بورتريه

ثورة الحراشي.. يا الرّايح وين مسافر

 

خاص-الوثائقية

يا الرَّايح وين مسافر
تروح تعيّ وتولّي
إشحال ندْمو لعْباد الغافلين قبلك وقبلي
إشحال شفت البلدان العامرين والبر الخالي
إشحال ضيعت أوقات
وإشحال تزيد ما زال تخلّي..

في أقصى الشمال الفرنسي تقع مدينة لِيلْ وتعتبر مركزا مهما لصناعة النسيج ودور الطباعة، فيما تستلقي بلدة الحراش شرق العاصمة الجزائر قرب القصبة حيث يتسع المكان لأزمنة متباعدة وتنسجم في حضنه حضارات الرومان والأمازيغ والأندلسيين.

وبين لِيلْ والقصبة والحراش، تتجول كاميرا الجزيرة الوثائقية لتحكي قصة من الكفاح والغربة والحنين والوجع في فيلم بعنوان ”ثورة الحراشي.. يا الرّايح وين مسافر“.

هذه القصة بطلها المغني والعازف ”دحمان الحراشي“ رائد الأغنية الشعبية في الجزائر الذي جسدت أغانيه هموم الشباب قبل وبعد الاستقلال.

قبل ازدهار الأغنية الشعبية كانت أنماط الموسيقى الأندلسية هي السائدة في الجزائر إلى جانب موسيقى المدينة والريف.

وفي عشرينيات القرن الماضي جاء المغني القدير الشيخ ناطور ليضيف للموسيقى الأندلسية أسلوبا جديدا، وتبعه محمد العنقة فخرج بالأغنية الشعبية إلى المقاهي وسطوح المنازل.

ويروي سعيد الباجي –نجل الفنان الشعبي محمد الباجي- أنه إبان الاحتلال الفرنسي كان عدد فناني ”الشعبي“ لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

ميلاد نجم

في عام 1926 ولد عبد الرحمن عمراني (دحمان) في حي الأبيار بمدينة الحراش وكان والده مؤذنا، وتشكلت طفولته في بيئة متواضعة وسط عائلة تضم 11 فردا.

وقع في حب الموسيقى في مرحلة مبكرة من طفولته وعمل ماسحا للأحذية في الحراش ثم بائعا للتذاكر في القطار.

لكن القطار أقل الشاب الانعزالي إلى فرنسا، ولاحقا استقر في مدينة ليل، وهناك حلم وتألم وبكى واستبكى وعزف وغنى، وما لبث أن تحول إلى نجم أعطى عمقا جديدا للموسيقى الشعبية في الجزائر.

وفي مشاركته بالوثائقي، يقول الملحن والمغني كمال حمادي إن ”الموسيقى الشعبية ولدت في القصبة وكل المغنين أتو من هناك مثل الشيخ ناطور والحاج مريزق والحاج محمد العنقة وخليفة بلقاسم والحاج منور“.

ويلفت الباحث في مجال الأغنية الشعبية مهدي براشد إلى أنه لسنوات عديدة ظل العنقة شيخ الحارة وسيد الأغنية الشعبية في الجزائر، وكانت كلمات الأغاني ممتدة من الشعر الأندلسي في الغالب.

لكن دحمان الحراشي ترك ذلك وراء ظهره، وخرج على الحدود التي رسمها العنقة للأغنية الشعبية، فـأعطاها عمقا شعبيا ولونا موسيقيا جديدا.

ويروي الفنان العالمي الشاب خالد أنه ”بالنسبة للجزائريين دحمان الحراشي كان يؤلف موسيقى وكلمات مختلفة بعيدة عما اعتمده العنقة“.

لقد كان دحمان يغني باللهجة العامية أو ما يعرف بلغة الشارع، ولذلك تقبله الناس وأحسوا بقربه منهم.

مقاهي المهجر

أما ”محمد رشيدي“ عميد عازفي الكمان والملقب بشيخ الناموس فيتحدث في الوثائقي عن تاريخ الحراشي في العزف وكيف انتقل من صحبة آلة البانغو إلى الماندولين.

يعود الفضل في نجومية الحراشي للفنانين محمد الكمال والشيخ حسناوي ومحمد بلغوشم الذين استحدثوا فكرة إحياء الحفلات الموسيقية في مقاهٍ فرنسية، وكانوا يغنون للمغتربين الجزائريين، ويومها تكوّن هذا الكنز الثمين من الأغاني.

ويروي أصدقاء دحمان الحراشي أنه رفض في البداية تسجيل الأغاني إذ كان يرى صوته خشنا.

وفي عام 1951 سجل ”البهجة البيضاء“ وهي أغنيته الأولى، وقد لقيت نجاحا كبيرا شجّعه على المواصلة وإحياء الحفلات للمغتربين الجزائريين، فيما وجدت أسطواناته طريقها لمختلف مدن الجزائر.

ومن مقاهي الجزائريين في فرنسا يتنقل الوثائقي إلى القصبة ليعرض صورا لجنود فرنسيين ينكّلون بالناس ويحرضونهم على عداء الجبهة الوطنية للتحرير.

وتعكس هذه الصور عمق محنة المغتربين الجزائريين، فقد منعهم المستعمر حينها من الحصول على فرص عمل، مما أجبرهم على الهجرة والعيش خارج وطن يسكنهم حبه ويتغنون بثورته وتحرره.

ويروي كمال عمراني أن والده دحمان مر بظروف صعبة في غربته ولكنه اكتسب خبرات كثيرة.

أما عبد القادر لبجاوي فيقول إن صديقه دحمان الحراشي مر بظروف صعبة لكنه عاش بكرامته.

تغلب دحمان على هذه العقبات لاحقا وتحول إلى نجم، وبعد 1962 واستقلال الجزائر في يوم مشهود بدأ الحراشي ينتج أغانيه وباتت تُسمع في البحر والمقاهي.

مع الناس

وفي تجولها بين أزقة ومقاهي الحراش تحدثت الجزيرة الوثائقية للناس العاديين الذين أحبوا أغاني دحمان وكبروا معها ولا تزال بالنسبة لهم مصدر إلهام وحكمة وفرصة لمراجعة الذات.

يحمل دحمان هموم الناس وآفات المجتمع، ويبكي لضياع الشباب في الغربة وتعاطيهم المخدرات وإفراطهم في تناول الخمر، وهذا النهج التوجيهي تجسده أغنيته:

يا كاسي علاش راك زايدلي في الدمار
أنت هو سباب ضري
تبعت هواك كل يوم تسقيني بالمرار
وأنا معاك راح صغري
ما نسمحلك طول عمري
علجالك طاح قدري
ما فيك آمان ما دريت شرابك غدار..

وتعليقا على الدور التوعوي الذي لعبه دحمان الحراشي، يقول الشاب خالد ”هؤلاء الفنانون أطباء أو فلاسفة“.

ويقول كمال عمراني ”والدي كتب عن كل شيء، تكلم عن كل شيء، وطرح المواضيع الإنسانية، لم يترك موضوعا واحدا لم يتناوله“.

وحتى هذا الوقت لا تزال أغنية ”يا الرّايح وين مسافر“ تهز وجدان الشاب الجزائري وتقدم دروسا وعبرا في الانتماء والتجذر وضرورة العودة لحضن الوطن.

وهذه الأغنية ربطت المهاجرين بوطنهم وشحنتهم بحب الجزائر على مدى عقود.

لم يكن دحمان يتصور حياة بعيدة عن زغاريد النسوة وأسطح الحراش ومقاهيها، ولذلك عاد للجزائر في سبعينيات القرن الماضي.

عُرف دحمان بحبه للأساطير والأمثال والحكم وبها يستهل أغانيه. ويقول نجله ووريثه في الغناء كمال عمراني ”أغانيه لا تتشابه، شعره مختلف وموسيقاه متنوعة، هذا شيء رائع لا يمكن لأي شخص القيام به“.

المحطة الأخيرة

كان دحمان الحراشي محبوبا في وهران و“بجاية“ والعاصمة الجزائر وكل أنحاء البلاد وحتى في تونس. وفي عام 1980 عاد للجرائر مرة أخرى وغنى لجمهوره وأصدقائه:

يا بحر الغامق ماذا ادّيت رجال ونسوان
شــابات وشــبان صبيّــات وصبيـــــــــان
ملّي ادّيتوا خيّيي بسفينتو
ما بان اويلي ما بان اويلي
ملّي خرج في الصبحية
ما رجعشِ في العشية
سألت أحبابه البحرية حتى خبر ما بان
يا بحر الطوفان..

لكن دحمان الحراشي نفسه خرج في الصباح ولم يعد في العشية. كان ذلك في الصيف وعلى سواحل العاصمة الجزائرية.

تروي عائلة الحراشي أنه خرج في الصباح لمهمة عمل وعندما حل المساء كان الناس يبكون ويصبّر بعضهم البعض، فقد مات بالقرب من القصبة حيث تشكلت طفولته وسط سحر الحضارات والزغاريد والأساطير.

وبرحيله فقدت الجزائر مرشد المغتربين ورائد الأغنية الشعبية، ولكن الناس لا تزال تسمع أغانيه وتترحم عليه كل يوم.

ويختم سعيد الباجي حديثه عن الحراشي بالقول ”سجلّه يؤكد أنه رجل عبقري، عمي دحمان كان رمزا للشعب الجزائري وللموسيقى الشعبية“.