بورتريه

عبد الرحمن بن خلدون.. رجل السياسة والتاريخ والنكبات في عصر الانحطاط

 

يونس مسكين

أحد نوابغ التاريخ البشري في مجال العلوم الإنسانية من فلسفة وتاريخ وسياسة، وواحد من أهم -إن لم يكن الأهم على الإطلاق- من أنتجتهم الثقافة العربية والإسلامية وأهدتهم للحضارات الإنسانية، تستفيد من علمهم وتستنير بأفكارهم.

عبد الرحمن ابن خلدون، العربي والمغاربي والأندلسي واليمني الذي ولد في تونس، وتوفي ودفن في مصر، يحتفظ بحضوره القوي رغم مرور أكثر من ستة قرون على وفاته، فهو حي في مختبرات العلم والجامعات والمنتديات البحثية، وعاد خلال العام 2021 قويا ومؤثرا في الأحداث التي تصنع الرأي العام وتستأثر بالنقاش والاهتمام.

 

ففي بداية العام 2021، اندلعت موجة غضب في تونس بسبب أعمال صيانة شملت تمثالا يجسد عبد الرحمن بن خلدون، واعتبرها جزء من التونسيين مسيئة لهذه الشخصية، فالتمثال الموجود في أهم شوارع تونس العاصمة شارع الحبيب بورقيبة، تعرض لخطأ لغوي ارتكب أثناء عملية الصيانة، ويتمثل في إضافة حرف عطف غير موجود في النص الأصلي لعبارة منسوبة لابن خلدون، وهو ما اعتبره الغاضبون استهتارا بشخصية استثنائية.[1]

وبعد قرابة عشرة أشهر من غضب التونسيين، اندلعت موجة غضب مماثلة في المغرب، بعد أن عرض للبيع رياض (بيت عتيق) يحمل اسم ابن خلدون بمدينة فاس، وهو غضب جعل وزير الشباب والثقافة والتواصل المغربي مهدي بنسعيد، يأمر بفتح تحقيق حول الموضوع، فسارعت مصالح وزارة الثقافة المحلية إلى مباشرته بطرق علمية وتقنية للتأكد من صلة البناية بعبد الرحمن بن خلدون.[2]

"المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب".. رائد علم الاجتماع

هو أول من وضع الأسس الحديثة لعلم الاجتماع، وتوصل إلى نظريات باهرة حول قوانين العمران ونظرية العصبية وبناء الدولة وأطوارها وعمارها وسقوطها، وسبقت هذه الآراء والنظريات ما توصل إليه مشاهير العلماء بعد قرون.[3]

يتذكره البعض بمقولة "المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"، ويستحضره البعض الآخر من خلال قوله إن "فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال وتُشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال".[4]

وضع ابن خلدون نظريات في علم الاجتماع تصف بعض أحوال المستقبل

 

 

وبين التاريخ وعلم الاجتماع، كانت لابن خلدون مساهمة فعالة في علم التربية يمكن إجمالها في العناصر التالية[5]:

§        أن العلم ينقسم إلى علمين: علم نقلي، وعلم عقلي.

§        التدرج في التعليم.

§        البدء بالمحسوسات والتدرج حتى الملموسات.

§        يكون تعليم الصبي بداية بعض سور القرآن الكريم وبعض الأشعار، حتى تقوى ملكة الحفظ.

لكننا لو فتحنا قاموسا مرجعيا كبيرا مثل "لاروس" الفرنسي، وتوقفنا عند اسم ابن خلدون لقرأنا ما يلي: "مؤرخ عربي ولد في تونس (1332-1406)، وخلف كتابا ضخما يتضمن مجموعة أخبار عامة مسبوقة بمعلومات تمهيدية (المقدمة) يعرض فيها فلسفته في التاريخ". هذا كل ما نجد.[6]

خلدون بن عثمان.. نازح من حضرموت إلى إشبيلية

ولد ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بتونس في 27 مايو/أيار 1332 م، بداية شهر رمضان عام 732 ه، في أسرة تنحدر من حضرموت جنوب الجزيرة العربية، دخل أحد أجداده، وهو خلدون بن عثمان، إلى الأندلس في نهاية القرن الثالث الهجري، واستقر في إشبيلية.[7]

وتنقل المصادر عن ابن خلدون نفسه أن أحد أجداده كان صحابيا في عصر النبوة، ولقي حتفه في إحدى المعارك على عهد الخليفة علي بن أبي طالب، بينما سطع نجم الأسرة الخلدونية في العهد الأموي، في المجالين السياسي والعسكري، قبل أن تنكب بسقوط هذه الدولة، ولم يستعيدوا أمجادهم إلا بعد هجرتهم إلى الأندلس، وتحديدا في العهد الموحدي، ليضطروا بعد سقوط حكم الموحدين إلى النزوح من إشبيلية إلى مدينة سبتة المغربية، ومنها انتقلوا إلى أفريقية (تونس الحالية) على عهد الدولة الحفصية، حيث نالوا الحظوة والمكانة من جديد.[8]

 

نشأ ابن خلدون في بيئة أرستقراطية، وبين أهل ينتمون إلى علية القوم، ويملكون الأراضي الشاسعة، ويجمعون بين الجاه والسلطة، وكان أفراد أسرته يتولون المناصب الإدارية العليا، وهو ما سمح للشاب عبد الرحمن ابن خلدون بالحضور في أرقى مجال العلم والسياسة.

استوطنت عائلته مدينة إشبيلية الأندلسية في ذروة مجدها الإسلامي، وكان الجد الأول خالد رجلا عظيم الشأن، فصار اسمه على طريقة أهل إشبيلية يقال له خلدون، ومنه حمل عائلته الاسم.[9]

جامعة الزيتونة.. بداية رحلة الحياة من العقل إلى الروح

درس ابن الأسرة الأرستقراطية في جامعة الزيتونة، حيث يتلقى الطلبة دروس التفسير والفقه والفلسفة والعلوم الطبيعية، وبعد استيلاء المرينيين على تونس سنة 1347 للميلاد، وبينما كان يبلغ 15 سنة من العمر، حظي ابن خلدون بفرصة الجلوس إلى طينة جديدة من الشيوخ والعلماء الذين جاء بهم الحكام الجدد، وكان أغلبهم من علماء الأندلس النازحين، لكن ابن خلدون سرعان ما اكتوى بنار الجائحة التي ضربت تونس عام 1349م، من خلال وباء الطاعون الذي أودى بحياة والديه وجل شيوخه، وهو ما سمح لابن خلدون بتولي مناصب سامية وهو ما يزال في سن العشرين.[10]

اعتنى والد ابن خلدون -وكان رجلا عالما- بابنه الذي ظهرت عليه علامات النبوغ المبكر

 

يقسّم الدارسون (العرب) حياة ابن خلدون وفكره إلى مجموعة من الأطوار، أولها طور التلمذة الذي يشمل العشرين سنة الأولى من حياته، ثم طور المغامرات السياسية في المغرب والجزائر والأندلس لما يناهز 22 سنة تالية، ثم مرحلة العزلة والتأليف داخل قلعة ابن سلامة في الجزائر، وذلك لما يقرب من أربع سنوات، ثم مرحلة التدريس والقضاء وتنقيح مؤلفه الشهير، لما يناهز أربع سنوات أخرى، فالطور الأخير الذي قضاه في القاهرة إلى غاية وفاته.[11]

أما الغربيون فيقسمون حياة ابن خلدون إلى جزئين رئيسين، الأول يتعلق بمرحلة الاهتمام بالعلوم العقلية والولوع بها، وتمتد من مقامه في تونس تلميذا وطالبا إلى هجرته نحو القاهرة، ويصف الغربيون ابن خلدون في هذه المرحلة بالعقلاني فكرا وسلوكا، وأما الجزء الثاني فهو يتعلق بالانصراف إلى التصوف والعلوم الدينية، وذلك طيلة فترة مقامه في القاهرة.[12]

غدر الوزارة وغربة السفارة.. رجل السلاطين بفاس وغرناطة

شغل ابن خلدون وظائف سياسية لكونه دبلوماسيا، سواء في تونس خلال حكم العائلة الحفصية أو خارجها. وقد أرسل في أكثر من وظيفة دبلوماسية لحل النزاعات بين زعماء الدول، فكان سفيرا للسلطان محمد بن الأحمر (غرناطة) لدى أمير قشتالة، ووزيرا لدى أبي عبد الله الحفصي، وكان مقربا من السلطان أبي عنان المريني، كما استعان به أهل دمشق لطلب الأمان من الحاكم المغولي تيمورلنك ووقع اللقاء بينهما، وساهم في الدعوة للسلطان أبي حمو الزياني سلطان تلمسان بين القبائل، بعد سقوط بجاية في يد سلطان قسنطينة أبي العباس الحفصي.[13]

وتقول المصادر التاريخية إن ابن خلدون تولى بداية مهامه عند السلطان على مضض، وما إن اندلعت الحرب بين تونس وقسنطينة المجاورة حتى نزح وحط رحاله في مدينة بسكرة (في الجزائر الحالية)، قبل أن يعود إلى تونس مجددا ليتزوج سنة 1354م من فتاة تنحدر من أسرة ثرية، لكنه عاد ليرحل عن تونس، فكانت وجهته هذه المرة مدينة فاس المغربية، حيث وجد شيوخه القدامى الذين تتلمذ على أيديهم، وعاش برفقتهم فترة ازدهار علمي كبير كانت تعرفه المدينة وقتها.[14]

تنقل ابن خلدون بين مدن المغرب العربي والأندلس ليستقر آخر حياته في القاهرة

 

ورغم أن السلطان المريني أبا عنان قرّبه، لما لمسه فيه من نبوغ وعلم، فقد تعرض ابن خلدون للسجن أول مرة على يد هذا السلطان نفسه، وذلك سنة 1356م، حين أمر أبو عنان باعتقاله (بسبب دسائس خصومه داخل البلاط حسب رواية ابن خلدون نفسه)، ليمكث في السجن سنتين كاملتين، لم ينههما سوى موت السلطان نفسه.

فقد استطاع خصوم ابن خلدون أن يفسدوا قلب السلطان عليه من باب السياسة؛ إذ رموه بالدخول في مؤامرة مع الأمير محمد صاحب بجاية، فقام أبو عنان بالزج بالأمير محمد وابن خلدون في السجن، وكانت هذه أول نكبة في حياة هذا المؤرخ، وهو ما جعله يلمس معنى الإدبار بعد الإقبال، وأن العز قد ينقلب إلى هوان بين عشية وضحاها.[15]

رحل ابن خلدون عام 1462 عن فاس متوجها نحو غرناطة الأندلسية، فاستقبله سلطانها (النصري) بحفاوة كبيرة، وعاد ابن خلدون إلى تقلد المناصب السياسية الرفيعة، وكانت ذروتها حين عينه السلطان محمد الخامس سفيرا له عند مملكة إشبيلية المسيحية المجاورة، وهي المدينة التي نزح عنها أجداده، فربط ماضيه بحاضره دون أن يستسلم لإغراء الاستقرار النهائي في إشبيلية، بل عاد إلى غرناطة واستقدم أفراد عائلته من تونس إليها.[16]

مؤامرات القصور.. دسائس تلاحق ابن خلدون أينما حط رجله

عاصر ابن خلدون في غرناطة الأندلسية أحد أشهر أعلامها، وهو ابن الخطيب الذي توجس خيفة من استئثار ابن خلدون بالنفوذ داخل البلاط، فساءت العلاقة بينهما، ثم ما فتئ ابن خلدون أن عبر البحر المتوسط من جديد، ليتخذ وجهته بجاية الجزائرية، وذلك لمجاورة صديقه أبي عبد الله، وهو أمير حفصي منشق تمكن من بسط سيطرته على هذه المدينة.[17]

تولى ابن خلدون وظيفة الحجابة لدى صاحبه السلطان أبي عبد الله، وضم إلى ذلك وظيفة الخطابة بجامع القصبة، إلى أن انقلب أحد رجال البلاط النافذين على السلطان، ويتعلق الأمر بأبي العباس الذي لم يجدد الثقة في ابن خلدون، وارتاب في تآمره مع سلطان تلمسان أبي حمو الثاني، فحاول القبض عليه، لكن ابن خلدون تمكن من الفرار ولجأ إلى بسكرة التي كان يحكمها أحد أصدقائه، وهو أحمد بن مزني، وهناك تولى ابن خلدون لأول مرة مهام ميدانية في المجال العسكري.

بيت ابن خلدون المعروض للبيع في تونس يثير موجة من الغضب في أوساط المثقفين التونسيين

 

وبعد اشتداد وطأة الهجوم المريني من جانب مدينة فاس ضد تلمسان، حاول ابن خلدون عبور البحر المتوسط من جديد، لكن قوات بني مرين تعقبته وقبضت عليه، ومع ذلك تمكن بدهائه من إقناع معتقليه بالاستفادة من خدماته، وأغراهم بالمساعدة في الاستيلاء على بجاية، سعيا منه إلى تحرير نفسه، وهو ما مكنه من الاستقرار من جديد في بسكرة، مقدما خدماته للمرينيين، لكنه عاد ليسقط من جديد في شراك الفتنة الداخلية التي سيشهدها بيت الحكم المريني، فسُجن في فاس فترة قبل أن يعود للتنقل بين الأندلس وتلمسان، وهناك في إحدى القلاع التي استقر بها بمنطقة الفرندة، كتب مقدمته الشهيرة.[18]

ولم تكن علاقة ابن خلدون مع السلاطين الذين خدم في دواوينهم سمنا على عسل، بل كان يتعرض في كثير من الأحيان للمضايقات، بل وللحجر، دون أن يسمح له بالسفر، حيث يظل في بيته معزولا عن الناس إلى أن يؤذن له بالسفر.[19]

قلعة بن سلامة.. ملاذ من بطش السلطان ومهد ميلاد الموسوعة

تعتبر محطة الإقامة في قلعة بن سلامة محطة مهمة في حياة ابن خلدون، وهي قلعة قريبة من وهران وضعه فيها قبائل أولاد عريف، حماية له من حاكم تلمسان الذي كان قد كلفه بسفارة (مهمة خطيرة)، وقد رفض الحاكم اعتذار ابن خلدون عنها، فما كان منه إلا أن قصد هذه القبيلة الكبيرة ذات البأس، فوفرت له الحماية وأكرمته، وتشفعت له لدى حاكم تلمسان في كون ابن خلدون ليس من جنس المهمة وأنها صعبة عليه.[20]

بل إن هذه القبيلة التي أكرمت وفادته قامت أيضا باستجلاب عائلته من فاس التي كانت شبه محتجزة فيها، بعد شيوع مناصرته للسان الدين ابن الخطيب والتشفع له من أجل إطلاق سراحه، وتورطه في علاقات سياسية مع ملوك بني الأحمر، حيث كان يخشى سلطان فاس أن يخبر الغرناطيين عن أحوال بلاط فاس، ويقدم بعض المعلومات التي يمكن أن تضعف من قوة حضور المرينيين حكام المغرب في ذلك الوقت.[21]

استغل ابن خلدون إقامته في قلعة بني سلامة بالقرب من وهران ليبدأ بكتابة كتابه الشهير "العبر"

 

فقلعة بني سلامة تلك، هي التي سيجتمع فيها ابن خلدون مع أسرته، وسيكون له الوقت الكافي لكتابة كتابه "العبر" ووضع مقدمته الشهيرة، وبالتالي فهو لم يذهب هناك رغبة في الاعتزال أربع سنوات، بل الظروف العامة هي التي فرضت عليه هذا الخيار، وإلا لربما كان قد قتل أو سجن في أحسن الأحوال.[22]

ويعتبر كتاب "المقدمة" تمهيدا لكتابه المسمى "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر". ويضم الكتاب إلى جانب المقدمة ستة مجلدات، أشهرها على الإطلاق المجلد الخاص بتاريخ البربر.

ورغم أن اسمه ارتبط بـ"المقدمة"، فإن ابن خلدون كتب مؤلفات أخرى قبلها، ومنها كتاب يشرح قصيدة لابن الخطيب حول أصول الفقه، وشرح لقصيدة "البردة" المديحية، وملخصات في المنطق، وكتاب في علم "الأرتماطيقي" (يدرس الأعداد)، إلى جانب كتاب يشرح أحد كتابات فخر الدين الرازي، وكتابات تلخص مؤلفات ابن رشد.[23]

يقول ابن خلدون عن مقدمته التي تعتبر أساس الفلسفة وعلم الاجتماع: أتممت هذا الجزء الأول، المشتمل على المقدمة، بالوضع والتأليف قبل التنقيح والتهذيب، في مدة خمسة أشهر آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة (779 هـ). ثم نقحته بعد ذلك وهذبته وألحقت به تواريخ الأمم، كما ذكرت في أوله وشرطته.[24]

ويعتبر ابن خلدون أول من جمع بين البحث والكتابة النظريين، وبين العيش في قلب الأحداث، سواء في مستويات السلطة والمناصب أو في القرى والشعاب.

"إن للتاريخ ظاهرا وباطنا".. منهج استنطاق خفايا الوقائع

لم يكن ابن خلدون -كما قدّمه المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري- ذلك الملاحظ الذي ينقل إلى دفاتره ما يشاهده، تحت عدسة مجهره دون تحليل أو تعليل، ولم يكن صاحب "المقدمة" ذلك الكاتب الذي يحدثنا عن تجربته في شكل يوميات أو اعترافات، وما كان ذلك العالم العلامة الذي يسوّد المجلدات بما ينقله من أحاديث الأولين، أخبارا وفكاهة، وحكمة وموعظة، ولم يكن فكر ابن خلدون جدولا من جداول مدرسة فكرية معينة، واضحة الأصول، محددة الإطار.. كلا، إن فكر ابن خلدون أكثر من ذلك وأعمق.[25]

التاريخ كما يراه ابن خلدون فرع من الفلسفة، وعلم عقلي. ويقول في ذلك: إن للتاريخ ظاهرا وباطنا، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار الأيام والدول، والسوالف من القرون الأولى، تنمق لها الأقوال، وتصرف فيها الأمثال، وتطرق لها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول الناطق فيها والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال.

ثم يعود ليستدرك بالقول إن باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات عميق، فهو لذلك أصل في الحكمة عريق، وجدير بأن يقيده في علومها وخليق.[26]

عصر الطوائف.. ثورة فكرية ضد منحدر الانحطاط العربي

ينبه بعض المفكرين الذين درسوا إرث ابن خلدون -من أمثال محمد عابد الجابري- إلى ضرورة أخذ السياق التاريخي الذي عاش فيه هذا المفكر بعين الاعتبار، وعدم قراءته بمفاهيم العصر الحديث.

فقد كان كل شيء خلال القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، يشير إلى أن شمس الحضارة الإسلامية آخذة في الأفول، فلم يكن الناظر أينما توجه ببصره، سواء إلى الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية، يستطيع أن يستشف أي بريق من نور أو بصيص من الأمل، بل إنه كان يصطدم في كل المجالات بحقيقة مرة تفرض نفسها فرضا، وهي حقيقة التقهقر والتراجع والانحطاط.[27]

بقسم ابن خلدون أجيال الحاكم المستبد إلى ثلاثة مراحل

 

وكانت الدولة العباسية قد أصبحت أثرا بعد عين، والإمبراطورية الموحدية بجورها تلاشت واضمحلت، وهجمات البدو تزداد حدة وضغطا على الأطراف، والحروب بين الدويلات والإمارات لا تهدأ إلا لتشتد، والضغط المسيحي في الأندلس وكذا في شواطئ أفريقية (تونس) يزداد تركيزا، والمطالبة بالملك لم تعد تستند إلى أي أساس نظري أو ديني، وإنما على القوة فقط، أو على "العصبية" بتعبير ابن خلدون.[28]

قاهرة الناصر.. عزلة الموطن الأخير للكاتب الحزين

بعد تجربته الطويلة بين مناصب الحكم والمسؤولية والاعتكاف والكتابة، كانت رحلة ابن خلدون الأخيرة هي أطول رحلاته على الاطلاق، حيث أخذته إلى مصر، فالمحن والاضطرابات المتلاحقة التي عاشها جعلته يعتزل الحياة السياسية، ويعتكف في محراب الفكر والتأمل نحو ثلاث سنوات مكتفيا بالكتابة، وامتد ذلك من العام 1375م إلى غاية 1378م.

في الجزء الأخير من حياته شعر ابن خلدون بحنين خاص تجاه تونس، فاستعان بكتاب مقدمته وقدمه لسلطانها أبي العباس، مقابل تمكينه من العودة إلى البلاد والاستقرار فيها، لكنه سرعان ما واجه مؤامرات الخائفين على مكانتهم ومصالحهم إلى جانب السلطان، فاختار وجهة جديدة هذه المرة، وتذرع برغبته في أداء مناسك الحج حتى يتمكن من مغادرة البلاد، فركب البحر في اتجاه الإسكندرية سنة 1382، ومنها انتقل إلى القاهرة في العام الموالي، وبمجرد وصوله إليها ولاه حاكمها السلطان برقوق -وهو تركي أسس دولة للمماليك في مصر وقتها- أمر قضاء قضاة المالكية.

وحين بعث إلى أفراد أسرته كي يلحقوا به، غرق مركبهم في سواحل ليبيا، وكان ذلك ضربة قاسية أضعفت كيان ابن خلدون، ظل يئن تحت أثقاله إلى أن توفي في القاهرة عام 1406 للميلاد.[29]

تمثال ابن خلدون في وسط تونس العاصمة

 

كان الملك الناصر في مصر يقرب ابن خلدون منه، وهو ما جعله يصطحبه في خروجه إلى الشام أيام الفتنة التترية، فكان ابن خلدون ممن وقعوا في الأسر هناك، حينها جرت قصة ابن خلدون الشهيرة مع القائد المغولي تيمورلنك، حيث دعي إلى مجلسه في طائفة من الأعيان والقضاة الأسرى، ومكنه دهاؤه وبراعته في فن السياسة من افتتاح باب المخاطبة والدخول معه في حديث أصاب مواقع هواه، حتى أحرز ثقته، مما سمح له بإقناعه بالسماح له بالعودة إلى مصر ليجمع أمره، ويضم إليه أهله وكتبه، فنفذ الخدعة وعاد إلى القاهرة سالما.[30]

كان لقاء ابن خلدون بسلطان المغول تيمورلنك مثيرا للجدل فقد أخفض له جناح الذل وقبل يده وأدى الولاء والطاعة في حضرته، بل وأهداه نسخة من قصيدة البردة للبوصيري، معللا ذلك بضرورة حقن دماء المسلمين.[31]

ورغم الأحداث السياسية الكبرى التي عاشها في مصر، فمن المرجح أن حادثة غرق عائلة ابن خلدون في سفينة في البحر وهي في طريقها من تونس إلى الإسكندرية، كان لها أثر عميق على حياته، فقد كان وقتها يتولى القضاء والتدريس في الأزهر، إلى أن بلغه خبر غرق عائلته جميعها، فحزن وطلب من السلطان برقوق إعفاءه من منصبه وتفرغ لاستكمال كتابه العبر.[32]

عربي أنصف الأمازيغ وأساء إلى العرب.. مؤسس علم التاريخ

رغم انحداره من اليمن وانتمائه إلى الأرستقراطية العربية، يرى كثير من نشطاء الحركة الأمازيغية في شمال أفريقيا، أن ابن خلدون المنحدر من أصول عربية-أندلسية، واحد من بين أكثر المؤرخين إنصافا للأمازيغ وتاريخهم، لدرجة أن البعض يلقبه بمؤرخ الأمازيغ، لكونه خصص فصولا طويلة من كتابه "العبر" للحديث عن أصول الأمازيغ ورموزهم وخصائصهم الثقافية.[33]

في المقابل تثير كتابات ابن خلدون حول العنصر العربي بعض الالتباس والسجال بين الدارسين، حيث يهب بعضهم إلى اتهامه بالإساءة إلى العرب. ومما جاء في بعض الآراء أن ابن خلدون كان يقصد باصطلاح "العرب" الإشارة إلى "البدو" أو "الأعراب"، وليس مطلق الأمة العربية. ويرى الدكتور علي عبد الواحد ولفي في بعض أبحاثه، أنه لو استعمل ابن خلدون كلمة "البدو" للدلالة على قبائل البدو والرحل، بدلا من كلمة العرب -التي استخدمها في كل الحالات فأحدثت الالتباس- لكان أسلم.[34]

وفي مقدمة كتابه "فكر ابن خلدون العصبية والدولة"، يقول المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، إن "مكسيم رودنسون" (صاحب كتاب الإسلام والرأسمالية) وصف تراث "كارل ماركس" بالقول إنه قال أشياء كثيرة، "ومن اليسير أن نجد في تراثه ما نبرر به أي فكرة، إن هذا التراث كالكتاب المقدس، حتى الشيطان يستطيع أن يجد فيه نصوصا تؤيد ضالته". ويعلّق الجابري على هذا الحديث قائلا: إذا كان هذا الوصف يصدق على تراث "كارل ماركس"، فهو في نظري يصدق أيضا على مقدمة ابن خلدون.[35]

ومن جانبه يقول العالم الانجليزي "روبرت فلنت" عنه، في صدر كتابه "تاريخ فلسفة التاريخ": كل من يقرأ المقدمة لا بد أن يعترف بأن حق ابن خلدون في ادعاء هذا الشرف، شرف التسمية باسم مؤسس علم التاريخ وفلسفة التاريخ، أقوى وأثبت من حق كل كاتب آخر قد سبق.[36]

عبقري التفكير الفلسفي.. جسر ركبه الغربيون وأهمله العرب

لقد كان ابن خلدون مثالا للمثقف العربي الجامع المانع، فهو لغوي وفقيه وعالم ببواطن الحديث ومؤرخ، وله معرفة بالعلوم التجريبية والرياضيات والتنجيم والإفتاء، ومدرس له مريدون وتابعون، ورجل سياسة منخرط أمضى حياته في بلاط السلاطين في تونس والجزائر والمغرب وغرناطة والقاهرة، يقارع النخب المحيطة بالسلطان، وينال الحظوة هنا وهناك والمراتب الرفيعة، ويتعرض للمؤامرات والحسد والدسائس، ويستبعد مرات من لدن صانع القرار السياسي، ويعتكف يائسا حزينا أو ينصرف إلى مهنته الأولى، التدريس.[37]

ابن خلدون على ورقة العملة التونسية من فئة العشرة دنانير

 

ولم ينحصر إشعاع ابن خلدون في المجال العربي، بل ربما يكون هذا المجال أقل اهتماما واستثمارا لموروث ابن خلدون العلمي، بل كان الأوروبيون أول من انتبه إلى قيمته العلمية، حيث قام المستشرق "فوك هامار" بترجمة أعماله، وتناول بالدراسة التحليلية فلسفة ابن خلدون بخصوص المجتمع والعصبية والدولة، وتحدث فيها كذلك عن الاقتصاد الاجتماعي، وانطلاقا من هذه النظرية الخالدة، لم يُخفِ علماء أوروبا وفلاسفتها إعجابهم واعترافاتهم بتفوق هذا الفيلسوف العربي.[38]

وقد توصل ابن خلدون إلى أن هناك فلسفتين: فلسفة أصيلة صحيحة، وفلسفة كاذبة، وهذا يعني أن ابن خلدون اهتدى قبل الفيلسوف الفرنسي "كانت" إلى التفكير النقدي الهادف إلى تحديد القواعد والمقاييس المنطقية لاستعمال العقل في الفلسفة، وانتقاداتها للتفكير الفلسفي الذي يتجاوز المقاصد الهادفة.[39]

 

المصادر

[1] https://www.maghrebvoices.com/trends/2021/01/09/تدوينات-تونسية-غاضبة-بسبب-الإساءة-لتمثال-ابن-خلدون
[2] https://www.alquds.co.uk/المغرب-تحقيقات-حول-أنباء-عن-عرض-منزل-ا/
[3] https://www.alomma-mag.tn/عبد-الرحمان-إبن-خلدون-الذي-سبق-عصره-و-ج/
[4] عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي، بين الفنون والعلوم والآداب، الدار البيضاء، 2005، الجزء الأول
[5] https://www.alomma-mag.tn/عبد-الرحمان-إبن-خلدون-الذي-سبق-عصره-و-ج/
[6] عبد الغني مغربي، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد الشريف بن داي حسين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1988
[7] عبد الغني مغربي، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد الشريف بن داي حسين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1988
[8] عبد الغني مغربي، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد الشريف بن داي حسين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1988
[9] https://www.youtube.com/watch?v=yJKZhYvli8Q
[10] عبد الغني مغربي، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد الشريف بن داي حسين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1988
[11] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون العصبية والدولة-معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة السادسة، بيروت 1994
[12] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون العصبية والدولة-معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة السادسة، بيروت 1994
[13] https://www.alomma-mag.tn/عبد-الرحمان-إبن-خلدون-الذي-سبق-عصره-و-ج/
[14] عبد الغني مغربي، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد الشريف بن داي حسين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1988
[15] محمد الخضر حسين، حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة 2013
[16] عبد الغني مغربي، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد الشريف بن داي حسين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1988
[17] عبد الغني مغربي، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد الشريف بن داي حسين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1988
[18] عبد الغني مغربي، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد الشريف بن داي حسين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1988
[19] https://www.alaraby.co.uk/ابن-خلدون-مستشار-السلاطين-في-رحلات-المغرب-والمشرق
[20] https://www.alaraby.co.uk/ابن-خلدون-مستشار-السلاطين-في-رحلات-المغرب-والمشرق
[21] https://www.alaraby.co.uk/ابن-خلدون-مستشار-السلاطين-في-رحلات-المغرب-والمشرق
[22] https://www.alaraby.co.uk/ابن-خلدون-مستشار-السلاطين-في-رحلات-المغرب-والمشرق
[23] عبد الغني مغربي، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد الشريف بن داي حسين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1988
[24] عبد الرحمان ابن خلدون، المقدمة، الطبعة الثانية، دار الكتاب اللبناني، بيروت
[25] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون العصبية والدولة-معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة السادسة، بيروت 1994
[26] http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/7647
[27] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون العصبية والدولة-معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة السادسة، بيروت 1994
[28] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون العصبية والدولة-معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة السادسة، بيروت 1994
[29] عبد الغني مغربي، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون، ترجمة محمد الشريف بن داي حسين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1988
[30] محمد الخضر حسين، حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة 2013
[31] https://www.aljazeera.net/podcasts/2021/7/19/ابن-خلدون-بين-علم-الاجتماع-وأروقة
[32] https://www.alaraby.co.uk/ابن-خلدون-مستشار-السلاطين-في-رحلات-المغرب-والمشرق
[33] http://www.amazighworld.org/arabic/history/index_show.php?id=3640
[34] http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/7647
[35] محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون العصبية والدولة-معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة السادسة، بيروت 1994
[36] https://www.syr-res.com/article/5792.html
[37] https://www.alaraby.co.uk/ابن-خلدون-مستشار-السلاطين-في-رحلات-المغرب-والمشرق
[38] http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/7647
[39] http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/7647

ذات صلة

السينما النفسية.. هكذا يرسم المخرجون أعماق النفس البشرية للجمهور
نقد سينمائي

السينما النفسية.. هكذا يرسم المخرجون أعماق النفس البشرية للجمهور

فتحت السينما أبواب العيادات النفسية على مصراعيها، وتصفحت ملفات المجانين المدفونة في غرف مخفية في غياهب مستشفيات الأمراض النفسية، حيث صوّرت السينما عالم المجانين بعبقرية، وصنعت متناقضات غريبة بين الفن والجريمة، والجمال والقبح.