بورتريه

جمال عبد الناصر.. قبعة المحارب ومنجل الفلاح وسوط السجّان

 

أمين حبلا

في الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول 1970، وبعد يوم شاق من المفاوضات بشأن أحداث أيلول الأسود، وبعد وداع للملك الأردني الحسين بن طلال، وتسوية أزمته المتوترة مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، عاد عبد الناصر إلى منزله بالقصر الرئاسي، وبعد ساعات قليلة أعلن عن وفاته.

وكما انتهت حياته بأمل المصالحة العربية، ورأب الصدوع في الجسد العربي، كانت تلك بدايته أيضا، فهي مهمة أساسية وهب لها حياته التي لم يتوقف عدادها عند السنة الثانية والخمسين.

وما بين البداية والنهاية خط الرجل لنفسه سيرة ذاتية لرجل غيّر مسار التاريخ في أرض الفراعنة، وحوّل نظام المملكة الوراثية إلى نظام القبعات العسكرية الشمولي، وصنع لنفسه انتصارات داخلية خلدتها أسفار مصر، ومنّي بهزائم خارجية بقيت وصمة في سيرته، وفي وسط كل ذلك كان الرجل القوي الذي جمع كثيرا من المريدين وصنع كثيرا من الأعداء.

 

وفاة الزعيم.. نهاية بين هتافات المريدين وصرخات الأعداء

كان عبد الناصر ملهم الجماهير الكادحة في العالم العربي، ونصير الجياع والفلاحين، وصوت الشباب الثائر من المحيط إلى الخليج، وكانت وفاته خسارة جسيمة وانهيارا للثروة وتعزيزا للرجعية التي حاربها طيلة مسيرته ورئاسته الثورية.

هكذا تحدث أنصاره ومحبوه وتغنى شعراء الناصرية ومفكروها، أما خصومها ونقاد الثورة العربية، فقد رأى بعضهم في عبد الناصر زعيما عربيا أخفق في قيادة الثورة وصناعة النصر وتحقيق الوحدة، بينما يرفع آخرون الصوت من سجونهم ومنافيهم، ليهتفوا بأن عبد الناصر كان ديكتاتوريا عنيفا ومستبدا قاتلا، بنى قوته السياسية ومركزه الجماهيري على قوائم من أنات ونحيب السجناء والمشردين.

لقد كان عبد الناصر صوتا عربيا يأبى الخروج من دائرة التأثير في ماضي وحاضر العالم العربي، ولا تزال أسئلته الكبرى ومشاريعه الثورية وآماله الوحدوية، وآفاقه التي فتح أمام الفقراء والمهمشين، تدق بقوة جدران الواقع العربي.

 

حي باكوس.. ضيف جديد في منزل موظف البريد

كان حي باكوس بالإسكندرية على موعد مع ساكن جديد، في 15 يناير/كانون الثاني 1918، حين تنسم جمال عبد الناصر عبق الحياة أول مرة، وعلى شواطئ الإسكندرية بدأ الطفل الذي سيكون بعد ذلك أبرز رجال القومية العربية المعاصرة، خطواته الأولى نحو الحياة.

ولد جمال عبد الناصر لأب يعمل في مصلحة البريد، وينتمي إلى طبقة صغار الموظفين، ولأم ريفية من عامة الشعب، وتربى في حضن أسرته التي تعود جذورها إلى بلدة بني مر بمحافظة أسيوط، وعاش في الإسكندرية عاش طفولته الأولى، حيث درس الابتدائية والثانوية، قبل أن يلتحق بالكلية العسكرية في دفعة استثنائية، بعد أن استطاع الحصول على شهادة في القانون.

كانت تلك هي المحاولة الثانية للدخول إلى المؤسسة العسكرية، بعد أن أخفق في الأولى وهو في ربيعه التاسع عشرة.

 

ضابط سلاح المشاة في عصر الاستعمار.. رؤية قومية ثائرة

في طفولة عبد الناصر وفتوته، كانت روح الثورة متأججة، وكان الشاب الذي يحمل كراريسه إلى المدرسة يوميا يجد نفسه دائما في صدام وتنافر نفسي دائم مع الاستعمار البريطاني الجاثم يومها على صدور المصريين، أما أرض الكنانة، فقد كانت أيام ميلاد عبد الناصر، وخلال السنوات التي سبقت ذلك، تعيش على إيقاع ثورة أحمد عرابي التي هزت مصر من وجهيها القبلي والبحري.

تلقى الشاب جمال دروسه العسكرية على يد ضباط بريطانيين، ولم يكن ينظر إليهم بعين الاحتفاء ولا التقدير، ولكنه صبر على التدريب ومصاعبه، فقد كان يحمل مشروعا عسكريا خاصا أخذ ملامحه النهائية بداية الخمسينيات.

في سنة 1938 تخرج الشاب جمال ضابطا، وعين في سلاح المشاة في أسيوط والإسكندرية، قبل أن ينقل إلى السودان، وهناك بدأت الرؤية الثورية والمشروع الانقلابي يتضح ويتبلور أكثر عند عبد الناصر، كما بدأ ينسج الخيوط الأولى لتنظيم الضباط الأحرار الذي سيكتب باللهب والدماء تاريخ ما بعد الملكية في مصر.

وفي هذه الفترة تأسست بشكل متوهج وقوي المبادئ القومية عند عبد الناصر الذي كان ينظر إلى الأمة العربية باعتبارها جزرا متباعدة، يمكن أن تتحول إلى موج هادر وبحر خضم قادر على صناعة التغيير، وإثبات أن العرب قوة عالمية، وأمة واحدة ذات رسالة خالدة قد تضعف، لكنها لا تموت.

 

حصار الفالوجة.. رصاصة في صدر القائد يتبعها انتصار

لقد كانت سنوات عقد الأربعينيات سنوات مفصلية في التوجهات الفكرية والقومية لعبد الناصر، خصوصا بعد تحويله أستاذا في الكلية الحربية بالقاهرة، وهو ما مكنه من العمل بهدوء على تطوير وتفعيل ما يمكن من درجات وخطط تنظيم الضباط الأحرار الذي تعزز وتوسع خلال سنوات النكبة وما بعدها.

تلك السنوات كانت خاصة ومؤثرة في حياة عبد الناصر، فقد نقل إلى الجبهة لمواجهة العدو الإسرائيلي، وحوصرت كتيبته في الفالوجة، كما أصيب برصاصة في الصدر، وعالجه جنوده من تلك الإصابة الغائرة، في تلك المواجهة استطاع عبد الناصر أن يحقق انتصارا على إحدى الوحدات العسكرية الإسرائيلية، وقد دون عن ذلك في كتابه أسرار الثورة.

أصبحت الظروف الصحية يومها للقائد جمال تمنعه من المواجهة الميدانية، لكنه نال نصيبه من الجراح. وفي وقت لاحق في أيام نحسات متعددة، سينهزم عبد الناصر هزائم متتالية أمام العدو الإسرائيلي وحلفائه في العدوان الثلاثي سنة 1956، وكذا في سنة 1967، لكنه سيحقق انتصارات في ميادين ومجالات أخرى.

عبد الناصر إلى يمين محمد نجيب في أحد اجتماعات الضباط الأحرار بعيد الانقلاب على الملك فاروق

 

تنظيم الضباط الأحرار.. اجتماع تأسيسي في منزل عبد الناصر

لا يمكن التقليل من تأثير حركة الضباط الأحرار على تاريخ مصر الحديث، فقد صبغت تلك الحركة الحاضر السياسي والاجتماعي والاقتصادي لمصر بملامح ثورية بارزة، ونقلت مصر من ملكية جبرية إلى جمهورية جبرية كذلك، وكان من أبرز الفروق بين النظامين أن توريث الحكم انتقل من الأسرة الخديوية إلى المؤسسة العسكرية، وبين ذلك تغييرات وهزات كبيرة للمجتمع والدولة والسياسة في مصر.

وقد كان لعبد الناصر الدور الأساسي في تأسيس تنظيم الضباط الأحرار، واستضاف في منزله بكوبري القبة في القاهرة أول اجتماع تأسيسي للضباط سنة 1949، وكان فيه عدد كبير من مختلف ضباط الجيش المصري وتوجهاته، ممن سيكون لهم لاحقا دور أساسي في تسيير مصر ما بعد الثورة، كما ترأس بعد ذلك سنة 1950 الهيئة التأسيسية للضباط بعد أن زاد عددهم وتوسعت دائرتهم.

وقد ضم الرعيل الأول من الضباط الأحرار ضباطا مرموقين من بينهم جمال عبد الناصر، وعبد الحكيم عامر، ويوسف صديق، ومحمد نجيب، ومحمد أنور السادات، وحسين الشافعي وغيرهم.

كانت اللقاءات الأولى للضباط الأحرار بالغة الأهمية، وأطلقت شرارة الثورة، وكان عبد الناصر يرى أن طول النفس والتأسيس المتقن، سيضمن نجاح الثورة في موعدها المحدد سنة 1956.

وفي العام 1952 اختار الضباط الأحرار اللواء محمد نجيب قائدا للتنظيم، وقد كان اختياره دافعا لعشرات الضباط الكبار للالتحاق بالتنظيم المذكور، لما يحظى به نجيب من احترام وسمعة طيبة في الميدانين العسكري والمدني، حيث كان الضباط والجنود يعتبرونه مثالا لصرامة العسكري، وشرف الجندي، ويرى فيه المدنيون مواطنا من الطراز العالي المؤمن بمصر وحريتها.

لقد سارت خطوات الزمن متسارعة، ووجد الضباط الأحرار أنفسهم مرغمين على تنفيذ انقلابهم العسكري، بعد أن تسربت أنباء تحركهم، وجرى حديث واسع عن سعي القصر وملكه فاروق للانقضاض عليهم في أسرع وقت.

 

محمد أنور السادات.. قراءة بيان الثورة الأول وميلاد الجمهورية

في ليلة الثالث والعشرين من يوليو/ تموز 1952، أطلق الضابط يوسف صديق الشرارة الأولى للانقلاب، بالاستيلاء على مقر أركان الجيش، والقبض على كل من فيه من قيادات، لتتحرك بعد ذلك مختلف وحدات الضباط، ولتضع القصر في مواجهة صريحة وواضحة مع الجيش الذي وقع تحت قبضة الضباط الأحرار.

وفي فجر الثالث والعشرين قرأ الضابط محمد أنور السادات بيان الثورة الذي كتبه الضابط جمال حماد، لتخرج مصر بذلك من الحقبة الملكية وتبدأ النظام الجمهوري.

وقد تأسس مجلس قيادة الثورة من محمد نجيب، وجمال عبد الناصر، وأنور السادات، وحسن إبراهيم، وحسين الشافعي، وجمال سالم، وزكريا محيي الدين، وصلاح سالم، وعبد الحكيم عامر، وعبد اللطيف البغدادي، وخالد محيي الدين، وكمال الدين حسين، ويوسف صديق، وعبد المنعم أمين، وعبد المنعم عبد الرؤوف.

 

رجل الظل الطموح.. تحكم بقرارات مجلس الثورة يحاصر الرئيس

بدأ النظام المصري الجديد قراراته الثورية بقيادة اللواء محمد نجيب، وكان عبد الناصر في عمق دائرة التأثير، ولكنه كان رجل الظل الذي يعمل بتخطيط وهدوء من أجل التحكم أكثر، وترقب الفرصة المواتية للقفز إلى سدة الحكم.

وخلال السنتين اللتين قضاهما اللواء محمد نجيب أعلن مجلس قيادة الثورة قرارات هزت الواقع والوجدان المصري، ومنها على سبيل المثال:

–      إلغاء الملكية والتوجه إلى النظام الجمهوري.

–      إلغاء الرتب والألقاب المدنية التي كانت تميز الشعب المصري بين الباشوات النبلاء والحرافيش من أبناء الحارات والقرى والكادحين.

–      تطهير الإدارات الحكومية، وتصفية أنصار الملكية، وزرع الموظفين الجدد التابعين للثورة.

–      قانون الإصلاح الزراعي الذي حول ملايين المزارعين من أجراء إلى ملاك حقيقيين للأرض، منهيا بذلك قرونا عديدة من سيطرة النبلاء والإقطاعيين على الأراضي.

–      إلغاء دستور 1923.

–      إلغاء الأحزاب والجمعيات السياسية.

ولم تكن هاتان السنتان اللتان قضاهما محمد نجيب في الحكم سنتي وفاق وتكامل بين مجلس قيادة الثورة، فقد كان نجيب يرى أنه محاصر بقوة وطموح عبد الناصر، الذي استطاع تجميع قيادة الثورة من حوله، حيث كان نجيب يرى ضرورة خروج العسكر من السلطة، وتنظيم انتخابات رئاسية ونيابية، ليحكم مصر رئيس مدني، أما عبد الناصر فقد كان يرى أن الأمر هو ثورة عسكرية وينبغي أن تواصل مهامها حتى بلوغ غايتها في التحرير والتنظيم والعمل.

محمد نجيب يتولى رئاسة مصر بعد انقلاب 52

 

انقلاب داخل الانقلاب.. حين تأكل الثورة أبناءها

اختلف نجيب وعبد الناصر كثيرا، وخصوصا في ترقية الصاغ عبد الحكيم عامر إلى رتبة لواء بشكل مباشر، حيث كان عبد الناصر حريصا جدا على هذه الترقية سعيا إلى تعيين عبد الحكيم عامر قائدا عاما للجيش، وبعد فترة من الممانعة رضح نجيب للأمر الواقع، وحصل عامر على ترقية استثنائية، متجاوزا بذلك مئات الضباط من أصحاب الرتب العالية.

بدأت الثورة تأكل أبناءها، وبدأت أنيابها تقضم صلاحيات محمد نجيب، فاستقال بداية 1954، قبل أن تعيده الجماهير الغاضبة، لكن سطوة عبد الناصر كانت قد تعززت أكثر، وكان نجيب يرى أن الثورة أطاحت بملك واحد، وجاءت بثلاثة عشر ملكا جديدا، فقد كان ينتقد حمى الثراء التي انتشرت بين صفوف قادة الثورة الذي غيروا سياراتهم العتيقة ومنازلهم المتواضعة إلى سيارات فارهة وقصور مما تركت الأسرة المالكة.

كان رجال الثورة يعملون بهدوء وتخطيط بعيدا عن نجيب، لدرجة أن بعض الضباط رفضوا أداء اليمين الدستورية أمامه، وهكذا أصبح رئيسا بدون صلاحيات وبدون أصدقاء من المؤسسة العسكرية التي كان نجمها ورجلها الأول.

وفي 25 فبراير/شباط استقال الرئيس محمد نجيب، واتهمه مجلس قيادة الثورة بالسعي للديكتاتورية، وأنه لم يكن من الضباط الأحرار وأن التحاقه بهم كان في ليلة الانقلاب لا أكثر.

خرجت الجماهير الغاضبة في مصر والسودان مدة ثلاثة أيام تهتف باسم نجيب، وتوزعت المؤسسة العسكرية بين داعمين له ومناصرين لبقية أعضاء قيادة الثورة، وانتهى الأمر بعودته إلى الحكم، قبل أن يخرج من السلطة بعد ذلك مكرها في 14 نوفمبر/تشرين الأول 1954 حينما أبلغه اللواء عبد الحكيم عامر بأن مجلس قيادة الثورة قرر إقالته وإحالته للإقامة الجبرية في فيلا زينب الوكيل، وهي الإقامة التي مكث فيها 27 سنة، قبل أن يخرج منها جنازة محمولا على الأعناق.

وطوال تلك السنوات ظل محمد نجيب محروما من الخروج، أو التصريح الإعلامي، كما شطب على اسمه من ذاكرة مصر الرسمية.

حادثة المنشة الشهيرة التي ذهب ضحيتها عدد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمبن بتهمة التدبير والتنفيذ

 

حادثة المنشية.. بداية ديكتاتورية الملهم المحبوب

تولى عبد الناصر بشكل استثنائي مهام رئيس الجمهورية بعد الإطاحة بمحمد نجيب، واستمر في ذلك المنصب إلى يونيو/حزيران 1956، حيث فاز في الانتخابات الرئاسية بأعلى نسبة تصويت شعبي بلغت 99.8 من أصوات خمسة ملايين مصري أدلوا برأيهم في الاستفتاء الرئاسي، وهي النتيجة التي ستتكرر بعد ذلك في كل الاستفتاءات على حكم العسكر.

بدأت مصر عهدا جديدا، حيث ألغى عبد الناصر مجلس قيادة الثورة، وبدأ عهده المدني الجديد، ودخلت مصر صفحة جديدة من كتاب تاريخها المضطرب. ولم تكن سنة 1954 لتمر دون أن تترك بصمتها في التاريخ السياسي لأرض الكنانة، حيث كانت حادثة المنشية المشهورة التي اتهم فيها جمال عبد الناصر حركة الإخوان المسلمين بتدبير محاولة لاغتياله في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1954، خلال عرض عسكري بميدان المنشية في الإسكندرية.

وبدأت الثورة تنتقم من المتهمين المفترضين، واتسعت سجون مصر لآلاف المعتقلين، وكان معظمهم من الإخوان المسلمين الذي كتبوا لاحقا عن فظائع غير مسبوقة -تعذيبا وتنكيلا وقتلا- تعرض لها سجناؤهم في الزنازين الناصرية.

وقد أكسبت حادثة المنشية جمال عبد الناصر زخما سياسيا كبيرا وتضامنا شعبيا واسعا، وحركت الدولة أجهزتها السياسية والأمنية لتعزيز وتوجيه هذا التضامن، خصوصا في اتجاه التخلص من جماعة الإخوان المسلمين التي اعتبرها عبد الناصر خصمه اللدود وعدوه الأبرز طيلة فترة حكمه، والتاريخ اليوم يعيد نفسه.

وبعد تلك الحادثة، أصبح جمال زعيم مصر الأول، متجاوزا بذلك الصورة الرمزية التي كان يتمتع بها سلفه المطاح به محمد نجيب.

قرار تأميم قناة السويس أحالإنجازات القليلة التي سجلت في تاريخ عبد الناصر

 

تأميم قناة السويس.. قرارات ثورية تشعل العدوان الثلاثي

كان قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس يوم 26 يوليو/تموز 1956، وإنشاء السد العالي أهم قرارات مصر عبد الناصر التاريخية، حيث كانت تلك القناة ولا تزال تتحكم في أجزاء كبيرة من التجارة العالمية، وقد أثار هذا التأميم غضب دول غربية كبرى، وكان سببا للعدوان الثلاثي على مصر، من الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل في ديسمبر/كانون أول، من عام 1956، ونتيجة للمقاومة الرسمية والشعبية والتدخل السوفياتي الصارم، انتهى العدوان دون أن يحقق أهدافه، وتعززت توجهات عبد الناصر الاشتراكية، وتوجه أكثر تلقاء المعسكر الشرقي.

لم يكن تأميم قناة السويس ولا تشييد السد العالي الإنجاز الوحيد في مصر الناصرية، فقد انتشرت المصانع المتعددة في مختلف مناطق مصر، وتعززت حركة العمران والإنشاءات وترقى الاقتصاد المصري، واستطاع عبور كثير من محنه وهزاته.

وفي سنوات ما بعد نجيب تحول عبد الناصر إلى زعيم قومي عربي مؤثر، وخصوصا إثر نشاطه الهائل في احتواء ودعم هيئات التحرر العربية والعالمية، حيث أصبحت مصر العاصمة العالمية لحركات التحرر العربية، قبل أن يؤسس برفقة عدد من الزعماء منظمة دول عدم الانحياز التي سعت لأن تكون قطبا وسيطا بين القطبين الكبيرين؛ الغرب والاتحاد السوفياتي، رغم أن مصر يومها كانت أقرب بالفعل إلى المعسكر الشرقي بقيادة روسيا.

وقد عززت المطامع والرؤى القومية لعبد الناصر آمال الوحدة العربية، لكن هذه الوحدة جاءت مرة أخرى في سياق صراع المحاور، فكانت الوحدة بين مصر وسوريا، ردا على محور الوحدة بين المملكة الأردنية والعراق، قبل أن تنتهي مشاريع الوحدات المتكررة، بانفصال السودان عن مصر، وانفصام عرى الوحدة بين مصر وسوريا، وتعزيز الشروخ القُطرية.

بعد هزمته ف حزران/يونيو 67، قدم عبد الناصر استقالته أمام الجماهير التي تظاهرت ببقائه

 

عام النكسة.. استقالة عبد الناصر بعد هزيمة مؤلمة

كان العدوان الثلاثي درسا قاسيا ومؤلما، لكنه عزز انتماء مصر إلى ذاتها العربية وتوجهاتها الاشتراكية، وفرض عليها اختيار حلفائها وعلاقاتها الدبلوماسية، وصنع لها معاريج شعبية هائلة، فأصبح جمال أحد رموز التحرر، وأحد أكثر شخصيات العالم الثالث قوة وتأثيرا.

كان عبد الناصر قويا وواضحا في عدائه لإسرائيل، وكانت هي أيضا حريصة جدا على تدمير قوة عبد الناصر والنيل منها، كلما استطاعت لذلك سبيلا، وفي المحصلة كانت الهزيمة من نصيب عبد الناصر إثر الضربة المفاجئة التي نفذتها إسرائيل مع في مايو/أيار 1967 ضد الأراضي السورية، قبل أن يتدخل عبد الناصر بإغلاق مضايق تيران في البحر الأحمر أمام الملاحة الإسرائيلية، لترد تل أبيب بعدوان عنيف على الأراضي العربية في 5 يونيو/حزيران 1967.

وقد عرفت تلك الضربة بالنكسة، وبالفعل كانت نكسة هائلة جدا، فقد ألحقت هزيمة منكرة بمصر والأردن وسوريا، واحتلت خلالها سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية.

كانت الهزيمة جرحا غائرا إلى أقصى درجة في روح الثورة والوجدان العربي، وفي صميم الناصرية، وفي كرامة عبد الناصر الذي أعلن على إثرها تحمل مسؤوليته والاستقالة من السلطة.

كان قرار الاستقالة صعبا جدا كما يروى محمد حسنين هيكل في مذكراته وفي شهاداته المسجلة على قناة الجزيرة، وانتهى برفض جماهيري له، ونال عبد الناصر التفافا شعبيا بعد تلك الخطوة، وتضامنا من الجماهير المؤيدة له، رغم أن هذا التضامن الشعبي الواسع لم يعد حصاة واحدة من الأراضي العربية المحتلة سنة 1967.

مباحثات السلام.. مرارة الحقيقة وتضعضع سقف الممانعة

إذا كان عبد الناصر قد خرج من نكسة يونيو/حزيران بشعبية وقوة سياسية عارمة رغم حجم النكسة ومرارة الهزيمة، فإنه أبصر بوضوح هشاشة مصر عسكريا وأمنيا في تلك الفترة، فبدأ إعادة بناء المؤسسة العسكرية، وتعزيز وسائلها وقدراتها في التسليح والاستخبارات، كما حط من سقف ممانعته السياسية، فوافق على مشروع روجرز الذي يهدف إلى إطلاق مباحثات سلام تحت إشراف الأمم المتحدة بين إسرائيل والدول العربية، سعيا إلى انسحاب تل أبيب من الأراضي المحتلة في 1967.

وقد وافقت مصر والأردن على هذه المبادرة، ورفضتها بقية الدول العربية، ومنظمة التحرير الفلسطينية التي رأت في ذلك القبول اعترافا ضمنيا بدولة إسرائيل، وتنازلا عن تحرير الأراضي المحتلة سنة 1948، ومنعا لعمل المقاومة من خلال النص على وقف إطلاق النار.

كانت المبادرة محور اهتمام الساسة والجماهير عام 1970، وانتهت نقاشاتها إلى أيلول الأسود، حيث أكلت النيران الغاضبة أجساد الفلسطينيين والأردنيين، بعد أن توجهت البنادق العربية إلى نحور الشعبين الشقيقين.

جانب من مؤتمر القمة العربية 1970 في القاهرة قبيل موت عبد الناصر بأيام

 

الاجتماع الأخير.. رحيل بعد إطفاء حريق أيلول

كان مؤتمر القمة العربية في 28 سبتمبر/أيلول سنة 1970 الإطار الذي أطفأ الحريق المؤلم الذي عرف بأيلول الأسود، بين الجيش الأردني ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقد نجح الرؤساء العرب في رأب الصدع بين الطرفين، وودع عبد الناصر آخر ضيوفه الملك حسين بن طلال، وفي طريق عودته إلى القصر، تعرض لنوبة قلبية حادة، ليموت بعد ساعات فقط، نتيجة إصابته بتصلب الشرايين والدوالي، إلا أن روايات أخرى تتحدث عن تعرضه للتسمم.

كان رحيل عبد الناصر حدثا كبيرا هز وجدان العالم العربي، وحرك ملايين المصريين الذين شيعوا جنازته بالهتاف والدموع، وشارك في تشييعه كل الرؤساء العرب باستثناء الملك فيصل، كما شارك فيها زعماء ومسؤولون من مختلف دول العالم.

وكما صنعت الحياة والثورة والهزائم لعبد الناصر مجدا شعبيا خالدا، فقد صنع له الموت تابوتا شعبيا في قلوب كثير من الجماهير التي لا تزال تنظر إليه على أنه الملهم المحبوب والرمز العربي الخالد، وآخر رواد الثورة العربية.

المفكر الإسلام المصري الكبير سيد قطب.. أحد ضحايا دكتاتورية عبد الناصر

 

سجون ملأى وناصرية منهارة.. ديكتاتور الجماهير المخدرة

كان عبد الناصر بعد موته يحظى بشعبية كبيرة في المخيال العربي، بيد أن الجزء الآخر من الصورة يظل ماثلا بقوة عند الحديث عن سيرة ومسيرة الرجل، فقد حول بلاده إلى سجن كبير وألقى بآلاف المخالفين وخصوصا من الإخوان المسلمين في أقبية السجون المظلمة، وتعرض كثير منهم لألوان القهر والتعذيب، وانتهى الحال بعدد من رموزهم ومشايخهم معلقا على حبال المشانق.

وفي ذكرى رحيله الحادية والخمسين لا يزال عبد الناصر صوت مصر الأكثر إيحاء ورمزية، رغم تدهور الناصرية، وانهيار الاتحاد العربي الاشتراكي الذي أسسه جمال وجعله حزب الدولة الوحيد.

ولا يزال كثير من العرب، وخصوصا أولئك الذين عاشوا شبابهم خلال حكم عبد الناصر ينظرون إليه باعتباره الملهم المحبوب، أما سجناؤه وخصومه وفئات أخرى عريضة في مصر وخارجها، فلا ترى فيه أكثر من ديكتاتور عربي استطاع تخدير الجماهير لعقود.

ذات صلة