بورتريه

ستيف ماكوين .. نموذج لسينما المؤلف

فاطمة نبيل

الدارس لثلاثية المخرج البريطاني ستيف ماكوين يجد بها ملامح واضحة لمحاولة خلق مخرج متفرد في لغته السينمائية

في مقاله ”ملاحظات على نظرية المؤلف“ 1962 حدد الناقد الأمريكي ”أندرو ساريس“ أسسا ثلاثة يمكن من خلالها تلخيص جوهر نظرية سينما المؤلف:

أولها أن يختص المؤلف بكل النواحي التكنيكية.

ثانيا أن يكون للمؤلف شخصية تفصح عن نفسها في مميزات أسلوبية متكررة تصبح فيما بعد بمثابة توقعيه.

وأخيرا في أفلام المؤلف لا بد أن يوجد معنى داخلي ينبثق من التوتر بين شخصية المخرج ومادته.

والدارس لثلاثية المخرج البريطاني ستيف ماكوين، والمولود في لندن في 9 أكتوبر 1969 والمُنتظر أن يلحق بها فيلمه الرابع Widows خريف هذا العام 2018، الدارس لها يجد بها ملامح واضحة لمحاولة خلق مخرج متفرد في لغته السينمائية.

ماكوين الذي بدأ حياته السينمائية بالذهاب إلى العراق لتوثيق العمليات العسكرية البريطانية / الأمريكية خلال حرب آذار 2003، قدم ثلاثة أفلام روائية طويلة نال أولها Hunger (2008) جائزة الكاميرا الذهبية من مهرجان كان والممنوحة لمخرجين يقدموا أول أعمالهم.

كتب ماكوين السيناريو بمعاونة إندال والش، وكإنجليزي يختار ماكوين أن يقدم فيلمه الأول عن كفاح أيرلندا لتنال استقلالها عن المملكة المتحدة والذي دام حتى عام 1981 وقتل في هذه القلاقل أكثر من ألفي إنسان، وتصاعد حراكهم الثوري مع رفض الحكومة البريطانية اعتبار مسجوني أيرلندا ممن قاموا بعمليات قتالية مسجونين سياسيين.

وفي سجن ”مايز“ – الذي تدور فيه معظم أحداث الفيلم – شارك الجمهوريون الأيرلنديون فيما عُرف وقتها باحتجاج عدم الاغتسال، ثم في حركة الإضراب عن الطعام والذي دام نحو سبعة أشهر مات فيه تسعة من السجناء، كما تزايدت أعمال العنف ضد السجانين والذين قتل منهم ستة عشر من قبل الأيرلنديين خلال احتجاج عدم الاغتسال، والذي لم يتوقف إلا مع رضوخ الحكومة البريطانية لمطالب السجناء.

في shame تبدو معضلة ماكوين الإخراجية الأصعب هي "كيف يمكن التعبير بصريا عن التعاسة الإنسانية والبؤس الوجودي لبطله براندون (مايكل فاسبندر مرة آخرى).

يقدم ماكوين سجنه الحداثي بشكل يمكن أن تجد مثيله في أبو غريب أو غوانتانامو حيث يرتدي الجنود قفازتهم قبل تعذيب السجناء، كأنهم بصدد مهمة يومية عادية.

ويظهر افتتان ماكوين الواضح بمشاهد التعذيب والسعي للحصول على تأثيرها على المتلقي، هذا الافتتان الذي سيتضاعف مع فيلمه الثالث 12 Years a Slave.

مع محافظته على استخدام لقطات طويلة دون تقطيع، ما يتيح توحدا للمتلقي مع ما يعانيه السجناء حتى مع خلو المشاهد من التعذيب البدني الواضح.

أما شريط الصوت فيترواح بين صمت ثقيل مرعب يلخص شكل العلاقة بين السجناء والسجانين، أو بين السلطة والمحكومين، صمت يدفع المتلقي إلى التأمل، وبين صراخ يكاد يصم الآذان من فرط قوته.

ويبدو بوبي ساندرز – قدمه مايكل فاسبندر ممثل ماكوين المفضل – في مشاهده الأخيرة قبل موته إثر إضرابه عن الطعام وتذكره لحياته الأولى في أيرلندا كما المسيح تضحية وفداءً لخلاص البشرية.

هذا فيلم يحتاج إلى حساسية مفرطة حتى لا ينساق للخطابة المباشرة أو بيانا أيديولوجيا مباشرة، وهو فخ سيقع فيه ماكوين لاحقا.

في shame تبدو معضلة ماكوين الإخراجية الأصعب هي ”كيف يمكن التعبير بصريا عن التعاسة الإنسانية والبؤس الوجودي لبطله براندون (مايكل فاسبندر مرة آخرى).

كتب ماكوين السيناريو بمعاونة آبي مورغان، وهارولد مانينغ.

قدم ماكوين ثلاثة أفلام روائية طويلة نال أولها Hunger (2008) جائزة الكاميرا الذهبية من مهرجان كان والممنوحة لمخرجين يقدموا أول أعمالهم.

براندون  واحد من موظفي الشركات الأمريكية العملاقة التي تجبر موظفيها على التزام مكاتبهم ثماني ساعات يوميا مقابل أن توفر لهم مرتبا يمكّنهم من قضاء أمسيتهم في بارات نيويورك التي تعج بالغرباء والوحيدين.

تهبط على شقة براندون شقيقته الصغرى سيسي طالبة المأوى والمحبة، لكنه لا يستطيع تقديم أي منهما، فهوسه الجنسي لا يدع له متسعا.

أما سيسي فلا تقل منافسة لشقيقها في هوسه الجنسي، لكنه عندها ليس غاية وإنما وسيلة تسعى به إلى السكن والمودة المفقودة طوال حياتها فتستجيب لكل نداء غامض مؤذٍ.

ولا ينشغل الفيلم كثيرا بتاريخ الأخوين قبل أن يأتيا إلى نيويورك قادميْن من نيوجيرسي، لكنه يعطي إشارة خفية عن المكان السيء الذي جمعهما سابقا.

ومنذ لقطته الأولى يحدد ماكوين مسعاه، هذا فيلم عن هذا الفتي العاري الممدد على سريره حيث يتجدد عاره يوما بعد يوم، أما ملاءته الزرقاء فستصبح ”موتيفة“ لونية لشخصيته؛ فكوفيته الزرقاء ملازمة له أغلب الوقت، وملابسه باهتة من درجات نفس اللون، توحي بالموت الذي لا تؤثر فيه مشروبات الطاقة التي يستهلكها براندون طوال الوقت، في مقابل شقيقته سيسي التي لازالت تسعى للحياة وتستجيب لكل دعوة توحي بقليل من الحب.

يقدم ماكوين أمريكا الحديثة؛ حيث الأسرة الأمريكية الحديثة التي لا يربط بين أفرادها سوى الأسماء المشتركة وقدر هائل من التعاسة.

أمريكا الشركات العملاقة، والوظيفة المرموقة، والأجهزة الإليكترونية المعقدة، والعلاقات العاطفية العابرة التي تنهار بعد اللقاء الأول.

هذا هاجس يشترك فيه ماكوين مع عدد من المخرجين لا يرون في الحياة الحديثة سوى صورة نظيفة من العبودية الكلاسيكية ينقصها فقط أن يمتلك أصحاب رؤوس الأموال أجساد موظفيهم، أما الأسر البرجوازية الطامحة للوظيفة المرموقة والمنزل الريفي الأنيق فهي محل انهيار متلاحق والأسوأ أنها لا تدري به.

يستخدم ماكوين لقطة طويلة لبطله براندون يجري بطول شوارع نيويورك، يفر فيها من ألمه ورعبه، فلا تحمل له دكاكينها العامرة وأنوارها التي لا تُطفأ أبدا أي رحمة.

لا يجد براندون أمامه سوى الجنس بصورته المغايرة والمثلية، الثنائية والثلاثية. وإذا كانت سيسي قد انتحرت بقطع شرايينها، فبراندون أيضا قد انتحر لكن على طريقته.

يظهر افتتان ماكوين الواضح بمشاهد التعذيب والسعي للحصول على تأثيرها على المتلقي، هذا الافتتان الذي سيتضاعف مع فيلمه الثالث 12 Years a Slave

كل ما بناه ستيف ماكوين من تفرد في Hunger و shame يفقده دفعة واحدة في 12 Years a Slave الذي جاء متوافقا مع المعايير الهوليودية عن الفيلم الجيد وإن صُنع خارج استوديوهاتها (الفيلم من إنتاج النجم براد بيت) فحصد كومة من ترشيحات جائزة الأوسكار، ونال منها جائزة أحسن سيناريو مقتبس، وأحسن ممثلة مساعدة، وأحسن فيلم بالطبع عام 2014.

الفيلم مأخوذ عن المذكرات الأصلية لسولومان نورثوب المناهض للعبودية في أمريكا، سجل فيها تجربته بعد أن قضى 12 عاما كعبد في مزارع الجنوب عقب اختطافه رغم إصراره الطويل إنه رجل حُر.

كتب سيناريو الفيلم جون ريدلي دون مشاركة من ماكوين كالفيلمين السابقين.

من خلال سرد كلاسيكي، وبناء تقليدي، يقدم ماكوين فيلما يخضع لكل شروط عناصر الفيلم الأمريكي الجيد الحالية، التي ستتصاعد لاحقا مع تصاعد موجة الصوابية السياسية، فهو متوافق مع عقدة الذنب الأمريكية التي تحاول التكفير عنها حديثا سواء تجاه الزنوج الذين جلبهم المستعمرون البيض من أفريقيا للعمل كعبيد في مزارعهم، أو تجاه السكان الأصليين لأمريكا من الهنود الحُمر.

ومن أجل ذلك يقدم الفيلم هؤلاء المستعمرين في صورة مسطحة أحادية عن الأشرار الكلاسيكيين فهم منتهكو كل الأجساد، مفسدو كل القيم، زوجاتهم أنانيات غيورات منزوعات الرحمة لا يختلفن كثيرا عن أزواجهن.

هذا السرد المتلاحق الحافل بمشاهد التعذيب والوحشية التي تغلف الفيلم – الأمر الذي لا يدع للمشاهد أية فرصة للتأمل – يُعد غريبا إذا ما قُورن بفيلمي ماكوين السابقين اللذين عكسا تمكنا واضحا من أدواته التكنيكية، كما عكسا همّا شخصيا داخليا ربما لم تتضح كافة معالمه بعد، لكنه كان قادرا فيها على إظهار شخصيته من خلال أسلوبيته ولغته السينمائية.

إن جزءًا هاما من جاذبية الفيلم وربما السبب الذي جعل لجنة الأوسكار تمنحه جائزتها يعود إلى اللغة والعنف والوحشية التي تغلف الفيلم ككل.

أما ماكوين فتشغله القصة الكلاسيكية – التي لم يكن تناوله لها هو الأول في السينما الأمريكية – أكثر مما يشغله التعبير باللغة السينمائية، ربما لأن رؤيته أن هذا الفيلم يحتاج في حكيه إلى أكثر الطرق مباشرة، وهي وجهة نظر قد تكون محل خلاف.

إن ستيف ماكوين إذا ما أسقطنا فيلمه الأوسكري يمكن اعتبارأعماله نموذجا لسينما المؤلف كما وصفه ساريس في كتابه.

__

مصادر:

برنادرد ف. ديك – تشريح الفيلم

ترجمة وتقديم: مصطفى محرم

المركز القومي للترجمة – القاهرة 2015