بورتريه

"سمكة ذهبية ..سمكة إفريقية".. صيحة إنسانية من أجل من يشتغل بعرق جبينه

 

د. الحبيب ناصري

"سمكة ذهبية، سمكة إفريقية" هو فيلم وثائقي طويل قام بإخراجه الفرنسي "توماس غراند" والسنغالي "موسى ديوب"، وقد فاز بأكثر من خمسين جائزة عالمية، وهو صيحة إنسانية من أجل عمال الصيد في السنغال على وجه الخصوص، وفي كل أفريقيا والحالات المشابهة لها في عالمنا هذا.

إنه فيلم من الممكن اعتباره من الوثائقيات الإنسانية المنحازة للعامل البسيط، وفي الوقت نفسه فيلم يجعلنا نعيش العديد من القصص الإنسانية المشوقة لهؤلاء العمال داخل البحر وخارجه، أثناء الصيد وفي بيوتهم.

كيف من الممكن إذن تقريب هذا الفيلم الوثائقي من هذه الزاوية الإنسانية المدافعة عن البسطاء الذين لا يملكون سوى أجسادهم السليمة والقوية التي لم يتمكن المرض من نخرها، وكأنه متضامن معهم ليكسبوا قوتهم اليومي بصبرهم القوي الذي لم تنل منه أمواج البحر القوية أي شيء، بل إنهم تعلموا كيف يواجهون قوة البحر العاتية بأغانيهم البحرية الشعبية الجميلة والحالمة بفجر جميل؟

 

ملخص الفيلم

ظهر فيلم "سمكة ذهبية، سمكة إفريقية" سنة 2018، ومدته الزمنية ستون دقيقة، ويندرج ضمن الأفلام الوثائقية الإنسانية والبيئية الطويلة، ففي منطقة تسمى "كازامانس" في جنوب السنغال تعيش مجموعة من النساء والرجال على دخل قوارب الصيد البحرية التقليدية، لكن حياتهم اليوم مهددة بدخول مصانع كبرى للقيام بما يقوم به الصيادون التقليديون البسطاء، فما الإضافة النوعية لهذا الفيلم الوثائقي الذي تمكن من إمتاعنا بقصص إنسانية تشكل درسا بليغا آتيا من لدن من يبحث عن لقمة عيشه بعرق جبينه، على الرغم من تمكن المصانع الجديدة من مزاحمة هذه الحرف البحرية القديمة؟

يتسابق الحمّالون لنقل أكبر كمية من الأسماك بمجرد وصول السفن إلى الشاطئ

 

أجواء الفيلم.. رحلة في عالم الصيد في السنغال

يسافر بنا الفيلم داخل بحر سنغالي أفريقي، فيطوف بنا داخله وبجانبه وفي بيوت من يعيش من دخل صيده، قصص إنسانية عديدة تشدنا ونحن نتابع هذا الفيلم الوثائقي، قصص نساء يعشن من دخل تجفيف السمك وطهيه وتجميعه للبيع، إنهن نساء أفريقيات قررن العيش بعرق جبيهن وهن يحملن أطفالهن فوق ظهورهن، وهي صورة الأم التي اختارت طريق الاشتغال بيدها والبحث عن لقمة عيش لأطفالها، ترافقنا طيلة الفيلم، بل من الممكن هنا استحضار جميع الأمهات اللواتي فضلن العمل عوض الهجرة إلى ما وراء بلدانهن.

تحضر على مدار الفيلم قصص ذكورية أخرى، حيث يرافق المخرج مجموعة من الصيادين منذ الساعات الأولى ليوم عملهم وهم يستعدون للذهاب إلى عملهم بالبحر، مرافقة تجعلنا نقبض على موضوعات معيشية ومكانية تخص هذه الفئة العمالية البحرية، مرافقتهم داخل البحر وتتبع تفاصيل صوت البحر بأمواجه وأغاني الصيادين ومحصول الصيد.

كل هذا أسرنا كمتابعين للفيلم، وجعلنا نطرح العديد من الأسئلة حول من له الحق في هذه الخيرات البحرية المتعددة، وصوت المصنع الجديد غير بعيد عن البحر يبنى مهددا أنشطة فقراء كثر عاشوا على هذه المهنة منذ سنين، بل كانت هذه المهنة منقذة لآلاف الأفارقة الآتين من دول فقيرة جدا بجانب السنغال للبحث عن لقمة عيش، في ظل أزمة عالمية جعلت حلم الهجرة نحو بلدان أوروبا حلما محدودا، لا سيما والعديد من الأفارقة اليوم جعلوا بلدان العبور إلى أوروبا مستقرا دائما لهم، مثل ما يقع في دول المغرب العربي، إذ كانت هذه الدول مجرد دول عبور في انتظار الانقضاض على فرصة الهجرة السرية عبر ما يسمى بقوارب الموت، وهو موضوع آخر قاربته العديد من الأفلام الوثائقية.

ذروة عمل هؤلاء جميعا هو وقت وصول السفن، وكأنها خلية نحل لا تهدأ

 

ضجيج الشاطئ.. من سيربح أكبر عدد من الصناديق؟

نتابع في الفيلم حياة العمال البسطاء بجانب البحر، وتتقوى حينما يصل مركب الصيد التقليدي محملا بالمنتوج السمكي، فهنا تكمن قمة متعة هذا الفيلم، فالعمل مفتوح للجميع لا سيما لمن يقدر على جلب السمك من المركب من داخل البحر نحو مقر تجميع السمك وتنظيفه وتجفيفه وطهيه وفق تقاليد سنغالية أفريقية بحرية اجتماعية قديمة، فمن يقدر على جلب أكبر عدد من الصناديق هو من يربح الأكثر، وهنا ثقافة الجسد هي الفيصل بين الجميع.

يقف المركب على جانب البحر، فيتدافع العمال وهم يرتدون ألبسة بسيطة، ولكل واحد منهم الحق في نقل أكبر كم من المركب نحو النساء اللواتي ينتظرن هذا المنتوج للقيام بأعمال التجفيف والطهي للبيع بالجملة، ولكن لا مجال لمن له بنية جسدية هشة، فعلى العامل حمل العشرات من الصناديق فوق رأسه نحو نقطة التجميع.

نصبح هنا وكأننا أمام مسابقة رياضية متعلقة بمن سيحمل أكبر كم فوق رأسه، تدافع وصيحات معبرة عن طبيعة رغبة العمال في حمل كثير من الصناديق المملوءة بالسمك، مما يجعل المتلقي أمام مشاهد حركية وضجيج له جاذبيته وأثره الإنساني، وقد كان مخرجا الفيلم ناجحين في التقاط تفاصيل جسدية لهؤلاء العمال غايتها تبيان قيمة الجسد في تحقيق الربح المالي.

أجور زهيدة يتقاضاها الرجال والنساء بالكاد تكفيهم لقوت يومهم

 

ساعة الحساب.. ملامح مرهقة وأجور زهيدة

ينتهي حمل العمال للصناديق السمكية نحو نقطة التجميع ليبدأ زمن الحساب، كل عامل وعدد الكيلوغرامات التي حملها فوق رأسه، يتقاضون أجورهم وفق ثمن متفق حوله وشبه دائم، بينما يسود الصمت المكان، وكأن حكم المقابلة صفّر معلنا نهاية المقابلة، والكاميرا تلتقط تقاسيم وجوه أعياها الجري وحمل الأسماك التي تلفظ أنفاسها فوق رؤوس العمال، كل واحد وما جناه جسده.

هنا عامل يعد نقوده، وهناك عامل ممدد فوق الأرض لم يتمكن من حمل ما كان يتمناه. تعود بنا الكاميرا إلى معرفة مصير هذه المبالغ المالية التي تذهب إلى حاجيات بسيطة كالأكل والشرب وأداء ثمن الكراء واقتناء بعض الملابس البسيطة ومساعدة الأسرة، الخ.

كل أطياف المجتمع يعملون في مهنة صيد السميك ونقله وتجفيفه حتى النساء مع أطفالهن الرضع

 

طفل على الظهر ويد تعمل.. عالم المرأة السنغالية

في الشق الثاني من الفيلم نرحل صحبة النساء والسمكة الذهبية أصبحت بين أياديهن، وينهج المخرجان نفس الأسلوب، فيقرباننا من حالة النساء وطريقة تجفيف السمك وطهيه وتجميعه للبيع سواء داخل السنغال أو في دول أفريقية مجاورة، إنه وضع اجتماعي بنون النسوة، يحيل على وضع أفريقي عام.

سمكة ذهبية ذات ثمن غال يبقى منها القليل لنساء ورجال أفريقيا، الكل يذهب إلى أين؟

سؤال يرافقنا ونحن نتابع فقر الجميع، ليأتي الجواب من تلك البناية الضخمة التي ما زالت في طور البناء، محيلة على ترخيص الدولة السنغالية للرأسمال الأجنبي للقيام بالعملية وفق شروط إنتاجية وصحية مفيدة للبلاد التي لتجني أرباحا من هذا الترخيص، لكن ستتوقف في المقابل حياة كثير من العاملات والعمال من السنغال ومن دول مجاورة أخرى.

ستتوقف قصص إنسانية واجتماعية وشعبية متعددة بتوقف عمل العاملات والعمال، فوجود مصنع في نفس المكان الذي كان مصدر رزق كثير من الأسر الفقيرة من السنغال ومن غير السنغال؛ سيجعلنا نحبس الأنفاس ونتساءل: ما مصير هذه الأسر التي كانت تعيش بعرق جبينها وتطعم عائلاتها بمجهوداتها؟

سيكون الجواب من خلال تسليط الكاميرا على ذلك المصنع، مصنع سيعمق جروح من كان ينهض باكرا وكله أمل في أن يكون الصيد وافرا ويعمل ويغني ويتعب ويحمل الصناديق فوق رأسه بحثا عن أكبر ربح ممكن، ليعيش كبقية الناس ويقبض على لحظة أمل في انتظار يوم آخر لتستمر الحياة، الرأسمالية في أقصى تجلياتها المادية والمالية هي دوما سارقة أحلام الفئات الشعبية الفقيرة.

رغم الأحوال الجوية الصعبة، يستمر العمل على قدم وساق في نقل الصيد من السفن إلى الشاطئ

 

أحاديث البحر.. حوارات مع أرباب القوارب

تدور في الفيلم حوارات متعددة مع كل من يشتغل في البحر، مع أرباب القوارب التقليدية ومع من يشتغل فيها من عمال بسطاء لا يملكون سوى أجسادهم القوية ومع نساء أيضا فضلن العمل وبعض أطفالهن فوق ظهورهن، مما يجعلنا كمتفرجين نستحضر صورة أمهاتنا وهن يقمن بأشغال البيت والمزرعة والسوق.. إلخ.

يحضر البحر في الفيلم كمصدر للرزق، فما يخرج منه من المفروض أن يوزع على الجميع، إذ هو في ملكية الطبيعة التي خلقها الله للناس أجمعين، لكن بمجرد خروج تلك السمكة الأفريقية من بحرها ستصبح ذهبية، لكونها ستعرف مسارات غير المسارات الإنسانية الشعبية، بل ستصبح فئة قليلة تتحكم في مسارها وفي عائداتها المالية الذهبية المربحة، وفي المقابل هناك بيوت فقيرة تعيش فقط على الجزء القليل الباقي منها، هو في حجم فتات يذهب نحو جيوب هؤلاء الفقراء.

يداعب أنفسنا تضامن مطلق نشعر به على امتداد الفيلم من لدن المخرجين، تضامن من الممكن تلخيصه في كلمة واحدة، وهي كلمة "لا"، لا لتضييع رزق الفقراء والمهمشين والمحتاجين الذين يقتاتون من البحر، لا لجعل خيرات البحر تصب في اتجاه جيوب الكبار، في حين جيوب الصغار الممزقة أصلا راضية فقط بالقليل.

أمواج البحر العاتية لا تقف في وجه الباحثين عن لقمة العيش

 

هدير الأمواج.. مميزات فنية بنكهة بحرية

يشكل صوت البحر وانسياب مياهه وزمنه الليلي وأيضا النهاري، إلى جانب اهتزازات المراكب التقليدية الصغيرة، وغناء الصيادين الشعبي لمواجهة قوة الأمواج، والبحث عن الرزق؛ مميزات فنية جميلة ومولدة لإحساس فني لدى المتلقي، مما جعله فعلا يشعر بحقيقة الوضع، فعلى الرغم من صعوبة الوضع الاجتماعي لهؤلاء العمال البسطاء، فإنهم أقوياء في صلتهم بالأمل والحلم الجميل، من أجل فجر آخر، فجر إنساني يجعل ما في البحر وخيراته الطبيعية في ملكية الجميع، ما دام البحر من عطاءات الله للإنسان أينما كان.

نفس الطريقة سلكها المخرجان وهما يتتبعان تفاصيل تجفيف وطهي السمك وتجميعه في الأكياس على إيقاعات دخان النار، مما يجعلنا فعلا نكتشف عظمة المرأة الأفريقية وهي تقاوم من أجل لقمة عيش لها ولأفراد أسرتها المتعددة.

رحلة طويلة وشاقة ينتظر عودتها مئات العمال في بحر السنغال المليء بالخيرات

 

لغة الفيلم السينمائية.. عوامل الاندماج مع الشخصيات

نشعر طيلة الفيلم أننا أمام لغة فنية مفادها أن المخرجين وطاقم الفيلم أصبحوا جزءا من هذه الفئة العمالية البسيطة، وهنا تكمن جمالية الفيلم الوثائقي وإنسانيته، لا سيما وفكرة الفيلم أو موضوعه هو جزء من اهتمامات فريق الفيلم.

نقول هذا ونحن نعي كم من مهرجان شارك فيه، وكم من قناة عرض فيها، وكم من جائزة نالها، مما يجعل الكل يتضامن مع هذه الفئة العمالية الحاضرة في هذا الفيلم، بل أحيانا يتولد لدينا شعور بأن البحر هنا يوازي خيرات أفريقيا كلها، ويصبح المصنع محيلا على تلك الرأسمالية الكبرى التي لها منافعها بالنسبة للدولة المرخصة، وذلك ما يجعلنا نتساءل ما الحلول بالنسبة لهؤلاء العمال البسطاء؟ هل سيصبحون من اليد العاملة بهذه المصانع؟

من الممكن وفق العناصر الفنية والقصصية المستخرجة اعتبار هذا الفيلم الوثائقي من النماذج الفيلمية الوثائقية الفنية والإنسانية العميقة والممثلة لقيمة الفيلم الوثائقي حينما يقترب من موضوعات اجتماعية وإنسانية، هنا تصبح الكاميرا متضامنة مع من أمامها ومنتصرة لقيمه وواقعه.

تجفيف السمك وتدخينه قبيل تحميله للتصدير حول العالم

 

قيمة الوثائقي.. صرخة إنسانية في وجه الرأسمالية

فيلم "سمكة ذهبية، سمكة إفريقية" وثائقي مطول يولّد فينا الإحساس بأهمية وقيمة الوثائقي كواجهة إنسانية ونضالية لقول لا في وجه كل من يسرق أحلام البسطاء وحقهم في حياة بسيطة وحالمة بما هو أفضل.

حضرت انسيابية البحر وأمواجه وسمكه في صورة المخرجين اللذين قربانا إلى عوالم بحرية شعبية إنسانية بسيطة مملوءة بالحلم والإقبال على الحياة، على الرغم من تلك الأجور البسيطة التي لا تكفي لتلبية الحاجات المنزلية الكثيرة، وعلى الرغم من كل هذا فهذه الفئة العمالية ملتصقة بحلم أفضل غير الواقع الذي تعيشه، حلم كلما لاحت بعض خيوط أمله ظهرت الرأسمالية غير الإنسانية في أبشع صورها لتسرق حلمها وتعيدها إلى نقطة بحث عن لقمة عيش أمام مصانعها ومعاملها. ترى فهل من الممكن أن يتحقق حلم الفقراء والبسطاء والعمال في يوم من الأيام؟

ما أحوجنا إلى أفلام وثائقية عمالية إنسانية، ترافق هذه الفئة في تفاصيل عيشها وما تواجهه من صعوبات بلغة الصورة والصوت والحوار طبعا، أفلام تبوح فيها الطبقة العاملة بصعوبة العيش وأحلامها البسيطة في يوم أفضل وأجمل.

على مدار ستين دقيقة -كمدة زمنية لهذا الفيلم- نتمكن من تتبع إنساني وشعبي لفئة العمال في البحر، وهم يغنون ويحلمون بصيد وافر، إنه فيلم تمكن من تقريبنا من عالم البحر وعماله وما يقدمه من سخاء للجميع وما يجري بعد عودة السفن المحملة بالسمك الأفريقي الذهبي، لتنسج حوله حكايات عديدة منها ما هو ظاهر وما هو باطن.

ذات صلة

طرابلس الغرب.. حاضنة حضارة البحر الأبيض
نقد سينمائي

طرابلس الغرب.. حاضنة حضارة البحر الأبيض

سميت طرابلس الغرب لتمييزها عن طرابلس الشرق في لبنان، لها تاريخ يعود ألوف السنين من الحضارات والأديان والثقافات، فيها سوق الحرّارة لا يمكن تفسير اسمه إلا بمعرفة عمل الناس فيه، فماذا كانوا يصنعون؟