بورتريه

سنوات الشاذلي بن جديد.. من الرخاء إلى العشرية السوداء

حبيب مايابى

كانت الجزائر آمنة مطمئنة تتميز بالاستقرار ورغد العيش ووفرة الرزق، لكن الأمن والرخاء أعقبتهما سنوات شداد بفعل التحول السياسي الذي ستشهده البلاد.

في 27 ديسمبر/كانون الأول 1978 غيّب الموت الرئيس الثائر هواري بومدين، ويومها توقّع العارفون بدهاليز الحكم أن يتولى واحد من رجلين مقاليد الحكم نظرا لحضورهما القوي وانتمائهما لجيل التحرير، هذان الرجلان هما محمد الصالح يحياوي وعبد العزيز بوتفليقة ولكل منهما مكانته وحضوره وتوجهه.

كان يحياوي السكرتير العام لحزب جبهة التحرير وذا توجه قومي، بينما كان بوتفليقة وزيرا للخارجية وأكثر ليبرالية وانفتاحا على الغرب. وكان وصول أحدهما للسلطة يعني أنه سيقضي على صاحبه ليتفرد بالقرار، على حد تعبير الكاتب السياسي عادل شارف.

وبخلاف التنجيم السياسي، أثبت العسكر أنهم القوة الفعلية التي ترسم سياسة الدولة، وكان قاصدي مصباح هو الممسك بزمام الأمور، ومن أجل استمرارية نهج القائد السابق، وقع الاختيار على الشاذلي بن جديد وتمت تسميته رئيسا للجمهورية في 9 فبراير/شباط 1979.

لماذا الشاذلي؟

على الرغم من أن الشاذلي كان مجهولا في الشارع الجزائري فإنه بالنسبة للدولة العميقة ليس غريبا إذ ينتمي للعائلة السياسية التي قادت ثورة التحرير وأحد المقربين من الرئيس الراحل.

ولد بن جديد عام 1929 وهو الابن الثالث لعائلة رزقت تسعة أولاد، وقد انضم سنة 1954 إلى جبهة التحرير الوطني. وعندما تولى هواري بومدين رئاسة الجزائر عيّنه قائدا للناحية العسكرية الثانية في وهران سنة 1964.

كان مقربا من بومدين وتربطهما علاقات ودية أساسها ”الثقة والوفاء“، وعند محاولة الانقلاب على بومدين تدخل الشاذلي بقواته لإفشال مسعى الطامعين في قلب الطاولة على صديقه.

ولكنه لم يكن مهتما بالسياسة، وفي اجتماعات اللجنة المركزية لجبهة التحرير كان ينأى بنفسه عن الخوض في الخلافات حتى لُقّب بالرجل الصامت.

وعن الأسباب التي جعلت أصحاب التأثير يدفعون به إلى الأمام، يقول أستاذ علم الاجتماع ناصر جابي ”اختير الشاذلي لأنه عسكري ومن جيل التحرير ولأنه صاحب شخصية باهتة وليست لديه عداوات“.

بينما يقول الأستاذ الجامعي محمد خوجه ”الذين أتوا بالشاذلي كانت لديهم مصلحة في بقائهم في مناصبهم أو الحصول على منافع أكبر“.

وفي حديثه بوثائقي الجزيرة يقول الوزير والسفير الأسبق عبد العزيز رحابي ”لقد سألت الشاذلي صراحة هل جاؤوا بك لتكون رئيسا مؤقتا؟ فأجابني بنعم، لقد عُينت لأكون رئيسا لسنة واحدة“.

لكن الرئيس الذي أريد له أن يكون مؤقتا بدأ بتنفيذ سياسات جديدة صاحبتها أحداث جعلته يبقى في الحكم أكثر من 12 سنة.

ورث بن جديد دولة تُحسب في محور الدول الاشتراكية

الخروج من حضن الاشتراكية

ورث بن جديد دولة تُحسب في محور الدول الاشتراكية، وتعتمد على مواردها الذاتية لأن بومدين كان قد أمم الثروة الزراعية والنفطية وقام بإنشاء مصانع مملوكة للدولة.

ورغم أن الشاذلي أعلن في أول خطاب له بعد تسلمه مقاليد السلطة أنه سيبقى وفيا للمبادئ التي وضعها صديقه الراحل، فإنه أراد أن يساير الظروف العالمية وينفتح على العالم الرأسمالي لأن الاشتراكية في ذلك الحين بدأ نجمها في الأفول.

وعلى عجل، بدأ بن جديد في ترتيب بيت السلطة بالشكل الذي يضمن له البقاء ويحقق له التحول من دائرة الاشتراكية، فقام بترقية قاصدي مصباح لنائب وزير الدفاع لشؤون التسليح، وسلم حزب جبهة التحرير لمحمد شريف مساعدية، وأعطى السياسة الخارجية لمحمد الصديق بن يحيى، وأعطى سياسة الاقتصاد لعبد الحميد براهيمي، وباشر بنفسه إدارة العلاقة مع مؤسسة الجيش.

وبعدما قَرَّب من يثق فيه من الرجال، أعطى أركان حكمه كامل الصلاحيات وبدأ ينفذ سياسة اقتصادية جديدة مناهضة للاشتراكية التي كان بومدين يُسيِّر بها حكمه.

أنهى مشروع التصنيع والثورة الزراعية وأعاد الأراضي التي أممها سلفه إلى ملاكها الأصليين وانفتح على الأوساط الاجتماعية الميسورة.

وبالتنسيق مع طاقمه السياسي بدأ عهده بالانفتاح الاقتصادي وأعطى الأولوية لكبار المستثمرين، وبدأت تظهر نخبة سياسية جديدة تهيمن على سلطة المال وتعيش فروقا طبقية في المجتمع الجزائري.

وعلى عكس ما كان سائدا في الحقبة التي سبقته انفتح على الغرب وأعطى رسائل إيجابية عن استعداده لتمتين العلاقات والتعاون الاقتصادي.

ففي 17 ديسمبر/كانون الأول 1982 قام بزيارة لفرنسا وظهر بجانب نظيره الفرنسي فرنسوا ميتران مرتاحا لحفاوة الاستقبال.

وفي أبريل/نيسان 1985 قام بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية وكان أول رئيس جزائري تُفتح له أبواب البيت الأبيض.

وعلى الصعيد السياسي المحلي حاول أن يعطي صورة جيدة للرئيس، فقد اقترب من الشعب وانفتح على النقابات.

وفي مشاركته بوثائقي الجزيرة، يقول الوزير الأسبق كمال بوشامة إن الشاذلي أعطى الرفاه والليونة للمؤسسات ولم يكن مستبدا برأيه.

وفي مجال العلاقات الإقليمية، أراد بن جديد التقارب مع المملكة المغربية وكان يحاول حل قضية الصحراء.

أنهى الشاذلي مشروع التصنيع والثورة الزراعية وأعاد الأراضي التي أممها سلفه إلى ملاكها الأصليين

سنوات شداد

في الوقت الذي كانت أوضاع المواطنين تزداد سوءا بسبب تبني النظام السياسة الرأسمالية وخصخصة الاقتصاد، كانت حكومة الشاذلي تركز اهتمامها في الانفتاح على الخارج وتحاول الظهور بوجه سياسي يتبنى الديمقراطية مذهبا في إدارة شؤون السلطة.

اعتبرت غالبية المواطنين أن الانفتاح الاقتصادي لم يأت لصالحها، فقد زادت البطالة ونقصت الأجور وتفاقمت أزمة السكن، كما أن الأوضاع الاقتصادية لم تكن في صالح تطلعات بن جديد حيث انخفضت أسعار النفط الذي تعتمد عليه الدولة وزادت مديونيتها حتى وصلت 18 مليار دولار.

بُتِر مشروع الشاذلي وساءت أحوال المواطنين وأصبحت الجزائر تستورد كل شيء حتى الغذاء والقماش فخرج الناس للشوارع في جميع المدن الجزائرية.

ويرى الأستاذ الجامعي ناصر جابي أن السبب الرئيسي هو أن النخبة السياسية لم تعرف كيف تقرأ التحولات التي تلحق بالمجتمع الجزائري والنظام لم يعرف كيف يتعامل مع هذه التحولات.

وسعيا منه لامتصاص النقمة الشعبية ألقى الرئيس بن جديد خطابا قويا في 19 سبتمبر/أيلول 1988 وعد فيه بإصلاحات، وأكد أنه يؤمن بالديمقراطية الصحيحة وليست تلك الفوضوية.

في مجال العلاقات الإقليمية، أراد بن جديد التقارب مع المملكة المغربية وكان يحاول حل قضية الصحراء

ثورة الشباب

على أثر المظاهرات التي خرجت في كامل الدولة كانت أجنحة النظام تعيش صراعا داخليا فأصبح الشاذلي يواجه جبهتين إحداهما في الشارع والأخرى في الجهاز التنفيذي، فظهر مقيّدا بفعل الصراعات التي تدور حوله، ولم يُسمح له بإجراء التغيير والإصلاحات التي كان يريد بها امتصاص غضب الشارع.

وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول 1988 خرج الشعب إلى الشوارع، لكن المتظاهرين هذه المرة كانوا أكثر حنقا وقاموا بتحطيم مؤسسات الدولة ومبانيها وأضحت العاصمة مسرحا للمتظاهرين والأطفال يعبثون فيها.

كانت أصوات المتظاهرين تعلو بعبارات ”مساعدية سرّاق المالية والشاذلي قاتل“.

نزل الشباب حينها للشارع بقوة وعبروا عن امتعاضهم من سياسة التهميش وانتشار البطالة التي تضرروا منها.

وفي حديثه بوثائقي الجزيرة قال الناشط الحقوقي ميلود براهيمي ”إن مظاهرات أكتوبر 1988 كانت ثورة شباب“.

ومما وسع دائرة الفوضى أن العاصمة كانت خالية من قوات الأمن ومكافحة الشغب لأن بن جديد كان قد أصدر تعميما بإبعاد الدّرَك والقوات المسلحة عن العاصمة.

وفي 7 أكتوبر/تشرين الأول 1988 أخذ الإسلاميون زمام الاعتصام وخرج المتظاهرون يقودهم ”علي بلحاج“ وعدد من رموز الحركة.

وفي اليوم الثاني بعد خروج الإسلاميين، انتشرت القوات المسلحة في الشوارع وبدأ الحديث عن سقوط قتلى على يد الجيش وكثرت الاعتقالات وسِيقَ المتظاهرون إلى زنزانات التعذيب.

في 7 أكتوبر/تشرين الأول 1988 أخذ الإسلاميون زمام الاعتصام وخرج المتظاهرون يقودهم ”عباسي مدني“ وعدد من رموز الحركة

دستور جديد

عُقد المؤتمر التأسيسي لجبهة التحرير في 6 ديسمبر/كانون الأول 1988 وأُعيد ترشيح الشاذلي لفترة رئاسية جديدة وبدأ يضع خطوطا عريضة لدستور جديد يتضمن إصلاحات سياسية.

وفي 23 فبراير/شباط 1989 تمت الموافقة على الدستور الذي تقدم به الرئيس، وكان من أبرز سماته أنه سمح بالتعددية السياسية وأنهى فترة الحزب الواحد.

وبعد إقرار الدستور الجديد شاع مناخ من الحرية وعرف 60 حزبا سياسيا طريقه للترخيص وبدأ التحضير لانتخابات بلدية وتشريعية.

أعلنت المؤسسة العسكرية إلغاء الانتخابات ووصفت جبهة الإنقاذ بأنها جماعة تكفيرية، لكن الإسلاميين خرجوا للشارع وقالوا إن الشعب هو الحكم

الشاذلي والإسلاميون

شهدت العلاقة بين الإسلاميين والشاذلي مراحل من الشد والجذب، فرغم أنهم شهدوا تضييقا واعتقالا في بداية حكمه فإنه لم يكن ضد الإسلام، لكنه كان يتطلع لفكر إسلامي غير الذي ينتشر في الجزائر، فقام بفتح الباب أمام دعاة من خارج البلد، وكان للشيخ محمد الغزالي حصة أسبوعية في التلفاز، وقام بدعم دور النشر لطبع كتب الشيخ يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي وأسس جامعة للعلوم الإسلامية.

ويقول الأستاذ الجامعي محمد خوجه ”إن الشاذلي كان يرى في الإسلاميين بعبعا يخيف به العلمانيين ويمتص به النقمة الشعبية بفعل الأوضاع الاقتصادية“.

وبعد إقرار الدستور الذي تقدم به بن جديد أسس الإسلاميون حزب جبهة الإنقاذ الاسلامي وبدؤوا في التحضير لخوض غمار الانتخابات.

وفي 12 يونيو/حزيران 1990 نُظِّمت انتخابات بلدية حقق فيها الإسلاميون حضورا كبيرا، لكن السلطات سرعان ما اعتقلت عباسي مدني وعلي بلحاج وعددا من رموز جبهة الإنقاذ.

وفي 26 ديسمبر/كانون الأول 1991 أُجْرِيت انتخابات تشريعية ففازت جبهة الإنقاذ بـ188 مقعدا في المجلس التشريعي ولم تحظ جبهة التحرير إلا بـ15 مقعدا، فشكل ذلك صدمة للنظام السياسي.

اعترف الشاذلي بالانتخابات، لكن وزير الدفاع خالد نزار شكل مجلسا شبه سري لوقف المسار الانتخابي، فانتشرت الدبابات في الشوارع قبل أن يحتفل الإسلاميون بالنجاح.

أعلنت المؤسسة العسكرية إلغاء الانتخابات ووصفت جبهة الإنقاذ بأنها جماعة تكفيرية، لكن الإسلاميين خرجوا للشارع وقالوا إن الشعب هو الحكم وكلمته يجب أن تُحترم والشريعة الإسلامية ينبغي أن تكون هي مرجع الحكم.

كان الشاذلي يتطلع لفكر إسلامي غير الذي ينتشر في الجزائر، فقام بفتح الباب أمام دعاة من خارج البلد، وكان للشيخ محمد الغزالي حصة أسبوعية في التلفاز

الاستقالة والعودة للصمت

وفي يناير/كانون الثاني 1992 أعلن الشاذلي بن جديد استقالته منهيا بذلك حقبة من التجاذبات أُطلق عليها لاحقا سنوات الشاذلي بن جديد.

بيد أنها فتحت مرحلة أخرى أكثر خطورة عُرفت بالعشرية السوداء تميزت بصراع مسلح دفع ثمنه المدنيون الأبرياء. وبعد استقالته فضل الشاذلي اعتزال المشهد السياسي والهدوء بعيدا عن الصخب والظهور.

وفي 2008 وبعد غياب طويل ظهر في تصريح صحفي مفاجئ يهاجم الحرس القديم للسلطة.

وبسبب مرض عضال أعيى الأطباء في باريس ودع الحياة في العاصمة الجزائر في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2012 وأقيمت له مراسيم رسمية تليق برئيس دولة.