤوي عابري السبيل، وتقضي في أمور سُكّان القرية وتفضّ نزاعاتهم وتحكم بينهم، فكان مقدرا على عبد القادر الجزائري أن يتلقى تكوينه الأول في ما يسمى بالزاوية.

وتذكر السيرة الذاتية التي كتبها الأمير عبد القادر مع مصطفى بن توهامي أن الأمير أخذ من والده تفسير القرآن والحديث والفقه والنحو وقواعد الدين وأسس القانون، ونقل الشيخ محيي الدين إلى ابنه تلك العلوم التي كان قد أخذها بدوره عن العالم عبد القادر المشرفي، وقد كان الشيخ محيي الدين على درجة من العلم والتصوف، حتى أن اسمه المشابه لشيخ الصوفية محيي الدين ابن عربي قد زاد تلاميذه توقيرا له.

لم يكن محيي الدين المعلم الوحيد لعبد القادر الجزائري، فقد تعلّم الفتى البلاغة والمنطق لدى علماء وهران، مثل مصطفى بن الهاشمي، والشيخ محمد بن نقريد، وعلماء فاس مثل أبي حفص الفاسي وبن رحال.

بدأت أهم محطات التكوين العلمي الذي تلقاه عبد القادر الجزائري وهو لم يبلغ بعد عقده الثاني، وكانت رحلة الحج من أهمها، ففي العام 1825 سافر الشيخ محيي الدين إلى الحج، واصطحب معه ابنه عبد القادر إلى تلك الرحلة التي دامت عامين أو أكثر، وفي الواقع كانت رحلة الحج التي رافق فيها عبد القادر أباه فرارا من الداي حسين حاكم الجزائر، فقد كان الشيخ محيي الدين يعاديه بسبب جوره وتسلطه.

الأمير عبد القادر الجزائري الذي تحققت فيه شروط القائد والأمير، وهي الشجاعة وحسن التسيير والتمكن السياسي والثراء الفكري والزهد عن الملك

 

البيعة الأولى.. بداية هزائم المستعمر الفرنسي

في العام 1828، عاد الشيخ محيي الدين صحبة ابنه عبد القادر من رحلة الحج إلى قرية القيطنة قرب مدينة معسكر، ولم يمض عامان حتى دخلت فرنسا إلى الجزائر بعد أن استسلم الداي حسين بسهولة، وأصبحت البلاد تسبح في فراغ مخيف دون سلطة قائمة، حتى أن النهب والسرقة قد عمّا البلاد وانعدم الأمان، وكان لا بد للقبائل أن تتحرك، وأن تجد قائدا لها.

حينها طلب سكان قرية غريس من الشيخ محيي الدين قيادتهم للجهاد ضد المستعمر، لكنه رفض البيعة بسبب كبر سنه، فاتجهت الأنظار نحو ابنه عبد القادر الذي بويع بحضور علماء غريس وأشراف الجهات المجاورة في السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1832، وسُميت تلك البيعة بالبيعة الأولى.

اختارت القبائل عبد القادر لقيادة المقاومة، ووضعوا خريطة عامة للمهمات الموكولة للقائد الجديد، وكانت أولاها حسب نص البيعة هي توحيد صفوف القبائل بعد أن تمركز الفرنسيون في الغرب الجزائري، وبدؤوا يغيرون على أملاك الجزائريين، أما مهمته الثانية فكانت إرساء النظام والأمن وصيانة النفوس والأملاك.

لم يكن انتماء عبد القادر الجزائري إلى عائلة تحظى بمكانة رفيعة هو المحدد الوحيد لمبايعته، فقد اجتمعت كل الشروط الأخرى المطلوبة في عبد القادر ليصبح قائدا ومقاتلا، ثم أميرا ورجل دولة، فقد خبرته القبائل التي استنجدت بأبيه لرد جور المستعمر الفرنسي، فأظهر شجاعة في ميدان القتال، وروحا قيادية لا تُضاهى في معارك مثل معركة خنق النطاح ضد المستعمر الفرنسي في أبريل/نيسان من العام 1832، ثم تلتها معارك أخرى مثل معركة رأس العين وسانت أوندري في مايو/أيار من العام 1832، كما قاد عبد القادر معركة خنق النطاح الثانية التي بدأت في يونيو/حزيران من العام 1832، وهناك بانت حنكة عبد القادر في القيادة والقتال.

يقول محمد السنوسي في كتاب "الرحلة الحجازية": إن أعيان القبائل المبايعة لم يجدوا من تتفق عليه كلمة أهل الحل والعقد سوى محيي الدين بن مصطفى المختار، فله على الدين أعوان وأنصار، فطلبوا منه أن يبايعوه على السمع والطاعة، فاعتذر منهم، فأتاه بعض أهل غريس، وقالوا إن أولياء الله اتفقوا على نصب ولده الحاج عبد القادر خليفة له لنصرة دين الله، فوافقهم على نصرته لكونه ذا حزم وشجاعة وإقدام.

وهو ما أجمع عليه آخرون، مثل الكاتب أحمد بن عبد الرحمن القراني في كتابه "القول الأوسط في أخبار من حل بالمغرب الأوسط"، إذ يقول: عبد القادر بن محيي الدين تحققت فيه شروط القائد والأمير، وهي الشجاعة وحسن التسيير والتمكن السياسي والثراء الفكري والزهد عن الملك.

صورة تجمع الأمير عبد القادر الجزائري بالخديوي إسماعيل، حيث يتوسطا الصورة سنة 1869

 

صناعة الوحدة الوطنية.. هدم إرث القبلية العثمانية الثقيل

لم تكن مهمة الأمير عبد القادر سهلة، فقد ترك الحكام الموالون للإمبراطورية العثمانية إرثا اجتماعيا ثقيلا، وذلك بجعل الانتماء إلى القبيلة يتجاوز الانتماء إلى الوطن، وذلك لتفرقة أهل البلاد وإضعافهم، وقد تفطن الأمير عبد القادر إلى ذلك مبكرا، لذلك سعى إلى توحيد الجزائريين عبر إعادة هيكلة البنية الاجتماعية، وبناء فكرة الأمة عوضا عن الانتماء للقبيلة.

في سيرته الذاتية أسهب الأمير عبد القادر في الحديث عن الجهود التي كان عليه أن يبذلها لتجميع القبائل وإنجاح مهمة توحيدها، ولم يتمكن الأمير أبدا من استمالة أحمد بك داي قسنطينة السابق لقتال الفرنسيين إلى جانبه.

مهدت البيعة الأولى للأمير عبد القادر لالتحاق قبائل أخرى، حتى أصبحت تحت إمرته أكثر قبائل غرب الجزائر، وهناك عمل على تنفيذ إحدى وصايا "البيعة الأولى"، وهي توحيد السكان على أساس الوطن والأمة، وبويع الأمير عبد القادر في العام 1833، وسُميت تلك البيعة بالبيعة الثانية، وهي التي ثبتت شرعيته بعد أن انضمت قبائل كثيرة للحرب تحت لوائه.

شكلت المعارك التي خاضها عبد القادر، وهو المحارب الشاب الذي تجاوز العقد الثاني بقليل؛ إلهاما بمخطط ذكي للوقوف في وجه المستعمر الفرنسي، فقد كان يعي جيدا أنه لا يمكن مواجهة دولة فرنسا إلا بدولة لها سلطتها وكيانها، ومجتمع موحّد تحت راية انتماء واحد، وكان يعلم أيضا أن تكوين جيش وطني مُنظم ومدرب له ميزانيته الخاصة، هو السبيل الأنجع للوقوف ندا لند أمام الاستعمار الفرنسي.

لوحة للرسام "هوراس فيرنيه" لمعركة زمالة بقيادة الأمير عبد القادر الجزائري

 

بناء الدولة التوسعية.. أذرع الأخطبوط تزعج فرنسا

بدأ الأمير عبد القادر ببناء دولته خلال الفترة الممتدة بين العامين 1832-1834، وسعى إلى توسيع نفوذه، وضم تلمسان ومليانة تحت جناح سلطته، وهو ما أغضب فرنسا كثيرا وأدى إلى عزل الجنرال "بواييه" الذي عُيّن مكانه الجنرال "ديميشل". وقسّم الأمير دولته إلى ثماني مقاطعات، ووضع على رأس كل منها مسؤولا ينوبه، وكانت مهمة خلفائه هي ضمان الوحدة حتى يتمكنوا من مواجهة المستعمر.

وامتدت دولة الأمير عبد القادر من تلمسان شمال غرب الجزائر، ومعسكر وهي إحدى عواصم دولة الأمير عبد القادر ومن أهم المدن الجزائرية، ووصلت حدود دولته إلى مليانة الواقعة جنوب غرب العاصمة الجزائر.

بدأ الأمير عبد القادر بتنظيم دواليب دولته عن طريق تشكيل مجلس شورى يتكون من أحد عشر عضوا، وقد شاركوه في اتخاذ قرارات المعارك المصيرية، كما موّل حربه عن طريق الزكاة والأعشار، ووضعت مسألة تمويل الحرب عن طريق جمع الزكاة من قبائل أخرى، لكن دخلت دولة عبد القادر في مواجهة مع جبهة أخرى ثانية خلافا لعدوه فرنسا.

يقول "هنري تايسييه" في كتابه "الأمير عبد القادر" إن الأمير الجزائري احتاج إلى وقت كبير لإقناع القبائل تدريجيا للدخول تحت رايته للقتال ضد المستعمر الفرنسي، ويقول ما نصه: واجه الأمير عبد القادر صعوبات مع قبائل مثل مخزن، وكان عليه أن يواجه مصطفى بن إسماعيل والدرقاوي جنوب المدية الذي حاول جذب القبائل لقتاله (أي عبد القادر)، مثل قبائل الدويرس وزمالة، لكن هزمه الأمير في المدية في معركة الثاني والعشرين من أبريل/نيسان 1835.

ويضيف الكاتب أن مهمة عبد القادر الجزائري الأدق كانت تتمثل في انتزاع الاعتراف بسلطته من قبل قبائل "القبايل" المتحصنة بالجبال، كما واجه صعوبة أكبر، وهي نفوذ أصحاب الطريقة التيجانية في الجنوب.

أحد الخيّالة في جيش الأمير عبد القادر الجزائري

 

بناء الجيش المسلح.. خطة تثبيت ركن الدولة الأعظم

خطا الأمير عبد القادر الخطوة الأهم من أجل تثبيت دولته، وهي تكوين جيش وتسليحه، وكان الأمير رجل دولة، لكنه أيضا رجل حرب بحق، فقد سعى إلى تكوين جيش نظامي وإلى تحصينه من أي فرصة قد تضعفه وتخفت همة جنوده، فجعل لهم رواتب، ووضع أسس الترقيات، واهتم بزيّهم العسكري ووحّده، كما قسّم الأمير عبد القادر جيشه إلى جيش مشاة وجيش بحر وخيالة، وأرسل مبعوثين من الجزائر لجلب أوروبيين من أجل تدريب الجنود على استخدام السلاح.

ويذكر عبد القادر بوطالب في كتابه "الأمير عبد القادر وبناء الأمة الجزائرية" أن الأمير أقام في تلمسان ومليانة مكانا لتحضير البارود، وأحدث نظام تجنيد عام حتى يكون الجيش متنوعا، فتخفت العصبية التي فرقت بين القبائل.

تمكن الأمير عبد القادر من جمع الأسلحة القادمة من الخارج عن طريق جبل طارق الذي كان تحت سيطرة البريطانيين، مُستغلا علاقاته الجيدة مع الإنجليز. ويقول الباحث التونسي عبد الجليل التميمي في كتابه "بحوث ووثائق في التاريخ المغربي 1816-1871" إن جبل طارق كان بوابة مهمة لتسليح جيش الأمير، حيث كان ذلك الممر معبرا حيويا تمر منه ترسانته الحربية التي جهّز بها جيشه، ويذكر التميمي أن الأمير عبد القادر حصل على مساعدة زكي كرطوز وكيل الباي التونسي في جبل طارق، فقد قدم له العون في جمع السلاح وتنظيم الاتصالات من أجل مروره.

اهتم عبد القادر الجزائري بأدق التفاصيل عند بناء جيشه، وجاء في كتاب "وشاح الكتائب وزينة الجيش المحمدي الغالب مما أمر بتنفيذه أمير المؤمنين ناصر الملة والدين الحاج عبد القادر محيي الدين الحسني" ما نصه: نظرا لاهتمام أمير المؤمنين بجنوده، ونظرا لطيبته وعطفه عليهم، فقد خصّص لهم طبيبا بارعا، وذلك من أجل مداواتهم وتوفير كل الأدوية اللازمة لهم، ووضع للمرضى غرفة خاصة مُزودة بما يحتاجونه، مثل الطعام والأسِرّة والأغطية، ويدفع راتب الطبيب من الخزانة العامة للدولة.

كشف توجه الأمير عبد القادر في وضع أسس جيشه عن فطنة وذكاء كبيرين، فقد كان يعلم جيدا أن التجنيد العام الذي يعني مشاركة كل القبائل في المعارك ضمن كيان واحد؛ هو خطوة أساسية لبناء دولة قوية متماسكة.

لوحة فنية تُجسّد معركة المقطع التي مُني فيها الفرنسيون بهزيمة غير متوقعة على يد جيش الأمير عبد القادر

 

"الحرب بين الفرنسيين والعرب ستتوقف".. كابوس أزعج المستعمر

بدأ الأمير عبد القادر يقود معاركه ضد الجيش الفرنسي ابتداء من شهر فبراير/شباط عام 1833، وكان الأمير يحارب على جبهتين في الوقت ذاته، الأولى ضد الجيوش الفرنسية، والثانية ضد القبائل المتمردة، وعلى الجبهتين كان جيش عبد القادر يتقدم ويحقق النصر، ويزيد من تهديد سلطان فرنسا في الجزائر.

واضطرت فرنسا إلى توقيع اتفاق هدنة مع الأمير عبد القادر، وكان ذلك بأمر من الجنرال "ديميشل" الذي وقّع معاهدة عُرفت بـ"معاهدة ديميشل" في وهران، حيث اضطر الفرنسيون للتحاور معه بعد أن سدّ طرق التعامل التجاري معهم، وضيّق عليهم التنقل، وهدّدهم في أنفسهم وأملاكهم.

ونصت المعاهدة على اعتراف فرنسا بإمارة عبد القادر في الغرب الجزائري، باستثناء وهران وأرزيو ومستغانم، وحسب المادة الأولى من المعاهدة فإن "الحرب بين الفرنسيين والعرب ستتوقف"، ونصت المادة الرابعة على أن حرية التجارة ستكون "كاملة وشاملة"، وضمنت المعاهدة أيضا حصول أي أوروبي على جواز سفر يوقع عليه ممثلو الأمير حتى يتمكنوا من حمايتهم.

خذلت فرنسا الأمير عبد القادر حين وفرت الحماية لقبائل زمالة والدوائر المتمردتين عليه، وذلك بعد استبدال الجنرال "دميشل" الذي عوضه الجنرال "تريزل"، وبالتالي ألغيت المعاهدة، لكن في المقابل، وكرد على ذلك؛ توسّع الأمير عبد القادر نحو قبائل شليف ومليانة ومدية.

في العام 1835 مني الجنود الفرنسيون بهزيمة غير متوقعة على يد جيش الأمير عبد القادر فيما يعرف بمعركة المقطع، وقتل 262 جنديا فرنسيا، وجُرح أكثر من 300 آخرين، وتعتبر تلك الهزيمة أم الهزائم بالنسبة لفرنسا في بداية احتلالها للجزائر، خاصة أنها كانت على يد قائد لم يتجاوز عامه السادس والعشرين.

"معاهدة التافنة".. استراحة الفريقين وتنظيم الصفوف

خاض الأمير عبد القادر معارك كثيرة ضد الفرنسيين، مثل معركة مستغانم في العام 1833، ومعركة التافنة والسكّاك في العام 1836، ومعركة غابة كرازة في العام 1840، ثم لجأ إلى حرب العصابات في معارك أخرى مثل معركة الزمالة في العام 1843، ومعركتي جبل كركور ووادي مرسي في العام 1845.

أقض الأمير عبد القادر مضجع فرنسا، فاضطر الجنرال "بيجو" إلى عقد معاهدة ثانية مع الأمير الجزائري في شهر مايو/أيار 1836، سُميت بـ"معاهدة التافنة"، ونصت تلك المعاهدة على اعتراف الأمير بسلطة فرنسا على مدينة الجزائر ومتيجة ووهران ومستغانم وأرزيو، وفي المقابل تعترف فرنسا بإمارة عبد القادر على إقليم وهران وإقليم التيطري والأجزاء التي لم تسيطر عليها فرنسا.

ضمنت فرنسا بتلك المعاهدة تفرغها لإخماد مقاومة أحمد باي في شرق الجزائر، وربح الوقت لوصول الإمدادات العسكرية، في حين أراد الأمير عبد القادر تخفيف وقع الهجوم الشرس الذي قاده الفرنسيون على السكان، واستغلال الوقت لإصلاح بلاده وترميم حصونه التي دمرتها المعارك.

وفي فترة الهدنة قام الأمير عبد القادر بإصلاحات كثيرة، وذلك بتشكيل مجلس وزاري مُصغّر يترأسه رئيس وزراء، ويتكون المجلس من نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية ووزير الخزينة الخاصة ووزير الأوقاف، وبنى خلال عامين من الهدنة الحصون وورشات الأسلحة، وتمكن من ربط علاقات دبلوماسية مع بعض الدول.

لوحة للرسام "جان بابتيست هويسمانس" تُظهر مسيحيون يستجيرون بالأمير عبد القادر في باب توما في دمشق من بطش الدروز

 

تهاوي الدولة وبداية المنافي.. ظلال الغدر الفرنسي

لم تدم الهدنة بين الأمير وفرنسا طويلا، فقد خرق الماريشال "فالي" معاهدة التافنة، وشنّت فرنسا حربا شرسة على المدنيين، وأحرقت تاقدمت عاصمة الأمير عبد القادر في العام 1841، وسقطت الزمالة عاصمة الأمير المتنقلة في أيدي الفرنسيين في العام 1843، فبدأت قوة دولة عبد القادر في الانهيار، ثم لجأ إلى المغرب في العام 1843، فكان ذلك نذيرا بتهاوي دولته.

لم يطل لجوء عبد القادر الجزائري في المغرب، فقد طرده السلطان المغربي بعد أن قصفت فرنسا مدينتي طنجة والصويرة، فعاد الأمير إلى الجزائر في العام 1845، وحاول إعادة تنظيم صفوف المقاومة، غير أنه استسلم في العام 1847، ووضع شروطا من أجل الاستسلام، منها عدم مساس الجنود الفرنسيين بمن قاتلوا في جيش الأمير عبد القادر، والسماح لهم بالعودة إلى قبائلهم، كما اشترط السماح له بالهجرة إلى فلسطين أو إلى مصر، غير أن فرنسا اقتادته نحو المنفى في تولون بفرنسا في العام 1848.

قضى الأمير عبد القادر سنوات منفاه في ظروف سيئة، وفي العام 1856 أطلق الإمبراطور نابليون الثالث سراح عبد القادر مقابل عدم عودته إلى الجزائر لتأجيج المقاومة هناك، وتوجه الأمير نحو منفى جديد في بورصة بتركيا، ثم انتقل إلى سوريا في العام 1855.

رفات الأمير عبد القادر الجزائري القادم من سوريا إلى الجزائر عام 1965

 

"هو أحد أعظم الشخصيات في عصرنا".. شهادات الأعداء

في شهر يونيو/حزيران الماضي، علّقت السلطات الجزائرية نشاط قناة الحياة الجزائرية بعد بثها تصريحا لنائب جزائري اتهم فيه الأمير عبد القادر بخيانة الجزائر وتسليمها للفرنسيين، ولم يكن قرار السلطة الجزائرية مفاجئا، فالأمير الجزائري خط أحمر، فهو باني الدولة الحديثة، وأول من قاد معارك حقيقية ضد الاستعمار الفرنسي، ولم يطمع في المُلك ولم يبتغ الثراء.

في الواقع لم يكن الجزائريون وحدهم من احترم الأمير، فقد مجدّه أعداؤه أيضا، وأورد الكاتب "هنري تيسيي" صاحب كتاب "الأمير عبد القادر" أن الجنرال "توماس روبار بوجو" حاكم الجزائر قال في إحدى شهاداته عن الأمير: عبد القادر كان رجلا عبقريا، بالتأكيد هو أحد أعظم الشخصيات في عصرنا، إنه أكثر بكثير من مجرد خطيب عادي، لقد صُنّف من الأنبياء، وهو أمل المسلمين الأتقياء.

كما وصفه الماريشال الفرنسي "جان دو ديو سولت" بالقول: يوجد حاليا ثلاثة رجال فقط في العالم مؤهلين شرعيا ليكونوا عظماء، هم عبد القادر ومحمد علي والإمام شامل.

وشبهه "فرانسوا غيزو" وزير الخارجية الفرنسي بالقائد التاريخي يوغرطة (ملك نوميدي حكم قبل الميلاد)، بل هو أفضل منه حسب وصفه، وقال "غيزو": يوغرطة لم يكن أكثر مهارة ولا جرأة من هذا الرجل، إن قصة عبد القادر تستحق أن تُروى.

يذكر "هنري تيسيي" مؤلف كتاب "الأمير عبد القادر" أنه حين نقل الأمير إلى سجن "بو" في فرنسا، احتج سكان المنطقة هناك على وجود الأمير في مدينتهم، لكن بعد عدة أشهر قررت فرنسا نقله إلى معتقل "أمبواز"، فتجمع الحشد ذاته على حاشيات الطرقات لتحيته إجلالا واحتراما.

حظي الأمير عبد القادر بتقدير كل من اختلف معه، وحين انتقل إلى منفاه في سوريا، ظلّ أميرا حتى وإن أبيدت إمارته، فأجار المستضعفين من غير دينه، ويذكر التاريخ حادثة باب توما بسوريا، حين استجار مسيحيون هناك به من بطش الدروز في العام 1860، فآوى المئات منهم في بيته وفي بيت كل من يعرفه، ووثق الرسام البلجيكي "جان باتيست هويسمانس" تلك الحادثة في إحدى لوحاته الرائعة.

في العام 1966، وبعد مرور أكثر من ثمانين عاما على وفاته؛ عاد الأمير عبد القادر إلى إمارته على أعناق أكبر قادة المقاومة الجزائرية، تاركا قبره المجاور لمحيي الدين ابن عربي أكبر شيوخ الصوفية، ومنذ ذلك الحين زرعت تماثيله في الساحات، أينما وصل صيته في أقاصي الأرض.

ذات صلة