بورتريه

عزيز سعد الله.. رحيل الطائر المهاجر الذي أضحك المغرب 50 عاما

 

المصطفى الصوفي

ارتبط اسم الفنان عزيز سعد الله -الذي توفي في الـ13 من شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي بمدينة الدار البيضاء- بالفنانة خديجة أسد، فقد شكل الفنانان معا ثنائيا متميزا قدم على مدى أكثر من 50 سنة مضامين فنية متنوعة راقت للجمهور كثيرا.

في إحدى المشاهد الفنية يناجي الممثل عزيز سعد الله زوجته بنبرة تسخر من الواقع، وما آلت إليه الأوضاع مقارنة مع زمن سابق جميل، فترد عليه خديجة بتهكم بعدم الاهتمام بالموضوع أكثر، فالذي تغير هو الإنسان وسلوكياته وتصرفاته، وتدعوه إلى الرجوع إلى رشده بينما تدلف إلى المطبخ منزعجة.

يتبع سعد الله خديجة -بقهقهته المعهودة- متوددا إليها، يترجاها أن لا تغضب من انفعالاته وحديثه العنيف في بعض الأحيان، وإفراطه في الغضب بسبب مشاكله. تصده بعنف، وهي تذكره بأنها دائما تسامحه، لكنه يتمادى في تصرفاته، فيحكي لها نكتة طريفة فتتبدد انفعالاتها وتتهلل أساريها عن ابتسامة رضى، ثم يقهقهان معا وكأن شيئا لم يحدث.

تلك إذن بعض من مشاهد سلسلة هزلية لم يقدمها الراحل عزيز سعد الله رفقة زوجته، فقد تعوّد الثنائي في كثير من المرات على تقديم أعمال ثنائية هزلية تنهل من الواقع، وتسخر من كثير من القيم غير الأخلاقية التي أصبحت متفشية ودخيلة على المجتمع.

سعد الله رفقة الممثلين فاطمة بوجو ومحمد الرزين بمهرجان مكناس للفيلم التلفزيوني بمكناس عام 2016

 

تقليد "تشارلي تشابلن".. إرهاصات موهبة فنية

ولد عزيز سعد الله مع مطلع خمسينيات القرن الماضي، ويعد من أبرز الممثلين والكوميديين المغاربة الذين قدموا للجمهور المغربي على مدى أكثر من 50 سنة جملة من الأعمال الرائعة، سواء على مستوى التلفزيون، أو على مستوى أعمال مسرحية وسينمائية وطنية وأجنبية.

تفتقت موهبة الفنان الراحل منذ نعومة أظافره، فقد كان بارعا في أداء الأدوار التي أسندت اليه، كما كان مهتما بتقليد الفنانين الكبار، ولعل من أبرزهم الكوميدي العالمي "تشارلي تشابلن"، مما جعله محط اهتمام من قبل الكثير من المخرجين، خاصة خلال ستينيات القرن الماضي.

من المدرسة إلى الثانوية وقع الراحل على مشاركات شكلت الإرهاصات لبروز فنان موهوب قادم له خصوصيته وبصمته، خاصة أنه أبدى منذ طفولته ولعه بالفن المسرحي، وقدرته على تطوير ملكاته الفنية، ومحاولة تقليد فناني جيله للوصول إلى النجومية.

وبهدف تطوير موهبته شجّعته أسرته على السير قدما في المجال الفني، وهو ما حدا به إلى ولوج المعهد البلدي للفنون بمدينة الدار البيضاء، وبعدها سافر إلى فرنسا من أجل دراسة الفن بطريقة أكاديمية، وقد تأتى له ذلك خلال انضمامه إلى جامعة "فاناسين" في السبعينيات.

إن التحاق الراحل بمعهد الفنون الدرامية بمدينة الدار البيضاء فتح له المجال للتعرف عن قرب على عدد من نجوم المسرح آنذاك، وأبرزهم أحمد الزعري والطيب الصديقي وميلود الحبشي والحسين بنياز والحاج يونس ومحمد الخلفي وغيرهم من الفنانين والممثلين المسرحيين الكبار الذين تشبع بتجاربهم الفنية الثرية والمتنوعة.

 

"ديوان عبد الرحمن المجدوب". مسرح ساخر برائحة شعبية

تعتبر فترة عمل سعد الله مع الطيب الصديقي -كرائد من رواد المسرح العربي أعطى للحركة المسرحية المغربية بريقها الوهاج منذ انطلاقتها- من الفترات المهمة والزاهية في مسيرة الفنان، خاصة أنه التقى بالعديد من النجوم، فضلا عن الاشتغال على قضايا ومواضيع مسرحية كونية وإنسانية واجتماعية شكلت العروة الوثقى لتألقه وشهرته.

في هذا السياق فإن تفوق الفنان الراحل في كثير من المحطات المسرحية خلال السبعينيات جعلت الطيب الصديقي يرى فيه الفتى الموهوب القادر على إضافة نوع من الحس الجمالي لمسرحياته، إلى جانب عدد من نجوم المسرح في ذلك الوقت أمثال الراحلة ثريا جبران.

وشكلت مسرحية "ديوان سيدي عبد الرحمن المجدوب" مدرسة حقيقية لسعد الله، لما فيها من تقاطعات فنية متشابكة وجميلة ترتبط بالحكاية الشعبية والحكم والمأثورات، وبكل ما هو تراثي ومجتمعي وإنساني، كما شكلت الصورة المثالية لمسرح ساخر يوظف معادل الثقافة الشعبية والنسق الحكواتي للتعبير عن الكثير من قيم وأحاسيس وأحلام الناس والمجتمع.

كما شارك مع الطيب الصديقي في مسرحيات أخرى منها "المولى إدريس" و"النور والديجور"، وملحمتين ضخمتين هما "نحن" (1986) و"مسيرتنا" (1958)، فضلا عن مسرحيات فكاهية أخرى، منها "عريس بزز منو"، و"الناعورة" للراحل الطيب لعلج.

 

مسرح الثمانين.. طفرة في تاريخ الكوميديا المغربية

شكلت سنة 1980 سنة التحول الفني والإبداعي لدى الراحل، فقد أسس إلى جانب زوجته فرقة مسرحية أطلق عليها اسم "مسرح الثمانين"، وهي فرقة احترافية أنتجت فيضا من المسرحيات التي شكلت منعطفا مهما في تاريخ الكوميديا المغربية.

وقد قامت فرقة "مسرح الثمانين" بجولات فنية داخل وخارج المغرب، وحققت متابعة كبيرة، ومن أبرز تلك المسرحيات التي أنتجتها مسرحية "كوسطة يا وطن" و"برق ما تقشع"، و"سعدك يا مسعود"، و"فكاك لوحايل، و"خلي بالك من مدام"، من إخراج الراحل وتأليفه إلى جانب سعد الله عبد المجيد.

سجل الراحل سعد الله حضورا محترما على المستوى السينمائي، حيث استهل أعماله السينمائية مع المخرج حكيم نوري ضمن فيلمه الجميل "ساعي البريد" في بداية الثمانينيات، ثم توالى أداؤه المتميز في العديد من الأفلام، ولعل أبرزها "عرس الآخرين" لحسن بنجلون، و"عنوان مؤقت"، و"أبواب الليل السبعة" لمصطفى الدرقاوي، و"باديس" لمحمد عبد الرحمان التازي صاحب رائعته السينمائية التاريخية الدرامية "جارات أبي موسى" المقتبسة عن رواية للكاتب والمؤرخ المغربي أحمد التوفيق.

 

"زمن الإرهاب".. عصارة الخبرة الفنية الطويلة

تألق سعد الله في أفلام روائية طويلة أخرى وقعت على متابعة واسعة من قبل الجمهور، منها" الرقم واحد" للمخرج زكي الطاهري، و" بيضاوة" لعبد القادر لقطع، وهو زميل له قدم للسينما المغربية أفلاما لها خصوصيتها من حيث المعالجة الفنية، والمواضيع التي تطرحها بنوع من الجرأة والحس الإنساني والرؤية الإخراجية الراقية، وأبرزها "حب في الدار البيضاء" و"نصف السماء" و"الباب المسدود" و"الطبيب" لعزيز الجاهدي.

يعد الفيلم الروائي الطويل "زمن الإرهاب" الذي أخرجه الراحل سنة 2011 من الأفلام التي حقق فيها سعد الله ذاته على مستوى الإخراج ورؤيته الفنية التي راكمها لسنوات، وأيضا من حيث طرحه لموضوع يشغل بال الرأي العام الدولي.

على المستوى الدولي شارك الراحل في عدد من الأفلام الأجنبية، وهي مشاركات فتحت له آفاقا واسعة، خاصة أنه كان دائم التردد على بعض البلدان في أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط، ومن أبرزها " الطعم" للمخرج الكندي "اياف صايمونوا"، و"رجلنا" للمخرج الألماني "فايرنار باير" و" لقاء الإنجيل" للألماني أيضا "سميت هانز فايرانار".

 

"رقم واحد".. جائزة أحسن ممثل في المهرجانات الدولية

ساهمت المشاركات الأجنبية للراحل عزيز سعد الله في الاحتكاك والتعرف على عدد من الممثلين والمخرجين والمنتجين، وهو ما ساهم في إكساب تجربته نوعا من الاحترافية العالية في التشخيص والثقة في النفس لتقديم مزيد من الأعمال.

وقد انعكست هذه المعطيات على أفلامه الأخرى التي تألق فيها بشكل كبير ونال عنها جوائز، ومن أبرزها فيلمه "رقم واحد" لزكية الطاهري، حيث توج بجائزة أحسن ممثل خلال المهرجان الدولي للفيلم والثقافات المتوسطية في باستيا الفرنسية والمهرجان الدولي للسينما الأفريقية في كندا.

كما يتذكر الجمهور المغربي صوت الراحل رفقة زوجته في عدة أفلام مدبلجة إلى اللهجة العامية المغربية (الدارجة) التي اشتهر بها إبراهيم السايح، ومنها الفيلم الهندي "الحب هو الحياة" الذي يحكي قصة رومانسية غاية في التشويق مع كثير من الأغاني العاطفية الحالمة.

 

"لالة فاطمة".. أعمال خالدة على الشاشة الصغيرة

على المستوى التلفزيوني قدم الراحل سعد الله فيضا من الأعمال المتنوعة توزعت بين البرامج التنشيطية والمسابقات والمسرحيات الكوميدية والمسلسلات والأفلام، ومنها "صور ضاحكة" للمخرج حسن المفتي، وسلسلته الشهيرة "لالة فاطمة" لنبيل عويش التي قدمت طيلة ثلاث سنوات بالقناة المغربية الثانية ما بين 2001 و2003، فضلا عن مشاركته الوازنة في السلسلة الكندية "شريحة حياة" (2010) للمخرجين  "جبرائيل دوما" و"بيجون فراسوا".

كما شارك في فيلم "اثنان ناقص واحد" لمصطفى الدرقاوي نهاية السبعينيات، فضلا عن إخراجه وتمثيله وتنفيذ الإنتاج في برنامج المسابقات الترفيهي "إلا قلعتي شنو" التي صورت داخل وخارج المغرب، وهو البرنامج الذي حظي بمتابعة كبيرة من قبل الجمهور.

حفل تكريم عزيز سعد الله وخديجة أسد بالمهرجان الدولي للفيلم بالحسيمة المغربية عام 2018

 

تكريم محلي ودولي.. ثمرات السفر في سبيل الإبداع

تكللت تجربة الراحل عزيز سعد الله الذي كان من الفنانين المناضلين المدافعين عن حقوق الممثلين والمسرحيين عموما بتكريمه في عدد من المهرجانات والمحطات الفنية والسينمائية داخل وخارج المغرب تقديرا لدوره البارز في المجال الفني مخرجا وممثلا ومنتجا، ومن أبرزها المهرجان الدولي لفنون الشارع بالعيون المغربية سنة 2016، والمهرجان الدولي للفيلم بالحسيمة عام 2018، والمهرجان الوطني للمسرح بتطوان والمهرجان التلفزيوني بمكناس.

وشكل السفر للراحل نوعا من تجديد خلايا الإبداع، إذ سافر إلى عدة بلدان أثناء تقديم عروضه المسرحية والفنية، كما هاجر إلى كندا عام 2004 رفقة عائلته، حيث أسس هناك شركة للإنتاج الفني، وقدم مجموعة من الأعمال التي شكلت مثالا حيا للفن العربي المندمج في المجتمع الكندي ترسيخا لروح التعاون والعمل المشترك القائم على الاختلاف والخصوصية وتكريس روح التعايش والتسامح بين الثقافات والفنون.

وبرحيل الفنان عزيز سعد الله تكون الساحة الفنية المغربية والعربية قد فقدت طائرا مهاجرا أضحك وأمتع، وخسرت فارسا مغوارا صال وجال في بيدر المسرح والتلفزيون والسينما بشكل لافت، مقدما بذلك أبهى الصور الجميلة والممتعة التي تزرع الأمل والفرحة، وتنثر رحيق الحياة الجميل في قالب فكاهي عائلي له سعة الصفاء والانشراح.

ذات صلة