بورتريه

ريّـا وسكينة.. سفّاحتا مصر المقاومتان للاستعمار

 

بلال المازني

في حي اللبّان وتحديدا قرب ميدان المنشية غير البعيد عن سوق الستات بالإسكندرية، وُلدت قصة سيدتين غامضتين هما "ريّـا وسكينة"، وكشفت أربعة أرقام -وهي رقم 5 شارع ماكوريس ورقم 38 شارع علي بك الكبير ورقم 6 حارة النجاة ورقم 8 حارة النجاة أيضا- القصة المرعبة لهاتين السيدتين، حيث كانت عناوين لمسرح جرائم المرأتين الغامضتين.

في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، حيث بدأ العالم الحديث يُفرّغ جنونه وطموح الإنسان العصري الذي تسبّب في معاناة ملايين الأشخاص؛ كان المصريون يتحدون لمواجهة ظلم المستعمر البريطاني. وفي أوج تلك المواجهة ظهر وجه لامرأتين تحملان ملامح رجولية ليرعبا سُكّان الإسكندرية ومصر كلها.

كان تاريخ ميلاد الشقيقتين ريّا وسكينة كأغلب نساء الصعيد غامضا، رغم أن الكاتب المصري صلاح عيسى يُرجّح ولادة ريّا في عام 1875 وأختها سكينة في عام 1885، لكن ميلاد ريّا وسكينة السفاحتين كان في عام 1920 عندما كُشفت عن جرائمهما التي ألهمت السينما والمسرح، حتى إن المستعمر الإنجليزي وقتها أفاد من رواج قصة جرائمهما التي كانت تسرق اهتمام المصريين في تلك الفترة.

من الصعيد إلى عالم الإجرام

وُلدت الشقيقتان ريّا وسكينة في الصعيد المصري، ولا تتوفر معلومات واضحة عن طفولتهما أو عن الفترة التي عاشتاها في الصعيد، لكن الكاتب الصحفي صلاح عيسى كشف في كتابه "رجال ريّا وسكينة" (نشره عام 2002) بعض تفاصيل حياتهما التي لم تكن تقل سوادا عن حياتهما في حي اللبان بالإسكندرية أو حتى عن مصيرهما.

فريّا وسكينة نشأتا في محيط جافّ من الحب، ووصف عيسى أمهما بالمرأة الشديدة الأنانية، فهي لم تكن قادرة على إضفاء بعض الحنان على عائلتها، خاصة مع اختفاء والد الفتاتين الذي لم يكن له وجود في حياة ريّا وسكينة، واضطرت الشقيقتان إلى العمل بعد فشل أخيهما في العثور على وظيفة، والذي لم يكن بدوره فتى صالحا أو متعاونا مع العائلة.

عملت ريّا وسكينة في المقاهي، وقامتا ببيع الخضراوات، كما عملتا في مزارع القطن أيضا، وباعت سكينة جسدها مقابل الفواكه والخضراوات، وتعلمتا السطو من والدتهما التي انضمتا إليها في بعض عمليات السرقة، وقد يكون هذا السبب في تحرّك العائلة للعيش في قرى عديدة قبل أن تستقر في قرية الزيّات في دلتا النيل.

كان وضع الفتاتين عاكسا للوضع في مصر زمن الاستعمار، وكان من البديهي أن ينتج ذلك الوضع العائلي صورة الفتاتين السفاحتين، رغم أن الصعيد المصري كان مَنبتا لشخصيات كثيرة فاعلة في تاريخ مصر، ومنبعا سحريا عجيبا لأصوات قراء القرآن مثل محمد صديق المنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد ومحمد رفعت وغيرهم.

تضررت "تجارة" الشقيقتين من الانتفاضة الشعبية في مصر وبدأ وضعهما يتأزم

عصابة الأزواج الأربعة

ركبت سكينة مركب الهروب أولا حين فرّت من قريتها مع حبيبها إلى طنطا قبل الانفصال عنه، لتعمل طيلة أشهر عديدة بائعة هوى، ثم تنطلق في رحلتها إلى الإسكندرية مع حبيب جديد عام 1913، وبعد ثلاث سنوات التحقت بها شقيقتها ريّا رفقة زوجها الجديد "حسب الله" (شقيق زوجها المتوفى)، وابنتها بديعة التي ستكون السيف الهاوي على رقبة أمها وخالتها. واجتمع أفراد العصابة المعروفون في قضايا القتل: ريّا وزوجها حسب الله، وسكينة وزوجها محمد عبد العال.

كان الوضع في مصر خانقا، فتزامنا مع الحرب العالمية الأولى التي رمت بثقلها على المستعمرات الفرنسية والبريطانية؛ اشتدت الأزمة الاقتصادية في مصر، خاصة بعد أن ضربت قطاع القطن ذلك العصب الرئيس للعمالة في البلاد، والتي كانت مورد رزق زوجي الشقيقتين.

ولمجابهة شبح الجوع قرر الأزواج الأربعة إنشاء مقر سرّي لمستهلكي الحشيش والخمر وممارسة البغاء. خلق هذا التوجه الجديد للعائلتين الصغيرتين حنقا لدى جيرانهما، وهو ما جعل الزوجين يقرران حماية مورد رزق العائلتين من خلال الانضمام إلى بلطجية الحي.

تضررت "تجارة" الشقيقتين من الانتفاضة الشعبية في مصر وبدأ وضعهما يتأزم، فوسط تصاعد النزعة الوطنية في مصر التي كانت ذروتها خلال الانتفاضة الشعبية في مارس/آذار عام 1919، والتي دعت إلى استقلال مصر وإسقاط هيمنة البريطانيين على الحكم؛ تم حظر التجول العام، وانعكس ذلك على وضع الأزواج الأربعة، حيث بدؤوا في سرقة الطعام، وهو ما تسبب بالقبض على "حسب الله" وسجنه، كما حُكم على زوجته ريّا بالسجن ستة أشهر.

وُلدت الشقيقتان ريّا وسكينة في الصعيد المصري، ولا تتوفر معلومات واضحة عن طفولتهما أو عن الفترة التي عاشتاها في الصعيد

مسلسل استدراج الضحايا

زاد الضغط على العائلتين، خاصة وأنهما تعودتا الترف من خلال الثروة التي جمعتاها من تجارة المحالّ السرية، وكان لا بدّ من إيجاد حلول لجمع الأموال.

وتوصل الأزواج الأربعة إلى خطة سرقة مجوهرات النساء بعد استدراجهن إلى منزل الشقيقتين ثم قتلهن ودفنهن. تكونت عصابة خطف النساء وقتلهن وسرقتهن ما بين العامين 1920 و1921 عام إعدامهما، وكانت الخطة ترتكز على اختيار الضحية واستدراجها من قبل الشقيقتين قبل تدّخل الزوجين لخنقها ثم دفنها.

كان دور الشقيتين متمثلا في الاستدراج والحصول على ثقة الضحية، وتقديم مشروب كحولي ينال منها فتفقد الضحية كل قوتها ولا تستطيع المقاومة، حينها يدخل أحد الرجلين من الخلف لخنقها بواسطة منديل، ثم تقوم بقية العصابة بتقييدها والكتم على أنفاسها لمنع أيّة مقاومة تُذكر، وبعد أن تلفظ أنفاسها يسرقون مجوهراتها وتُدفن الضحية داخل المنزل الذي قُتلت فيه، وآخر حلقة من سلسلة عملية السطو القاتلة هي بيع المصوغ المسروق، حيث تتولى الشقيقتان بيعه إلى صاحب محل مجوهرات.

كانت بديعة ابنة ريّا العنصر الأساسي في إسقاط العصابة، فقد شهدت ضد أمها وخالتها وبقية العصابة، وحُكم على جميع أفرادها بالإعدام، ونُقلت بديعة إلى مركز إيواء توفيت فيه بعد سنوات قليلة بسبب حريق. ونُفذ حكم الإعدام يوم 21 و22 يناير/كانون الثاني عام 1921.

تنفيذ حكم الإعدام بحق ريّا وسكينة يوم 21 و22 يناير/كانون الثاني عام 1921

ريّا وسكينة.. هل الرواية ملفقة؟

في العام 2015 أذاعت هيئة التلفزيون البريطاني "بي بي سي" تقريرا إذاعيا كشفت فيه على لسان السيناريست المصري الشاب أحمد عاشور تزييف قصة ريّا وسكينة اللتين لم تكونا سوى مقاومتين للاستعمار البريطاني، ومحركتان للمظاهرات الشعبية عام 1919.

ورغم سخرية كثيرين من هذه "القنبلة" المُدوّية مثل الكاتب صلاح عيسى الذي استنكر إعلاء صحيفة الوفد لريّا وسكينة إلى درجة البطلتين، يؤكد عاشور أنه يملك وثائق تدل على ذلك، وضمّنها فيلمه الوثائقي "براءة ريّا وسكينة"، إضافة إلى شهادة حفيد المحقق الأول في القضية.

ويقول عاشور إن المنزل الموجود قرب قسم الشرطة بحي اللبان بالإسكندرية ليس منزل ريّا وسكينة، وإنما هو وفق مستندات هيئة المساحة بُني بعد عشرين عاما من إعدامهما. كما تساءل عن سبب الصمت على وجود ذكر لـ97 جثة اكُتشفت إلى جانب الـ17 جثة التي قيل إنها لضحايا ريّا وسكينة.

يعتقد عاشور إن الشقيقتين كانتا تنشطان بسريّة ضمن المقاومين للاستعمار، وأن البريطانيين لفّقوا لهما تلك القضية لتشويههما، وذلك لتصبحا ضمن قائمة أسوأ عشر نساء في التاريخ.

ورغم الغموض والاختلاف في تقييم الشقيقتين، فإنه لا يمكن تجاهل السياق التاريخي والاقتصادي الذي أعطى صورة السفاحتين لريّا وسكينة، ففي تلك الفترة بالذات وفي العام ذاته الذي أعدمت فيه الشقيقتان (عام 1921)؛ قُتل شاب معروف اسمه أدهم الشرقاوي على يد أحد أفراد الشرطة، وقد ارتكب الشرقاوي جرائم سطو وقتل وسجن بسبب جرائمه، وحيكت قصص بشأن بنيته الجسدية، وتداول كثيرون قصص جرائمه بفخر شديد، وكان شبيها لروبن هود.

لم يكن أدهم الشرقاوي "شيطانا" عند رواة سيرته، فرغم أنه قتل أشخاصا كثيرين وقتل شاهدا في قضيته داخل المحكمة، فإنه كان يثير الإعجاب بسبب "شجاعته" بعد كل عملية قتل أو سطو يرتكبها، وكان بطلا في الواقع وفي الأعمال الفنية التي تناولت حياته.

لماذا إذن جنى التاريخ والمجتمع على ريّا وسكينة رغم تشابه قصتهما مع قصة أدهم الشرقاوي؟ هل لأن المجرمتين كانتا امرأتين طغت قوتهما على قوة الرجل بما في ذلك بقية رجال العصابة، وهو ما لم يكن يرضي المجتمع في ذلك الوقت الذي لم يتعود على سيطرة النساء حتى في عالم الجريمة؟

رّيا وسكينة كانتا أول امرأتين يُنفّذ فيهما حكم الإعدام في مصر، فرغم أن عمليات القتل لم تكن بأيديهما، فإن التاريخ حفظ الجرائم المرتكبة تحت صورتهما، وكانت الصورة التي حفظها بشعة جدا، في حين لم تحفظ الذاكرة اسمي محمد عبد العال أو حسب الله إلا في صورتي الممثلين أحمد بدير وعبد المنعم مدبولي اللذين ظهرا في صورة الضحيتين في مسرحية ريّا وسكينة الشهيرة.

الشريرتان الملهِمتان

ألهمت قصة الشقيقتين ريّا وسكينة مخرجي السينما المصرية التي أنتجت ثلاثة أفلام مهمة تناولت حكايتهما، ففي العام 1953 (أي بعد قرابة ثلاثين سنة من إعدام ريا وسكينة) عُرض فيلم الرعب المصري "ريّا وسكينة" من بطولة فريد شوقي وأنور وجدي وشكري سرحان، إضافة للممثلة نجمة إبراهيم التي شاركت الممثل الكوميدي إسماعيل ياسين في فيلم "إسماعيل ياسين يُقابل ريّا وسكينة"، تلاه فيلم "ريّا وسكينة" الذي أدت فيه دور البطولة الممثلة شريهان والممثل يونس شلبي، إضافة إلى مسلسل "ريّا وسكينة" الذي عُرض عام 2005.

ولعل أشهر الأعمال الفنية مسرحية "ريّا وسكينة" التي كان فيها دور البطولة للممثلتين الكبيرتين شادية وسهير البابلي إضافة لعبد المنعم مدبولي وأحمد بدير، وقدمت تلك المسرحية بطريقة كوميدية نقدا لبعض آفات المجتمع، مثل خيانة الثقة والمشاكل العائلية، كما انتقدت المسرحية المحسوبية وجسّدتها في إحدى أغاني المسرحية "شبكنا الحكومة وبقينا قرايب".