بورتريه

حمادي عمور.. كوميديان المغرب الذي أضحك الجمهور 70 عاما

 

المصطفى الصوفي

بلكنته الفاسية الرقيقة الجميلة التي تجعل حرف الراء رخميا ورخوا على اللسان، وبحركاته البسيطة والمعقدة في آن واحد والتي لا يتقنها إلا هو، يكون الفنان المغربي المقتدر حمادي عمور بارعا في تشخيص الأدوار التي تناط اليه، وفارسا "يتبورد" على ساحة الركح، ومبدعا مبهرا أمام الكاميرا.

حين يخرج من بيته في المدينة العتيقة بفاس بلباسه التقليدي الأصيل، أو بمدينة الدار البيضاء يمشي مثل الناس بسيطا ومبتسما لهذا وذاك، وأحيانا كثيرة يعانق الصبايا والأطفال ويدغدغهم بحنان الأجداد، فتارة يحكي لهم خرافة عجيبة، وأخرى يداعبهم حد القهقهة، زارعا في نفوسهم السرور والحبور.

الفنان الكبير حمادي عمور هو محبوب الجماهير، وقد رحل إلى دار البقاء ليلة السبت 15 مايو/ أيار هذا العام، ويعد واحدا من أبرز نجوم الدراما والسينما المغربية منذ الخمسينيات من القرن الماضي، لما قدمه من فيض أعمال رائعة ما تزال محفورة في ذاكرة الجمهور، بسحر المتعة وخفة الدم وروعة الأداء.

حمادي عمور قدم في الأعمال السينمائية أدوارا طلائعية زاوجت بين الفكاهة والواقعية

محبوب الجماهير في عصر الكبار.. تجربة رائدة

يعتبر حمادي عمور أحد رواد السينما المغربية، وقد عاصر كثيرا من النجوم الكبار الذين أرسوا ركائز الصورة السينمائية المغربية في بدايتها الأولى، ولعل أبرزهم العملاق محمد حسن الجندي والطيب الصديقي وأمينة رشيد الملقبة "لالة حبي".

كما عاصر عمور -الذي ولد بالعاصمة العلمية للمغرب مدينة فاس، سنة 1931 فنانين آخرين-، مثل صفية الزياني وفاطمة بنمزيان وحبيبة المذكوري ومحمد الكغاط وحمادي التونسي وحسن الصقلي ومولاي عبد الله العمراني وزهور المعمري وأنور الجندي ومليكة العماري وغيرهم.

وبمعاصرته لهؤلاء الرواد في مجال السينما والتلفزيون والمسرح، يكون هذا الفنان الفذ قد رسخ لتجربة فنية رائدة تتأسس على عمق التشخيص والأداء الفني المحترف الذي استلهم روحه من تجارب كبيرة، خاصة منها المشرقية والفرنسية إبان فترة الحماية الفرنسية.

أبو الفنون.. أسرار التجارة التي لا تبور

وجد حمادي عمور في أبي الفنون وهو في ريعان شبابه بمدينة الدار البيضاء، الفضاء الفني الأرحب لإبراز مواهبه وطاقته الإبداعية، بعد أن شجعته عائلته على ذلك، في الخطوات الأولى من ظهوره على المسرح.

ولأن أهالي مدينة فاس مشهود لهم بدرايتهم في المجال التجاري، لما لهذه المدينة التاريخية العريقة من حرف تقليدية ومهن وخدمات تعود إلى غابر الأزمان، فقد جرب عمور هذا المجال لكنه لم يوفق فيه، فدخل عالم الفنون ليجد فيه الكثير من الدرر والكنوز والأسرار، فكانت بالنسبة إليه تجارة جميلة لا تبور.

شكل مسرح الهواة المطية الأولى لحمادي عمور، إذ امتطاها فارسا مبتدئا، فأبان فيها عن شجاعة وإقدام وعلو كعب في مجال التشخيص، وهو ما زال يافعا.

"أنا القاتل".. تذكرة الدخول إلى عالم الاحتراف

سنحت لعمور فرصة الظهور في مسرحية "أنا القاتل" (1948) فكان بارعا فيها، ليتوالى شغفه بهذا المجال، حتى أسس فرقة مسرحية للهواة في نفس العام أطلق عليها اسم "الرشاد المسرحي"، وقدمت الفرقة في نفس السنة عملا مسرحيا ألفه عمور بعنوان "ضربة القدر"، فقدمه بالمسرح البلدي بمدينة الدار البيضاء، واعتبره المتتبعون آنذاك نقلة فرجوية بهية تفي بالكثير من الإشراقات.

بعد هذه التجربة وقبل السفر إلى القاهرة في بداية الخمسينيات من القرن الماضي لدراسة الفنون المسرحية وصقل موهبته والاحتكاك أكثر بالتجربة المصرية والمشرقية التي كانت آنذاك نموذجا يحتذى؛ أسس عمور فرقة مسرحية أخرى تحت عنوان "المنار المسرحي"، فكانت منارة فنية أضاءت جملة من الأعمال الممتعة.

خلال هذه التجربة المسرحية التي يمكن اعتبارها قد تجاوزت مرحلة الهواة، مقارنة مع تجربته مع فرقة الرشاد المسرحي؛ قدم الراحل مجموعة من المسرحيات التي صيغت في قالب فني وفرجوي استحسنه الجمهور كثيرا.

كما نهلت تلك الأعمال من صميم الواقع وقضايا المجتمع خاصة، فمنها ما ارتبط بقضايا الحرية ونبذ الاستغلال والتحرر ورفع القيود عن المرأة، وهي تجارب اعتبرها متتبعون نقلة نوعية في الفرجة المسرحية بمدينة الدار البيضاء التي كانت تشهد غليانا كبيرا على مختلف الأصعدة قبل وبعد الاستقلال.

صورة تجمع الراحل بالمطرب المغربي محمد الحياني، في فيلم "دموع الندم" لحسن المفتي

"عالم الفنون".. تجارب الإذاعة والتلفزيون

التحق حمادي عمور بعد عودته من مصر بفريق فني ومسرحي جمع نخبة من الرواد بالإذاعة والتلفزيون المغربي، فخاض تجارب جادة وجميلة مع عبد الله بن شقرون زوج أمين رشيد الملقبة "لالة حبي"، خاصة على مستوى التمثيل والكتابة والإخراج.

وقد خلق عمور لأزيد من أربعين سنة -إلى جانب عدد من نجوم التمثيليات الإذاعية آنذاك، لعل أبرزهم محمد البصري وفاطمة الركراكي والهاشمي بن عمر ووفاء الراوي ومحمد حسن الجندي والعربي الدغمي وعبد الرزاق حكم وغيرهم- فريقا من الممثلين الرائعين الذين كانوا يضربون موعدا مع المستمعين كل أسبوع، لتقديم تمثيليات في غاية الإمتاع والمؤانسة قبل انتشار التلفزيون.

على مستوى الإذاعة يذكر المستمعون ممن عاصروه عدة أعمال قدمها بنجاح، مثل "عالم الفنون"، وهو برنامج إذاعي حواري استضاف فيه عددا من نجوم المشرق والوطن العربي آنذاك، كفريد الأطرش وكمال الشناوي وغيرهما.

كانت للراحل موهبة غزيرة في مجال التأليف الإذاعي والمسرحي والموسيقي

"بنت الجيران".. كنوز الموسيقى المغربية الكلاسيكية

كانت لدى حمادي عمور موهبة غزيرة في مجال الكتابة، فإلى جانب تفوقه في مجال التأليف الإذاعي والمسرحي، فقد كتب أيضا عددا من الأغاني التي شهدت انتشارا كبيرا بين المستمعين خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وما تزال تشكل حتى الآن كنزا ثمينا من المخزون الموسيقي المغربي الكلاسيكي.

ومن بين الأغاني التي ألفها نذكر "بنت الجيران" التي أداها الراحل إسماعيل أحمد، وهي أغنية خفيفة وجدانية، فضلا عن أغنية "عذبتي قلبي" التي غناها الراحل المعطي بالقاسم، و"يا زهرة حبيبي الصينية" التي غناها محمد الإدريسي، وغيرها من الأغاني القديمة.

بورتريه للراحل بريشة الفنان التشكيلي رشيد بنعبد الله

"العوني" و"الربيب".. كوميديا تلفزيونية خالدة

على المستوى التلفزيوني كان حمادي عمور من الفنانين المغاربة الرواد، فقد ساهم في إخصاب التجربة التلفزيونية المغربية منذ انطلاقتها الأولى، فقدم عددا من الأعمال التي لقيت اهتماما كبيرا من قبل الجمهور، ولعل أبرزها مسلسل "رحيمو" لمخرجه إسماعيل السعيدي، و"المهمة" لعادل الفاضلي.

كما ارتبطت أعمال عمور الكوميدية بالممثل والمخرج سعيد الناصري، حيث جمعت بين الطرفين سكيتشات وطرائف جميلة كانت تعتمد على كثير من المواقف الكوميدية المستوحاة من الواقع والمجتمع بطريقة ساخرة فيها الكثير من المستملحات والطرائف والمقالب والحكايات الساذجة.

وفي هذا السياق تألق عمور رفقة الممثل الناصري في سلسلتي "الربيب"، و"العوني"، لمخرجهما حسن غنجة، وأبان فيها عمور بلكنته الفاسية الجميلة عن قوته في التشخيص الكوميدي، فكانت من بين الأعمال التي أعادته خلال التسعينيات إلى دائرة الأضواء.

"من أجل لقمة عيش".. تألق مبكر في سماء السينما

على المستوى السينمائي كان عمور من الأوائل الذين وجد فيهم المخرجون الوجه السينمائي القادر على جلب الجمهور إلى شباك التذاكر، وذلك بالنظر إلى تألقه في كثير من الأعمال المسرحية والتمثيليات والبرامج الإذاعية.

وقد شارك عام 1954 في فيلم "علي بابا والأربعين لصا" (Ali Baba et les Quarante Voleurs) لمخرجه "جاك بيكر"، ثم "طبيب بالعافية" لمخرجه "هنري جاك" منتصف الخمسينيات، و"بداية وأمل" (1957) للمخرج الفرنسي "جون فليشي"، وقد لعب في هذا الفيلم دور البطولة إلى جانب نجوم كبار، وهم الطيب الصديقي وحسن الصقلي والعربي الدغمي والبشير سكيرج رحمهم الله.

كما تألق في فيلم "من أجل لقمة عيش" (1960) للعربي بناني وفي أفلام أخرى، فضلا عن أعمال متنوعة أخرى قاربت 600 عمل بين المسرح والسينما والتلفزيون والسكيتشات والمسلسلات غيرها.

قدم حمادي عمور في الأعمال السينمائية أدوارا طلائعية زاوجت بين الفكاهة والواقعية، وتابعها الجمهور بإعجاب واحترام، ونال عنها كثيرا من الجوائز والتكريمات بمهرجانات ومناسبات عدة، تقديرا لجهوده الراقية في إزهار الحقل الدرامي والسينمائي والفكاهي، منها تكريمه بالدورة الثانية لمهرجان مكناس للفيلم التلفزيوني وغيره.

عمور واقفا إلى اليسار وتألقه في فيلم "بداية وأمل" سنة 1957 لجون فلايشي، والذي عالج الوضع الاقتصادي والاجتماعي المرتدي بعد الاستقلال

"دموع الندم".. أعمال محفورة في ذاكرة الجمهور

تعامل حمادي عمور بعد تجربته السينمائية الأولى مع عدد من المخرجين الذين وجدوا فيه الشخصية المحورية القادرة على التأثير وإيصال الكثير من الرسائل، ولعل أبرزهم نبيل لحلو في فيلمي "إبراهيم ياش" و"القنفوذي"، وحسن المفتي في "دموع الندم".

ويذكر الجمهور المغربي بإعجاب تقدير دور الراحل في "دموع الندم" كالفيلم الموسيقي الاستعراضي الممتع الذي لعب فيه دور البطولة رفقة الراحل المطرب محمد الحياني صاحب الأغنية الشهيرة "راحلة"، وعدد من النجوم أمثال الممثلة ووزيرة الثقافة السابقة ثريا جبران التي توفيت قبل فترة.

كما شارك بتميز في أفلام أخرى منها "كيد النسا" للمخرجة فريدة بليزيد، و"ولد الدرب" لمخرجه حسن بنجلون، و"نهار العيد" للمخرج الشاب رشيد الوالي، و"عبروا في صمت" لحكيم النوري، صاحب الفيلم الرائع "سارق الأحلام".

وزير الشباب والرياضة أحمد الموساوي أثناء تكريمه للراحل بمهرجان مكناس للفيلم التلفزيوني في دورته الثانية

سينما القضايا العادلة.. ظلال الواقع

لعب حمادي عمور في فيلم "عبروا في صمت" دورا جميلا أبان فيه عن روح القيم والمبادئ التي كان يتمتع بها، ودفاعه عن القضايا العادلة، إذ تعود أحداث الفيلم إلى فترة السبعينيات من القرن الماضي، أو ما يسمى "سنوات الرصاص" التي كان فيها كثير من الطموحات والأحلام والمعارك الضائعة والإغراءات.

وشكل فيلم "سوق النسا" (2008) لمخرجته فاطمة بوبكدي أحد الأعمال الرائعة التي قدم فيها عمور صفحة فنية مميزة لها كثير من القيم والأحداث والمأثورات، خاصة أن أحداث الفيلم دارت في حقبة تاريخية قديمة لعبت فيها المرأة المهضومة الحقوق دور البطولة المنتصرة بمقالبها في نهاية المطاف.

وبهذه الأعمال المتنوعة والغنية في مواضيعها وقضاياها وطريقة تشخيصها، يكون عمور قد قدم نموذجا مغربيا أصيلا لتشخيص تلقائي قوي مبني على الواقعية والموهبة، استمد نظارته من حب كبير للفن ودراسته والتفاعل معه والوفاء له، بغض النظر عن عائداته المادية والحلم بالشهرة التي تبقى مجرد زبد يطفو فوق البحر، تدفعه الريح والأمواج باتجاه الرصيف.

وبرحيل الفنان المخضرم حمادي عمور، تكون شجرة الفن المغربي قد سقطت من أجنحتها وظلالها الوارفة إحدى أجمل أوراقها وثمارها، بعد أن عودت الجمهور المغربي في كل موسم ظهور على مشاهد وإطلالات جميلة أكثر نضجا وأكثر حلاوة واستمتاعا.