بورتريه

الشيخ حامد مرسي.. بلبل مصر الصيِّيت

ياسر ثابت

لم يسلم نجوم الفن والمجتمع من أن يكونوا أبطالا أو ضحايا للجرائم قبل قرن مضى، فقد أفردت مجلة ”المصوّر“ المصرية الصفحة الأولى من عدد 8 مارس/آذار 1929 تحت عنوان ”المطرب المعروف الشيخ حامد مرسي ينجو من القتل“؛ خبرا مُصورا عن حادث اتفاق جنائي لقتل الشيخ حامد مرسي، وكان مطربا معروفا في مسرح الماجستيك آنذاك.

في تفاصيل الخبر نقرأ أن: مكتب مباحث حكمدارية العاصمة تلقّى منذ بضعة أيام بلاغا سريا يُفيد بأن أربعة من الصعايدة العاطلين اتفقوا مع سيدة على قتل الشيخ حامد مرسي بالقرب من منزله، وذلك بعد عودته من عمله ليلة الأربعاء الماضي، فأوفد هذا المكتب ضابطين نشيطين من ضُباطه ومعهما قوة من رجال البوليس، وكمنوا في المكان الذي قيل إن الاتفاق وقع عليه، وانضمّ إليهم هناك حضرة مأمور قسم شبرا. وفي حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل كان المُطرب عائدا إلى منزله فهاجمه أحد المتهمين -وكان يحمل عصا غليظة- يريد الفتك به، لكن أحد ضباط البوليس ظهر فجأة وصوّب مُسدسه نحو المتهمين، وفي أسرع من لمح البصر ظهر رجال البوليس الذين كانوا مختبئين بجوارهم فألقوا القبض عليهم وساقوهم إلى قسم شبرا، حيث شرع في التحقيق معهم. وقد اتُّهمت السيدة منيرة كمال بتحريض المتهمين على ارتكاب جريمتهم، وشهد رجل من أهالي بولاق بأن المتهمة جاءت إلى منزله يوما قبل الحادثة وطلبت إليه بحضور المتهم الأول تدبير مؤامرة لقتل المجني عليه، وقد أيّدت زوجته شهادته.

تختم المجلة خبرها التفصيلي بالإشارة إلى أن تلك السيدة كانت لها قضية سابقة مع الشيخ حامد مرسي، فقد أفرجت النيابة عن منيرة كمال بكفالة مالية قدرها 100 جنيه. وبدا أن الصور المرفقة مع الموضوع تحكي جزءا مُهما من الحكاية، فقد كانت هناك صورة للمطرب المعروف، وثانية للمتهمة منيرة كمال وهي بكامل أناقتها، وثالثة تجمع بين حامد مرسي ومنيرة كمال وهما في حالة عناق في أيام الودّ والصفاء.

حياة مُتناقضة

الحقيقة أن حامد مرسي عاش حياة مليئة بالمفارقات، فقد وُلد في إحدى قرى ”إيتاي البارود“ بمحافظة البحيرة، والتحق بالمعهد الأحمدي في مدينة طنطا، وهناك تعلم إنشاد القصائد والمدائح. ولم يكد الصبي يبلغ العاشرة حتى كان قد أتمّ القرآن حفظا وتجويدا، وزاد على ذلك حفظ قصائد المديح النبوية التي كانت تُنشد في المناسبات الدينية.

وكان من حسن حظ حامد مرسي أن كفله ورعاه مأمور مركز إيتاي البارود في ذلك الوقت علي بدرخان، وهو والد المخرج أحمد بدرخان، وكانت كفالة المأمور له جواز الاستمرار وانطلاق الأحلام كي يصبح ”صِيِّيتا“ (مدّاحا) مشهورا في المديرية كلها، كما كان أيضا محلّ إعجاب ورعاية شيخ الكُتَّاب وهو يحفظ ويجوّد القرآن الكريم.

اتجه الصبي الموهوب تحت رعاية مأمور المركز علي بدرخان إلى الالتحاق بالمعهد الديني في طنطا، وارتدى الجبّة والقفطان والعمامة وبدأ يخرج إلى الحياة جاهدا في تحقيق الحلم بأن يصبح صييتا معروفا.

حامد.. في حضرة السلطان

في عام 1916 والحرب العالمية الأولى في أوج اشتعالها، أراد السلطان حسين كامل أن يبتعد عن جو الأحداث المتفجرة في القاهرة، فانتقل مع حاشيته إلى قصره الريفي في إيتاي البارود، وحانت فرصة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فقررت الخاصة السلطانية إقامة احتفال بالمناسبة الشريفة في ”صيوان سلطاني“ يليق بالحدث، كما سارعت إلى استقدام مشاهير الصييتة والقرّاء من القاهرة لإحياء الاحتفال، ومنهم الشيخ محمد رفعت والشيخ علي محمود والشيخ أحمد ندى الذين قرؤوا آيات الذكر الحكيم والتواشيح الدينية وقصائد المديح النبوي في حضرة السلطان وحاشيته وعيون الإقليم وكبار موظفيه.

أراد كل هؤلاء أن يُثبتوا أن لديهم في الإقليم موهبة تليق بالحضرة السنية وضيوف السلطان، فأتاحوا الفرصة للشيخ حامد مرسي كي يقرأ بعض سور القرآن، واهتزّ السلطان حسين كامل طربا وإعجابا بصوته، فاستزاده في القراءة مرّة بعد أخرى، ثم استقدمه وهنأه ومنحه جنيها ذهبيا يحمل صورته.

ذيوع ”الصيِّيت“

كان حامد مرسي في الرابعة عشرة من عمره، وتجاوزت شهرته مدينة إيتاي البارود وإقليم البحيرة، وذلك بعد أن ذاع خبر إعجاب ”أفندينا“ بموهبته.

وفي العام نفسه جاء بعض الأثرياء من الإسكندرية للبحث عن الشيخ حامد مرسي للتعاقد معه لإحياء بعض الحفلات على مسرح الهمبرا بالإسكندرية، فحرص الشيخ حامد مرسي على الإمساك بهذه الفرصة ليصنع منها انطلاقة المستقبل الذي يملأ خياله، وحتى يرتفع لمستوى المناسبة؛ حفظ الكثير من التواشيح والطقطوقات وألحان وأغاني مشاهير العصر.

لم يتهيّب الشيخ حامد من مواجهة جماهير وروّاد مسرح الهمبرا، وبدأ في أول حفل يتحسّس الطريق إلى مشاعر هذا الجمهور الذي امتلأ به المسرح، فبدأ ببعض التواشيح والأدوار المشهورة، ثم أخذته روح التحدي فانطلق يتغنى بقصيدة عبده الحامولي ”قدك أمير الأغصان من غير مكابر.. وحسن خدك سلطان على الأزاهر“.

كان عبده الحامولي قد توفي منذ سنوات ولم يسمع الناس منذ رحيله مثل هذا الصوت، وكان الشيخ سلامة حجازي هو الآخر قد أبعده المرض عن الغناء فاعتزل، وأراد الشيخ حامد مرسي أن يردّ للشيخ المريض شبه المنسي وجوده على المسرح فاختار أغنية ”إن كنت في الجيش صاحب العلم، فإنني من غرامي صاحب الألم“.

وفي ليلته الأولى على المسرح وجمهوره الغفير أثبت الشيخ الشاب حامد مرسي أنه ”صِيِّيت“ عريق، فصمد لثلاث وصلات طوال كعادة كبار الصييتة والمطربين. وتصادف أن كان بين الجمهور في تلك الليلة الشيخ سيد درويش فانتشى بصوت الشيخ حامد مرسي وذهب إلى الكواليس ليهنئه واحتضنه بحب وفرح وقال له ”إن لديه أغنية سيلحنها له مخصوص“.

وبعد لقاء الهمبرا أصبح حامد مرسي وسيد درويش صديقين حميمين، وكانت الأغنية التي لحنها سيد درويش خصيصا لحامد مرسي من أشهر أغانيه وألحانه حتى اليوم وهي ”زوروني كل سنة مرة.. حرام تنسوني بالمرة“.

بلبل مصر

بعد لقاء حامد مرسي بسيد درويش في الإسكندرية، كان جورج أبيض يزور مدينة إيتاي البارود بفرقته لتقديم مسرحية ”الممثل كين“، وكانت الفرق المسرحية كي تزيد إقبال الجمهور تقدم فاصلا غنائيا لمطرب أو مطربة بين فصول المسرحية.

وفي أول ليلة من ليالي جورج أبيض في إيتاي البارود ذهب مأمور المركز لتحيته وبصحبته حامد مرسي، وطلب من جورج أبيض أن يتيح لحامد الفرصة كي يُغني بين الفصول أثناء عرض المسرحية، وافق جورج أبيض وغنّى حامد مرسي أغنية سلامة حجازي ”إن كنت في الجيش صاحب العلم“، وصفقت له الجماهير واستعادت الأغنية أكثر من مرة، وكانت نتيجة ذلك أن تأخر عرض الفصل الثاني أكثر من ساعة وأُسدل ستار الختام في الرابعة فجرا.

وقبل أن يُغادر جورج أبيض إيتاي البارود توجه إلى علي بدرخان وطلب منه إقناع حامد مرسي بالانضمام إلى فرقته والسفر معه إلى القاهرة، ووعده بأنه سيتكفل به وبحياته في مصر، وسيعطيه 15 جنيها في الشهر.

برع حامد مرسي في أداء أغاني سيد درويش التي اشتهر بأدائها، ولُقّب بـ“بلبل مصر“، وعمل مع فرقة جورج أبيض ثم فرقة سيد درويش وعمر وصفي، فقد غنى في أوبريت ”شهرزاد“، وأوبريت ”حلّاق إشبيلية“، وعمل أيضا في فرق علي الكسّار ونجيب الريحاني وأمين صدقي.

”مُنيرة كمال“ التي هددت الشيخ حامد مرسي بتشويه وجهه بماء النار إذا لم يتزوجها

زواج تحت التهديد

تحوّل المطرب الشاب إلى شخصية ”دون جوان“ الأسطورية التي تسعى إليه كل سيدات المجتمع الراقي، وذلك لوسامته ولصوته الشجي، حتى تزوّج بإحداهن وهي ”مُنيرة كمال“ التي هددته بتشويه وجهه بماء النار إذا لم يتزوجها.

وبسبب غيرتها الشديدة طلّقها ثلاث مرات، إلى أن جاءت الممثلة ”عقيلة راتب“ إلى فرقة الكسّار فأُعجب بها ودقّ قلبه لها، وأخذ يحبها بصمت خوفا من أن تصدّه. لم تعرف عقيلة بحبه لها إلى أن جاء أحد المترددين على مسرح الكسّار ليخطبها في المسرح، وذلك من الفنان علي الكسّار الذي كان بمنزلة أبيها، وعلم حامد مرسي بهذا الخبر فصرخ في وجه علي الكسّار وقال له: أنا أحبها يا أستاذ علي.

بعد زواجه من عقيلة راتب شعرت منيرة كمال بأنها طُعنت في عواطفها، فاتفقت مع العصابة السابق ذكرها للاعتداء عليه، مما ترك أثرا على وجهه وعينه اليسرى، فآثر الابتعاد بعدها عن الناس والجمهور، وإن ظلّ محتفظا بجمال صوته وبراعته في غناء الأدوار والألحان في الحفلات والإذاعة منذ بداية افتتاحها في الثلاثينيات.

كوّن مرسي مع عقيلة راتب ”دويتو غنائيا“ لمدة سبع سنوات، وأنجبا ابنتهما ”أميمة“، لكنهما انفصلا لاختلاف طباعهما.

كان حامد يغني في القصور بأناقته وجسمه الممشوق، ولسوء حظه كان مطربا تقليديا، فقد حدث تحوّل جذري في طريقة التلحين والغناء قاده محمد عبد الوهاب وكمال الطويل والموجي ومحمد فوزي وبليغ حمدي، وفرض هذا التحول نفسه. كانت المشكلة أن هذه الطريقة الجديدة في الألحان لا تناسب مزاج حامد، فاعتزل الغناء عمليا، واضطر بعد أن قام ببطولة عدة أفلام في الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات إلى احتراف السخرية من نفسه تمثيلا باحتكار أدوار كومبارس شبيهة بأدوار عزيز عثمان، أي أدوار المطرب الذي ينشد بطريقة خارج العصر، وغنّى عشرات القصائد والأغنيات والمونولوجات والديالوجات.

كان الفيلم الثاني للشيخ حامد مرسي بعنوان ”اليد السوداء“ من إخراج أتبكان عام 1936

أعمال سينمائية متميزة

على مستوى العمل السينمائي، كان أول أعماله الغناء في فيلم ”بوّاب العمارة“، ومعه المطربة فتحية محمود في عام 1935 من إخراج ألكسندر فاركاشو. وكان الفيلم الثاني له بعنوان ”اليد السوداء“ من إخراج أتبكان عام 1936، وجاء الفيلم التالي مع زوجته عقيلة راتب في فيلم ”ألف ليلة وليلة“ عام 1941.

شارك حامد في فيلم ”إغراء“ بطولة صباح وألحان وإنتاج محمد عبد الوهاب عام 1957، وفي الموسم نفسه شارك صباح في التمثيل فقط في فيلم ”وكر الملذات“ الذي عُرض في موسم 1957، ثم ظهر في ”الشيطانة“ عام 1958، و“حب من نار“، وشارك كممثل فقط في فيلم ”طريق الدموع“ مع صباح، وفي ”ثمن الحرية“ عام 1964 مع محمود مرسي وعبد الله غيث وصلاح منصور وكريمة مختار، و“مراتي مجنونة مجنونة“ عام 1968، كما شارك في فيلم ”حب وخيانة“ الذي عُرض عام 1968.

شارك حامد أيضا في عدة أعمال سينمائية متميزة منها ”بداية ونهاية“ مع فريد شوقي وعمر الشريف وسناء جميل، و“زقاق المدق“ مع شادية وحسن يوسف وصلاح قابيل، و“أبي فوق الشجرة“ مع عبد الحليم حافظ ونادية لطفي، وكان آخرها ”مولد يا دنيا“ مع محمود ياسين وعفاف راضي ولبلبة، والفيلم المذكور من إخراج حسين كمال وعرض عام 1975. وكان آخر أفلام حامد بعنوان ”الحياة نغم“، وغنّى أيضا مشاركة مع مها صبري، وعرض الفيلم عام 1976 وهو من إخراج عبد الرحمن شريف.

هكذا ظل حامد مرسي يظهر في السينما الغنائية بين البطولة والمشاركة في الغناء وكذلك التمثيل، إلى أن وافته المنية في عام 1982.