بورتريه

"جين فوندا".. صاحبة الأوسكار التي عاندت البيت الأبيض

 

قيس قاسم

يصعب على المتصدي لكتابة سيرة شخصية للممثلة الأمريكية الشهيرة "جين فوندا" فصل مواقفها السياسية عن منجزها السينمائي لشدة ارتباط العنصرين بأواصر شديدة القوة والوضوح، ويغدو الأمر أصعب حين يفكر مخرج سينمائي بكتابة سيرة سينمائية لها من دون التوقف عند مراحل مهمة من حياتها خاضت خلالها نضالا سياسيا ضد الحرب الظالمة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على فيتنام، وتصدت بقوة لكل أشكال انتهاك حقوق الإنسان ودعت إلى المساواة والعدالة.

جعلت كل تلك المواقف وغيرها "جين" مثالا للفنان المناضل الذي لا يستنكف عن ربط فنه وإبداعه بقناعاته الفكرية والسياسية، وهذا ما ينعكس بوضوح في عنوان السيرة البصرية التي كتبتها المخرجة الفرنسية "فلورنس بلاتاريتز" عنها، وحملت العنوان الدال "المواطنة جين.. أمريكا بحسب فوندا"، فحياتها ومواقفها يعكسان إلى حد بعيد حالة الولايات المتحدة الأمريكية خلال عقود شهدت تحولات وانعطافات تاريخية مهمة.

تعترف "جين فوندا" المولودة عام 1937 في مدينة نيويورك والممثلة الموهوبة الحاصلة مرتين على جائزة الأوسكار؛ بأن حياتها كانت عبارة عن سلسلة من الأحداث والمواقف المتغيرة، وأنها لم تعرف السكون، لأنه وببساطة "ليست هناك حياة واحدة، وأن ما عشته كان جزءا من حياة أمريكا المُتغيرة".

يتفق مع هذا التوصيف أكثر من عرف "جين" عن كثب، وقد اعتبر العديد من أولئك المقربين أن تجربتها الحياتية كفنانة وسياسية هي تعبير مكثف وباهر عن حال أمريكا نفسها.

الممثل الكبير هنري فوندا الحاصل على الأوسكار عن دوره في فيلم "على البِركة الذهبية" هو والد جين

 

صقل موهبة التمثيل.. انسحاب مبكر من مظلة الأب السينمائية

سهل انتماء "جين" إلى عائلة فنية دخولها لعالم السينما في نهاية الخمسينيات، فهي ابنة الممثل الكبير "هنري فوندا" الحاصل على الأوسكار عن دوره في فيلم "على البِركة الذهبية" (1981)، وقد قبلت في بداية مشوارها الفني لعب أدوار كُتبت للتوافق مع جمالها ورشاقة جسدها، وهي أدوار تعبر عن ميل هوليود في تلك الفترة للفتاة الشقراء الرشيقة الحيوية القادرة على كسب قلوب الجمهور حال ظهورها على الشاشة.

وقد ظهرت على المسرح أيضا برفقة والدها، ولكنها سرعان ما حاولت وهي في مقتبل العمر التخلص من ذلك الاقتران العائلي عبر الاعتماد على نفسها وصقل موهبتها بالتعليم، لذلك درست في معهد "ستوديو الممثل" المرموق في نيويورك، وقدمت من دون والدها أدوارا مسرحية شخص النقاد من خلالها توفرها على موهبة واعدة، وإيغالا في تأكيد استقلاليتها عملت لفترات قصيرة كعارضة في بعض شركات الأزياء لتسديد تكاليف دراستها.

 

"عانيت من كابوس الرشاقة".. لهث وراء الرغبات التجارية

في بداياتها السينمائية ركز المخرجون على جمال "جين" ولم يُعيروا اهتماما كافيا لموهبتها الحقيقة، فقبلت بأداء دور رئيسي في فيلم "البنات يعشقن الشباب طوال القامة" (1960) للمخرج "جوشوا لوغان"، وبعد عرضه اعترفت بأنها كانت جزءا من شكلانية سينمائية توافقت هي معها لأغراض ربحية وتجارية، وأنها بسبب عيشها بالقرب من هوليود مع عائلتها كانت متأثرة بثقافة ترسخ مواصفات جمالية محددة للمرأة.

تقول عن هذه التجربة: في مراهقتي ركزت اهتمامي على شكلي وعانيت من كابوس الرشاقة، وكنت للحفاظ عليها أضطر لتناول حبوب مانعة لشهية الأكل، مما أضر بصحتي كثيرا.

بعد تجربتها مع المخرج "جوشوا لوغان" تركت السينما واتجهت نحو المسرح، وبعد سنتين من العمل في مسارح "برودواي" في نيويورك عرض عليها المخرج "إدوارد ديمِترك" دورا في فيلمه "الجري على الجانب المتوحش" (1962)، فقبلت به واعتبرته فرصة للتخلص نهائيا من صفة الممثلة "ابنة هنري فوندا".

صورة لجين فوندا عن دورها في فيلم الخيال "بارباريلا" الذي يكرس صورتها النمطية كرمز للإغواء الجسدي

 

"برجيت باردو الأمريكية".. فضاء الحرية

تعزز شعور "جين" في فرنسا وليس في أمريكا بالحرية وبإمكانية التخلص من ارتباطها باسم والدها، حيث توفرت لها في باريس المناسبة لإثبات موهبتها السينمائية، وجاءت الفرصة المناسبة لتحقيق كل ذلك حين طلب منها المخرج والمنتج الفرنسي "رينيه كليما" لعب الدور الرئيس في فيلم "الماكرات" (1964).

أَحبت "فوندا" فرنسا كثيرا وشعرت بمعنى الحرية فيها، ومنحتها صحافتها الفنية بعد عدة تجارب لقب "بريجيت باردو الأمريكية"، وفيها تعرفت وتزوجت بالمخرج "روجر فاديم".

تفصِل "فوندا" بين التجربة الشخصية والسينمائية، ولا تجد ضيرا من الإعلان عن تقديرها لزوجها السابق، لكنها في الوقت نفسه تقر بأن أدوارها في أفلامه -بما فيها فيلم الخيال "بارباريلا" (1968)- قد كرست صورتها كرمز للإغواء الجسدي، وكأيقونة بلاستيكية لا روح فيها.

جين فوندا تشارك في جولة ميدانية للمناطق الأكثر تضررا من القرى الفيتنامية خلال الحرب الفيتنامية

 

حرب فيتنام.. يقظة بعد سبات طويل

كانت "فوندا" عام 1968 في باريس حاملا بابنتها البكر، وكانت أخبار الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية ضد فيتنام تصلها، وكانت المظاهرات الصاخبة المناهضة للحرب في فرنسا مثار إزعاج لها في بداية الأمر لكونها أمريكية وعلى قناعة بصحة مواقف بلدها السياسية.

تعترف في سيرتها السينمائية بذلك، كما تعترف بارتفاع درجة توترها بسبب اشتراك الكثير من أصدقائها السينمائيين والمثقفين الفرنسيين فيها، وإعلان مواقفهم المناهضة لنظام بلدها أمامها صراحة، وقد أحدثت أخبار وصول جثامين الجنود الأمريكيين القتلى وازدياد أعداد الجرحى والمعوقين منهم، إلى جانب إعادة النظر بموقفها من الحرب؛ انعطافة حادة في حياتها ستنقلها لاحقا إلى بؤرة الصراع السياسي في بلدها الغارق في المستنقع الفيتنامي، وسينعكس كل ذلك بقوة على فنها.

 

"إنهم يقتلون الجياد".. صرخة ضد النظام الرأسمالي

وجد تحول موقف "جين" صداه عند المخرج "سيدني بولاك" في فيلمه "إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك" (1969)، وفتح دورها فيه عينيها على طبيعة النظام الرأسمالي الذي يحكم البلد، واستهتار المنتفعين به بمصائر الناس العاديين، فقصته المجسدة لآلام الأمريكيين الفقراء، وانفصالها من زوجها المخرج "فاديم" وحالتها الصحية بعد إصابتها بصدمة ما بعد الولادة؛ دفعها لتأمل المشهد الحياتي بوعي جديد.

خرجت "جين" من قوقعة السينما الجميلة إلى سينما تقترب من الواقع وتعبر بصدق عنه، كما خرجت إلى الشارع لتنضم لصفوف المطالبين بوقف الحرب ووضع نهاية لها، والحد من موت آلاف الشباب فيها جلهم من الفقراء.

بدأت "جين" أخيرا تدرك حقيقة ما يتعرض له السود وبقية الأقليات طبقيا واجتماعيا، وأصبحت تعبر في مقابلاتها الصحفية عن ذلك الوعي والفهم الجديدين لمجتمعها الأمريكي.

 

بين اليسار الأمريكي والفرنسي.. فضح ألاعيب البيت الأبيض

تقاربت "جين فوندا" خلال تجوالها في الولايات والمدن الأمريكية مع اليسار الأمريكي، وفي مرحلة لاحقة كانت من المُعبرين عن مواقفه علنا أمام الجموع، وستفضح أكاذيب الرئيس الأمريكي السابق "نيكسون" حول ادعائه تمثيل "الأغلبية الصامتة".

لقد أدركت ألاعيب سياسيي البيت الأبيض وأساليبهم الملتوية لخداع الناس بشعارات وطنية فارغة لا تعبر عن حقيقة توجهاتهم وانحيازهم إلى الطبقات الغنية وللمنتفعين من الحروب وبيع السلاح، كما نشطت في تكذيب دعايتهم حول دوافع الحرب والعمل بنشاط على تعرية ما كان يجري حقيقة في فيتنام، وما يرتكبه الجيش الأمريكي من مذابح ومجازر ضد الشعب الفيتنامي.

استغلت "جين" صِلاتها وعلاقتها الجيدة مع اليسار الفرنسي لنقل ما تنشره صحافتها من وثائق وصور عن مجازر ارتكبها الجيش ضد مدنيين فيتناميين عزل، وهو ما زاد من غضب السلطات وأجهزة المخابرات الأمريكية منها.

يضم فيلم سيرتها الشخصية تسجيلات صوتية من مكالمة هاتفية للرئيس "نيكسون" يعبر فيها لمحدثه في الطرف الآخر من الخط عن غضبه من نشاطها ويتهمها بأنها تسير في الطريق الخطأ.

جين فوندا حصلت على جائزة أوسكار أفضل ممثلة في فيلم "كلوتي"

 

"أدرك أنه لا يمكن للمرء أن يكون محايدا".. عاصفة المخابرات الأمريكية

صعدت أجهزة المخابرات من حملتها ضد "جين فوندا" ووضعت اسمها في قائمتها السوداء، كما أدرجتها بين الشخصيات التي تشكل خطرا على أمن الولايات المتحدة الأمريكية.

قام رجال الاستخبارات بتلفيق التهم إليها الواحدة تلو الأخرى، وكان فريق من الـ"أف بي آي" يتولى مراقبة تحركاتها ومكالماتها الهاتفية، ومع الوقت تضخم سجلها لديهم ليبلغ قرابة 20000 صفحة، ورغم ذلك فإنها لم تخنع ومضت في رفع صوتها عاليا.

وقد وردت على لسانها في مقابلة صحفية هذه العبارة: "أَدرُك أنه لا يمكن للمرء أن يكون محايدا ويصمت إزاء ما يرى أمام عينيه من فظائع ترتكب باسم الديمقراطية"، ودعت الشباب الأمريكي في هذه المقابلة لرفض المشاركة في حرب فيتنام احتجاجا.

كررت نفس الدعوة في أماكن ومناسبات مختلفة ونقلتها عبر السينما من خلال الفيلم الوثائقي "أف. تي . أي" (1972) الذي يوثق فيه مخرجه "فرانسين باركر" نشاطها إلى جانب مجموعة من الفنانين والموسيقيين الأمريكيين الذين قدموا وصلات غنائية وعزفوا مقطوعات موسيقية أمام وحدات للجيش الأمريكي في أكثر من مكان في البلد يدعون فيها جنودها لرفض المشاركة في الحرب والسخرية من قادة الجيش وجنرالاته.

"كلوتي".. الطريق نحو الأوسكار

قاطعت شركات الإنتاج السينمائي الأمريكي "فوندا" لمدة طويلة نتيجة لعزلها، ولم يُقدم منتجوها لها عروضا جديدة، وفي مسعى شخصي نجح المخرج "باكو ألان" بإقناع شركة "وارنر" لمنحها دورا في فيلمه "كلوتي" (1971).

رُشحت بعد عرض الفيلم لنيل جائزة أوسكار أحسن ممثلة، وبالفعل حصلت عليها، كما حصلت عليها مرة ثانية عام 1979 عن دورها في فيلم "الحرب والرومانسية"، وخلال سنوات السبعينيات أضافت إلى قائمة أولوياتها النضالية المطالبة بحقوق المرأة، وشاركت في الحركات النسوية الناشئة حينها.

جين فوندا بالقرب من المدفع المضاد للطائرات في فيتنام، وهي الصورة التي أثارت غضب الإدارة الأمريكية واستغلتها لشن حملة ضدها

 

مدفع فيتنام المضاد للطائرات.. "جين" عدوة الشعب الأمريكي

لم يمنع "جين فوندا" نجاحها السينمائي من المضي في نضالها السياسي، فقامت برحلة شخصية بمفردها إلى فيتنام تخللتها جولات ميدانية للمناطق الأكثر تضررا بالحرب.

وقد نظمت لها الجهات الرسمية زيارات لمواقع صارت شاهدة على انتصارهم من بينها المدفع المضاد للطائرات، وأخذت لها صورة وهي مبتسمة برفقة جنود فيتناميين من الذين قاموا بواسطته بإسقاط عدد من الطائرات الأمريكية.

أثارت صورتها هناك غضب وحفيظة الإدارة الأمريكية التي استغلتها للتحريض على مقاطعتها والدعوة للخروج في مظاهرات تتهمها باللاوطنية وبالتعاون مع العدو.

جين فوندا مع زوجها الناشط والمُنظر اليساري "توم هايدن" الذي ساعدته في حملته الانتخابية

 

"العودة إلى الوطن".. كفارة أخطاء المراهقة

رغم الملاحقات والسجن لفترات قصيرة مضت "جين فوندا" في عملها، إذ شاركت في فيلم "العودة إلى الوطن" (1978) للمخرج "هال آشبي"، ويجسد الفيلم حالة ما بعد الصدمة لجنود عائدين من الحرب تعطلت أجسادهم بسبب تعرضهم لإصابات بليغة في فيتنام.

وبعد سنوات طويلة دعت فيها لمناهضة الحرب توجهت "جين" للعمل السياسي، وخلاله تعرفت على الناشط والمُنظر اليساري "توم هايدن" وتزوجته لاحقا، ولمساعدته ماديا في حملته الانتخابية قامت بإعداد برنامج تلفزيوني لتمارين "الأيروبيك"، وقد حظي بشعبية كبيرة وصار رمزا لاعتناء المرأة الطبيعي بجسدها وصحتها.

وصفت "فوندا" تجربتها تلك بأنها "كانت بمثابة اعتراف بندمها العميق على تناول حبوب تخفيف الوزن التي أرادت بها الحفاظ على رشاقتها خلال مرحلة المراهقة".

 

"الفارس الكهربائي".. نشاط ما بعد الثمانين

عاشت "جين" مع "توم هايدن" في بيت بسيط رعت فيه أطفالها وتابعت في الوقت نفسه نشاطها الفني، فمثلت في أفلام تتناسب مضامينها مع توجهاتها الفكرية والسياسية، ومن بينها: "الفارس الكهربائي" (1979) للمخرج "سيدني بولاك" ومن بطولة الممثل "روبرت ريدفورد"، و"المتلازمة الصينية" (1979) للمخرج "جيمس بريجيس" الذي نبه مبكرا إلى الأخطار المحتملة للمفاعلات النووية وتقديمه نموذجا إيجابيا للصحفي المتحلي بالمصداقية والشجاعة.

بعد انفصالها عن "هايدن" عاشت حياة هادئة تعرفت خلالها على رجل الأعمال الغني "تيد تورنر" الذي ساعدها على مواصلة نشاطها السياسي وهي في سن متقدمة تجاوزت الثمانين وما زالت نشطة لا تشعر بندم على طلاق زوجها الأخير.

تعترف في مذكراتها الشخصية بارتياحها الشديد لاستيعاب أسباب إقدام والدتها على الانتحار وسبب هجرها لها وهي طفلة صغيرة، فاعتبرت ما عانته أمها من آلام جراء تعرضها لاعتداءات جنسية وجسدية سببا إضافيا يدعوها إلى الانحياز لقضايا المرأة، وهي وتدعو من جانب آخر الناس لحماية البيئة، وتناشد بالتضامن مع المضطهدين في كل مكان من العالم.

ذات صلة