بورتريه

"شارل ديغول".. طيف الجنرال الثائر يلهم رجال السياسة الفرنسية

 

يونس مسكين

بعد مرور نصف قرن كامل على وفاته، يشعر غالبية الفرنسيين اليوم بطيف زعيمهم المعاصر الجنرال "شارل ديغول"، وكأنه يقف أمام أبوابهم، يطرقها ويدعوهم للتصويت له في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

تنسب إلى الجنرال "ديغول" عبارة يقول فيها إن اليسار سيتبنى أفكاره بعد رحيله، لكن بعد 50 عاما من وفاته، يقوم اليمين الفرنسي المتطرف برفع لواء "الديغولية" بطريقة فاجأت أكثر المراقبين دراية بالشأن السياسي الفرنسي.

 

المفاجئ في الأمر أن هذا اليمين كان في حقبة "ديغول" يضم بالخصوص بعض التيارات المتمسكة بإرث حكومة "فيشي" الموالية للاحتلال الألماني وبعض المتطرفين الرافضين لاستقلال الجزائر، ومنهم من خطط لاغتيال "ديغول" نفسه، هي التي تتصدر المشهد اليوم مدعية الدفاع عن إرثه.[1]

عدوى الديغولية.. حملات الطريق إلى الإليزيه

جل الأسماء التي يحتمل دخولها غمار التنافس الانتخابي العام 2022، تزعم منذ البداية سعيها إلى إحياء الإرث الديغولي، واستعادة ذكرى الجيل الذهبي الذي عاشه الفرنسيون بعد الحرب العالمية الثانية، إن سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا.

فقد فاجأت المراقبين زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف "مارين لوبين"، حين اعتبرت أنها الوحيدة القادرة على تجسيد الإرث الديغولي وإحيائه في فرنسا، وذلك زعمٌ فاجأ كثيرين لأن هذا الحزب تأسس على أيدي أكثر خصوم "ديغول" السياسيين عداء وكرها له.

شارل ديغول.. الأب المؤسس للجمهورية الفرنسية الخامسة

 

وقد شجب زعيم حزب الجمهوريين -الذين يفترض بهم أن يكونوا الورثة الشرعيين للديغولية- ما ذهبت إليه "لوبين" وقال إن ديغول كان يدافع عن فرنسا منفتحة ووازنة على الصعيد الدولي، وأنه دافع عن أي شيء إلا فرنسا التي يدعو إليها التجمع الوطني.[2]

أما الرئيس الفرنسي الحالي "إيمانويل ماكرون"، فقد انتهز بدوره ذكرى وفاة "ديغول" التي تحل في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام، ليمجد الزعيم السياسي والعسكري واصفها إياه بأنه "روح المقاومة على الطريقة الفرنسية".

بينما كان سلفه الاشتراكي "فرانسوا هولاند" أول رئيس جمهورية يساري يقوم بزيارة قبر "شارل ديغول"، وذلك سنة 2016، في منعطف تاريخي في علاقة اليسار الذي ظل يعتبر خصم "ديغول" الأول إلى آخر أيامه.[3]

"طلسم لا يخسر أبدا".. رمزية المقاومة ورفض الهزيمة وتجسيد الدولة

يذكر الفرنسيون "شارل ديغول" خصوصا بنداء 18 يونيو/حزيران 1940 الذي بثه عبر إذاعة "بي بي سي" البريطانية، داعيا الجنود الفرنسيين إلى الالتحاق به لتشكيل مقاومة وطنية من الخارج بعد سيطرة الألمان على فرنسا.

وهو أيضا الأب المؤسس للجمهورية الفرنسية الخامسة، أي النظام السياسي القائم في فرنسا مند العام 1958 وحتى اليوم، ويرتبط ذكره بخصال الشجاعة والإقدام والوطنية، وهو في المخيال الجماعي للفرنسيين ملِك تربّع على عرش جمهوريتهم، وفي رأي خصومه قبل أنصاره أنه عملاق تاريخي.[4]

يقول "ميشيل وينوك" المؤرخ وصاحب كتاب "شارل ديغول، ثائر مسكون بالتاريخ": "ديغول" عبارة عن طلسم لا يخسر أبدا في قيمته في مواجهة الزمن، لا منافس له كقامة سياسية كبيرة منذ العام 1940، فهو يجسد خاصية رفض الهزيمة، ويجسد فرنسا، الحرة ويجسد المقاومة.[5]

أسير الحرب العالمية الأولى.. معركة الألمان الأولى

ولد "شارل ديغول" في مدينة ليل الفرنسية في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1890، كثالث ابن في أسرة من خمسة إخوة، جلهم سيتابعون دراسات عليا في القانون، في كنف والده "هنري ديغول" الذي كان أستاذا للأدب والتاريخ، وفي أسرة تنتمي إلى الصفوة البرجوازية لتلك الحقبة.[6]

بدأ "شارل ديغول" دراسته الابتدائية في إحدى المؤسسات التابعة للكنيسة الكاثوليكية، وبعد صدور قرار في سنة 1905 بمنع هذا النوع من المدارس، انتقل إلى بلجيكا لمواصلة تعليمه الثانوي.[7]

إطلاق سراح شارل ديغول من السجون الألمانية بعد سنتين ونصف من الحرب العالمية الأولى

 

بمجرد إنهائه تعليمه الثانوي التحق "ديغول" بأكاديمية عسكرية عام 1908، لينضم فور تخرجه سنة 1912 بفوج المشاة رقم 33 في أراس بأقصى الشمال الفرنسي. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى أبان القبطان "ديغول" عن شجاعة وإقدام استثنائيين، ثم جُرح وأسر من طرف الألمان في مارس/آذار 1916، وقد اعتُبر بداية في عداد القتلى بإحدى المعارك التي اندلعت في بداية الحرب الكونية الأولى، قبل أن يُكتشف حيا في أسر الألمان. وقد جرّت عليه محاولة الفرار عقابا قاسيا من جانب الجيش الألماني، فقضى سنتين ونصفا من الأسر والعزلة، تخللتهما خمس محاولات أخرى للفرار.[8]

وبمجرد استعادته لحريته بانتهاء الحرب عام 1918، أرسل "شارل ديغول" إلى بولونيا ليساهم في تكوين الجيش البولوني، ومكث هناك ثلاث سنوات، أي إلى غاية 1921.[9]

استسلام الجيش الفرنسي.. بداية ثورة الجنرال من المنفى

عاد "شارل ديغول" إلى فرنسا ليستكمل مساره وتكوينه العسكريين، حيث قام بتطوير نظريته الحربية الخاصة، وذلك من خلال عدد من الكتابات والإصدارات المتعلقة بالتخطيط والتكتيك العسكريين.[10]

وتبرز فكرتان أساسيتان من كتابات "شارل ديغول" التي أصدرها بين الحربين العالميتين، الأولى تفيد أن الجيش ينبغي أن يخضع لقرارات السياسيين، والثانية أن حماية الأمن القومي الفرنسي تستدعي تشكيل قوة كافية من المدرعات.[11]

 

كان "ديغول" لحظة اندلاع الحرب العالمية الثانية عقيدا يتولى قيادة الفوج 507 للمدرعات المقاتلة، لكنه عُين جنرالا مؤقتا في مايو/أيار 1940، ثم كاتب دولة مكلفا بالحرب والدفاع بعد شهر واحد من ذلك، وأصبح مسؤولا عن تنسيق العمل العسكري المشترك بين فرنسا وبريطانيا في مواجهة ألمانيا، وقد قادته هذه المهمة إلى لقاء رئيس الوزراء البريطاني "وينستون تشرشل".

وحين أعلنت الهدنة في فرنسا واستسلم جيش بلاده أمام الغزاة، فر "ديغول" إلى العاصمة البريطانية لندن، ومنها وجّه نداء للجنود الفرنسيين الراغبين في مواصلة القتال كي يلتحقوا به هناك، وهو ما أدى إلى تأسيس "القوات الفرنسية الحرة"، وحصل على اعتراف "تشرشل" بقيادته لهذه القوات.[12]

تحرير باريس.. نهاية عصر الخضوع الفرنسي للنازية

عقب الإنزال العسكري لقوات الحلفاء في نورماندي بداية يونيو/حزيران 1944، كانت الخطة تقضي بالتوجه مباشرة نحو الشرق، أي الزحف نحو ألمانيا، لكن "ديغول" أصر على القادة العسكريين الأمريكيين أن يقوموا بتحرير العاصمة الفرنسية باريس أولا قبل مواصلة الزحف، وهو ما تم له، حيث عاد إلى مكتبه في وزارة الدفاع الفرنسية، كدلالة على إغلاق قوس الخضوع الفرنسي للسيطرة الألمانية.

وبعد استكماله تحرير البلاد، واجه "ديغول" معارضة لتصوراته الخاصة بشكل الدولة، وهو ما اضطره للاستقالة من مهامه في بداية 1946، ورغم محاولاته إقناع الفرنسيين بأفكاره الخاصة بمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة مقابل السلطة التشريعية، فإنه لم يفلح في ذلك، واضطر للركون إلى المعارضة.[13]

بعد إنزال نورماندي، وجّه ديغول من العاصمة البريطانية لندن نداء للجنود الفرنسيين لمواصلة القتال 

 

قاد "ديغول" العمل العسكري الفرنسي تحت راية الحلفاء طيلة أربع سنوات، ليتوج هذا المسار في يونيو/حزيران 1944 بإنزال عسكري في الساحل الفرنسي، وقد كانت ثلاثة أشهر كافية لتنصيب حكومة وحدة وطنية فرنسية تحت قيادته، ثم وضع أسس الدستور الفرنسي الذي سيصبح وثيقة ميلاد الجمهورية الفرنسية الخامسة.[14]

"تجمع الشعب الفرنسي".. قائد الحرب في صفوف المعارضة

خوّل موقع "ديغول" القيادي للمقاومة ضد الاحتلال النازي، توليه المباشر زمام الحكم في فرنسا المستقلة. وفي خطاب شهير له ألقاه في العاصمة الكونغولية برازافيل سنة 1944، قدّم "ديغول" رؤيته للإصلاح الممكن للإمبراطورية الفرنسية.

قال "ديغول" يومها أمام مجموعة من نخبة الإدارة الاستعمارية الفرنسية: إن أي إصلاح مفيد وضامن لمصالح فرنسا في فترة ما بعد الحرب، لا يمكن أن يقع دون أن ينطوي على توجه نحو مساواة أكثر وقدر أكبر من العدالة الاقتصادية والاجتماعية.[15]

ورغم موقعه المعنوي الخاص ورمزيته الاستثنائية، فإن "ديغول" واجه صعوبة كبيرة في مواجهة التيارات السياسية الأخرى، إذ توصف فترة 1946-1958 بمرحلة "عبور الصحراء" في مسار هذا الرجل الاستثنائي في تاريخ فرنسا الحديث، وقد اختار خلالها الانسحاب من موقع المسؤولية التدبيرية رافضا "لعب الأحزاب"، وتولى قيادة "تجمع الشعب الفرنسي" من موقع المعارضة، وحرص -موازاة مع ذلك- على تدوين مذكراته.[16]

ثورة الجزائر.. ميلاد دستور الجمهورية الخامسة

بعد انتهاء الحرب بانتصار الحلفاء واسترجاع فرنسا لاستقلالها، أسس "شارل ديغول" حركة سياسية باسم "تجمع الشعب الفرنسي"، لكن هذا الحزب السياسي لاقى الفشل في انتخابات 1951 التشريعية، ليتوارى الجنرال "ديغول" عن الأنظار حتى العام 1958، حيث أرغمت الأزمة التي سببتها الثورة الجزائرية للدولة الفرنسية، رئيس الجمهورية وقتها "روني كوتي"، على الاستنجاد بالجنرال "ديغول" الذي سيتولى رئاسة آخر فترات الجمهورية الفرنسية الرابعة، ووضع دستور فرنسا الجديد الذي صادقت عليه جميع المناطق الخاضعة لحكم فرنسا باستثناء غينيا التي حصلت على استقلالها بناء على نتيجة الاستفتاء على الدستور.[17]

الثورة الجزائرية تجبر ديغول لمنح الجزائر اسنقلالها

 

انتخب "ديغول" رسميا على رأس السلطة التنفيذية الفرنسية كوزير أول في متم العام 1958، ثم رئيسا للجمهورية بعد ذلك، وكانت أولى أولوياته هي الأزمة الجزائرية، وقد توالت زيارات الجنرال إليها، وبعد محاولته إنهاء الثورة بالقوة في البداية سرعان ما اقتنع بضرورة استقلال الجزائر، فاقترح على الفرنسيين مشروعا لتقرير مصير الجزائر، وافق عليه استفتاء شعبي بالأغلبية، وبعد تفجير أول قنبلة نووية فرنسية في الصحراء الجزائرية، فتحت المفاوضات مع جبهة التحرير الجزائرية التي ستتوج بالاستقلال في مارس/آذار 1962.[18]

رحلات الشرق.. مظاهر التمرد على العباءة الأمريكية

واجه "ديغول" معارضة قوية داخل فرنسا لفكرة التفاوض مع الثوار الجزائريين والقبول بفكرة الاستقلال، لدرجة أن تنظيما مسلحا سريا نشأ في فرنسا وخطط لاغتيال الرئيس، دون أن يوقف ذلك مسار الثورة الجزائرية من أجل الاستقلال.[19]

وبعد تحريره الدولة الفرنسية من عبء الأزمة الجزائرية، ركّز الجنرال "ديغول" جهوده على تخليص فرنسا من الوصاية الأمريكية التي نتجت عن قيادة واشنطن عملية تحرير بلاده من الاحتلال الألماني، مع احتفاظه بحلف وثيق مع أمريكا، فكان أول مساندي الرئيس الأمريكي "جون كينيدي" في أزمة الصواريخ السوفياتية في كوبا عام 1962.[20]

 

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1962، انتزع "ديغول" موافقة شعبية من خلال استفتاء دستوري، جعل رئيس الجمهورية ينتخب بشكل مباشر من طرف الفرنسيين بدل انتخابه بشكل غير مباشر من طرف الناخبين الكبار، ثم تلا ذلك توقيعه لمعاهدة جديدة مع ألمانيا ترمي إلى بناء أوروبا جديدة، مع الحفاظ على مسافة تفصلها عن بريطانيا التي ترتبط بشكل كلي بالولايات المتحدة الأمريكية.

كما تقدم "ديغول" زعماء دول العالم الدين اعترفوا بالجمهورية الشعبية الصينية وأقاموا علاقات دبلوماسية معها، مواليا انتقاداته للسياسة الأمريكية في العالم (بوصفها امبريالية)، وتوّج ذلك بزيارته إلى الاتحاد السوفياتي عام 1966 لافتتاح عهد جديد من العلاقات معه.[21]

"أعلن الكف عن ممارسة مهامي كرئيس للجمهورية"

وفي أول تطبيق لخيار الانتخاب المباشر للرئيس الفرنسي، اضطر الجنرال "ديغول" عام 1965 لخوض دور ثان ضد منافسه "فرانسوا ميتيران"، وقد فاز عليه بصعوبة محققا نسبة 54.8% من الأصوات.

وبعد نجاحه في مواجهة احتجاجات الطلبة الشهيرة عام 1968، وخروجه منها بانتصار سياسي إثر حله مجلس "الجمعية الوطنية" وفوز أنصاره بالانتخابات المبكرة؛ سيواجه "ديغول" نكبة سياسية عام 1969، يوم رفض الفرنسيون مشروع إصلاح دستوري يرمي إلى إقامة نظام جهوي وإدخال تغييرات على مجلس الشيوخ، وهو ما أرغمه على الاستقالة من منصبه، ليعكف على كتابة مذكراته إلى غاية رحيله بعد عام واحد، وتحديدا يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1970.[22]

 

"أعلن الكف عن ممارسة مهامي كرئيس للجمهورية، ويدخل هذا القرار حيز التنفيذ هذا اليوم زوالا". هكذا أعلن "ديغول" يوم الاثنين 28 أبريل/نيسان 1969، خروجه من قصر الأليزيه بصفة نهائية لا رجعة فيها.[23]

"فرنسا تقرر والسعودية تمول والمغرب ينفذ".. عقلية الاستعلاء

كان "ديغول" وهو يتولى زمام فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، يقدم تصورات ثورية في إصلاح الدولة وتخفيف قبضة سلطتها المركزية على المناطق والمستعمرات، لكنه كان يفعل ذلك كله شريطة منع تفكك الإمبراطورية والحؤول دون استقلال مستعمراتها، خاصة الأفريقية. كان "ديغول" يبدي إعجابه الخاص ببعض القادة المحليين، مثل الحبيب بورقيبة في تونس، والذي اعتبره أكبر من دولة وصفها (جغرافيا) بالصغيرة[24]، وكان يشاطر الحسن الثاني نظرته الملكية للحكم، لكنه كان يبقى مستعمرا ينظر إلى مستعمراته.

كانت للجنرال "ديغول" نظرة استعلائية خاصة تجاه العرب، وينقل عنه بعض المؤرخين قوله عن السياسة الفرنسية تجاه المنطقة العربية: "فرنسا تقرر، والسعودية تمول، والمغرب ينفذ". ويربط بعض الدارسين بين السياستين الأفريقية والعربية لدى "ديغول"، رغم أن الشق العربي تعرض للجمود بعد عملية اختطاف واغتيال المعارض المغربي الشهير المهدي بنبركة في العاصمة الفرنسية باريس سنة 1965.[25]

 

يقول عبد الهادي بوطالب مستشار الملك المغربي الراحل الحسن الثاني: الملك الحسن الثاني لم تكن له مع "ديغول" علاقة طويلة الأمد، خلافا لعلاقة والده الملك محمد الخامس الذي اتصل به الجنرال "ديغول"، واستقبله بباريس بوصفه محرر فرنسا، ووشح صدره بوسام التحرير الأكبر الفرنسي.[26]

وهو ما تؤكده اللقاءات النادرة للرجلين (ديغول والحسن الثاني)، حيث كانت أولى لقاءاتهما قبيل عودة الجنرال إلى جمهوريته الخامسة، أي سنة 1957، وكان ذلك بطلب من محمد الخامس، وكان جدول أعمال اللقاء يحمل نقطة أساسية هي استقلال الجزائر.

وبقيت علاقة الطرفين منقطعة منذ اختطاف المعارض المغربي المهدي بنبركة في باريس سنة 1965، فقد امتنع الملك المغربي عن زيارة فرنسا إلى غاية وفاة "ديغول"، حيث قام بالترحم على قبره، حاملا ميدالية رفيق التحرير الممنوحة لوالده من طرف الجنرال.

مدرسة الديغولية.. ظلال الرئيس الأول على الساسة الفرنسيين

يعتبر نداء شارل ديغول الصادر يوم 18 يونيو/حزيران 1940 لتشكيل جيش فرنسي مقاوم للألمان، الوثيقة التأسيسية للديغولية. ويعرّف بعض المختصين هذه المدرسة الفكرية بكونها تعني الرفض والتمرد ضد فكرة الهزيمة في الأساس، فقد كان تحرك "ديغول" مناوئا لقرار الحكومة الفرنسية وقتها بالاستسلام ووقف القتال.[27]

لم يخلف "شارل ديغول" تاريخا ومسارا استثنائيين فقط، بل ترك وراءه مدرسة في السياسة يطلق عليها اسم "الديغولية"، وتشمل جميع مناحي حياة المواطن الفرنسي، سواء في جانبها الفردي أو الأسري أو العام.

ومنذ رحيله بات هناك انتماء فكري وسياسي يحمله ورثته السياسيون ومن رافقوه في مساره السياسي، وجرى ترسيخ هذا التوجه من خلال نمط في التصويت دأب عليه الفرنسيون، لفائدة الأحزاب والشخصيات التي تعلن حملها للفكر الديغولي.

 

تتمثل هذه المدرسة الفكرية والسياسية الديغولية في إعلاء قيمة الاستقلالية تجاه القوى الدولية الأخرى، والحرص على الرفع من شان فرنسا عبر العالم، والتمكين للسلطة التنفيذية على حساب نظيرتها التشريعية وممارسة الأحزاب للسياسة. كما تبدي الديغولية قدرا من الرفض تجاه الأفكار الشيوعية مع الحرص على أداء الدولة لوظائفها الاجتماعية الأساسية. وتنطوي الديغولية على قدر من الانفتاح على دول العالم الثالث وبناء علاقات جديدة مع المستعمرات السابقة.[28]

الديغولية عند البعض مجرد فكرة عامة وفضفاضة تسمح لكل طرف بتحميلها ما يلائمه من أفكار وقناعات، وهو ما يجعلها عملية وقابلة للاستمرار في الوقت نفسه. وبعد بضع سنوات من الخلافات والخيانات والخيانات المضادة بين أنصار ديغول، قاد الرئيس الفرنسي السابق "جاك شيراك" معسكر الديغوليين، وقد ظل بمثابة الوريث السياسي الشرعي للديغولية منذ منتصف السبعينيات إلى غاية رحيله عن قصر الرئاسة عام 2007.[29]

نابليون العصر.. إرث فكري يتجلى في اليوميات الفرنسية

الديغولية أو الإرث الذي خلفه هذا القائد العسكري والسياسي، هي رواية معينة لفترة الاحتلال الألماني لفرنسا، ولنوع من التوافق الذي اهتدت إليه الطبقة السياسية الفرنسية من أجل الخروج من تلك الحقبة القاسية، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي والاجتماعي.

ومنذ البروز الأول للجنرال "ديغول" على خشبة المسرح السياسي الفرنسي، تعاقبت عدة أحزاب التي كانت تقدم على أنها حاملة الإرث الديغولي، وآخرها حزب "الجمهوريون" اليميني. لكن التحضيرات الأولية للانتخابات الرئاسية التي ستشهدها فرنسا في العام 2022، كشفت وضعا لم تعشه فرنسا من قبل، وهو مسارعة جميع التيارات السياسية الى رفع شعارات وأفكار ديغولية.

 

ويعتبر المؤرخ الفرنسي "فرانسيس شواسيل" أن "ديغول" لم يكف يوما عن التأثير في الحياة السياسية الفرنسية، ويذهب إلى أن استعمال أفكار واسم "ديغول"، تقارن باسم وأفكار "نابوليون بونابرت" خلال القرن 19.[30]

وعن كيفية تعريف الديغولية يقول المؤرخ "شواسيل" إنها تعرف بإحدى طريقتين: منهجية في العمل أو محتوى فكري. وبخصوص المنهجية يقول المتحدث نفسه إن بالإمكان تلخيصها في القول إن "ديغول" يعتبر أن رئيس الجمهورية يجسد فرنسا، أي أنه ينبغي وجود نفحة ملكية في أسلوب حكمه للبلاد. بهذا المعنى تكون الديغولية مرجعية فكرية تحول دون قيام الرئيس بالتغريد مثلا وفقا لأسلوب التواصل الحديث، لأنه غير مطالب بالخوض في ما هو يومي وعابر. أما من حيث المضمون، فيمكن القول إن الديغولية هي مجموعة قيم تلتقي في فكرة البراغماتية.[31]

 

المصادر

[1] https://www.liberation.fr/politique/on-peut-voir-le-projet-demmanuel-macron-comme-eminemm
[2] https://www.leparisien.fr/politique/de-macron-a-le-pen-en-passant-par-lr-tous-se-reclament-du-gaullisme-06-06-2020-8330823.php
[3] https://www.leparisien.fr/politique/de-macron-a-le-pen-en-passant-par-lr-tous-se-reclament-du-gaullisme-06-06-2020-8330823.php
[4] https://www.larousse.fr/encyclopedie/personnage/Charles_de_Gaulle/120946
[5] https://www.leparisien.fr/politique/de-macron-a-le-pen-en-passant-par-lr-tous-se-reclament-du-gaullisme-06-06-2020-8330823.php
[6] https://www.larousse.fr/encyclopedie/personnage/Charles_de_Gaulle/120946
[7] https://www.elysee.fr/charles-de-gaulle
[8] https://www.elysee.fr/charles-de-gaulle
[9] https://www.charles-de-gaulle.org/lhomme/biographie/
[10] https://www.elysee.fr/charles-de-gaulle
[11] https://www.charles-de-gaulle.org/lhomme/biographie/
[12] https://www.elysee.fr/charles-de-gaulle
[13] https://www.charles-de-gaulle.org/lhomme/biographie/
[14] https://www.elysee.fr/charles-de-gaulle
[15] Pierre Vermeren, Le Choc des décolonisationsDe la guerre d’Algérie aux printemps arabes, Odile Jacob Collection Histoire, 2015

[16] https://www.larousse.fr/encyclopedie/personnage/Charles_de_Gaulle/120946
[17] https://www.elysee.fr/charles-de-gaulle
[18] https://www.elysee.fr/charles-de-gaulle
[19] https://information.tv5monde.com/info/le-gaullisme-c-est-quoi-431828
[20] https://www.elysee.fr/charles-de-gaulle
[21] https://www.elysee.fr/charles-de-gaulle
[22] https://www.elysee.fr/charles-de-gaulle
[23] Andrew Knapp, Le Gaullisme après de Gaulle, Le Seuil, janvier 1996
[24] Pierre Vermeren, Le Choc des décolonisationsDe la guerre d’Algérie aux printemps arabes, Odile Jacob Collection Histoire, 2015

[25] Pierre Vermeren, Le Choc des décolonisationsDe la guerre d’Algérie aux printemps arabes, Odile Jacob Collection Histoire, 2015

[26] عبد الهادي بوطالب، نصف قرن في السياسة، منشورات الزمن، 2001
[27] https://www.larousse.fr/encyclopedie/divers/gaullisme/54752
[28] https://www.larousse.fr/encyclopedie/divers/gaullisme/54752
[29] https://www.franceinter.fr/emissions/l-edito-politique/l-edito-politique-09-novembre-2010
[30] https://information.tv5monde.com/info/le-gaullisme-c-est-quoi-431828
[31] https://information.tv5monde.com/info/le-gaullisme-c-est-quoi-431828

ذات صلة

"الحرب القذرة".. رواية مغايرة للعشرية السوداء من داخل الجيش الجزائري
نقد سينمائي

"الحرب القذرة".. رواية مغايرة للعشرية السوداء من داخل الجيش الجزائري

حين تفوز الديمقراطية في بلاد العرب، يغتاظ الغرب، فيشيرون إلى أذنابهم من العسكر بأن يقمعوا التجربة ويجهضوها، فتكون التكلفة دماء ألوف من الأبرياء. فهل ستعي الشعوب يوما بأن العسكر لا يصلحون للحكم؟