بورتريه

عز العرب الكغاط.. جنرال السينما المغربية ذو الألف وجه

 

المصطفى الصوفي

كلما ظهر في فيلم من الأفلام يقول الجمهور إن هذا أحسن دور لعبه الجنرال الذي يُحمل على الأكتاف وتُعلق له النياشين، تقديرا لانتصاراته الفنية هنا وهناك، فتارة يُلوّح بيديه للمشاهدين، وأخرى يدعو الأنصار بإنزاله والكفّ عن حماقاتهم، وذلك لأن الحرب لم تضع أوزارها بعد.

الجنرال صاحب القسمات الحادة هو لقب أصبح لصيقا بالممثل المغربي المقتدر عز العرب الكغاط، بينما يلقبه آخرون بـ"أنطونيو كوين" أو "شين كونري"، وذلك لوجود قواسم مشتركة بين تلك الكائنات السينمائية الرائعة في التمثيل والملامح والقوة والشيب والوقار.

بهذا انتصر الجنرال في كثير من صولاته السينمائية ممثلا بارعا لا يُشقّ له غبار، فتوّج في أكثر من مناسبة، وكُرِّم في عدة مهرجانات وطنية ودولية كمكافئة رمزية لما قدمه للسينما من خدمات أسعدت المتفرجين، وصنعت من الصورة لحظات شعرية وجمالية لا تُنسى.

احتفاء بمسيرته الفنية الخصبة على مدار أكثر من 50 سنة أثمرت فيضا من الأفلام الرائعة؛ اختارت الدورة العاشرة لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية الذي اختتمت فعالياته نهاية شهر مارس/آذار الماضي تكريم هذا الفنان.

 

أرجوحة المسرح.. لعبة عز العرب التي شب وشاب عليها

لتقريب المشاهدين من أعمال عز العرب الكغاط الأخيرة المتميزة عرضت الدورة فيلمين تألق فيهما كثيرا، وهما الروائي الطويل "ميكا" لإسماعيل فروخي، ويحكي قصة متشرد تحدّى الواقع ليصبح بطلا، والآخر هو الفيلم القصير "مداد أخير" ليزيد القادري.

في مسيرة عز العرب يظل المسرح الأرجوحة الفنية التي امتطاها منذ طفولته بعشق كبير، وعرف من خلالها كيف يستطيع هذا الفنان الحالم الصعود إلى الأعلى، وبحركات اندفاعية تزداد سرعته ويزداد تأرجحا وانشراحا، ثم يهبط بسلام، فينال حُب الجمهور بتصفيقات حارة وصفير إعجاب.

كان عز العرب موهوبا في تقمص الكثير من الشخصيات وأداء الكثير من التمثيليات التي كانت تقام في المدرسة، وهو ما أهله ليكون محط إعجاب كبير من قبل مربيه وأساتذته وأسرته التي شجعته للاستمرار في هذا المجال.

وقد ألهم الفنان عشق المسرح للعب أدوار يعشقها كثيرا، خاصة التاريخية منها، وتقمص الشخصيات التراثية والحكواتية بكل ما تتصف به من مهابة ونخوة راقية، سواء من خلال أزيائها المخملية، أو من خلال قوة شخصيتها وسلطتها ومكانتها المُبجلة في المجتمع ووجدان الناس.

وشكلت رفقة شقيقه الراحل محمد الكغاط -وهو ممثل بارع وباحث أكاديمي وكاتب ومخرج- رفقة طيبة للغاية منذ السبعينيات من القرن الماضي، فصقلت موهبته المتقدة وطورت من أدواته التمثيلية خاصة على مستوى المسرحيات التي لعبها في البدايات، مما جعل نجمه يسطع ويصبح محط اهتمام الكثير من المخرجين من داخل المغرب وخارجها.

الممثل المغربي عز العرب الكغاط في دوره في الفيلم التلفزيوني التاريخي "الحرة" للمخرج إبراهيم شكيري

 

ملامح العصور الغابرة.. رحلة إلى صفوف الأيقونات التاريخية

ساعد عز العرب في دعوة المخرجين له للمشاركة في أعمالهم -بالإضافة إلى موهبته في التشخيص- صورته وملامحه البارزة باللحية أو بغيرها، فضلا عن صوته القوي وطوله الفارع، مما يجعله شخصية تقترب إلى الأصول الفرعونية، أو تنحدر من قبائل الجزيرة العربية خلال العصرين الجاهلي أو الإسلامي الأول.

بهذا تكون كل الأدوار التاريخية التي لعبها عز العرب ناجحة، وهي أدوار يمثل فيها بالعينين والملامح دون كلام في بعض الأحيان، وأحيانا أخرى بملابسه وإكسسواراته وبمناديله وعماماته التي يفوح منها عطر التاريخ والسلاطين والصولجان.

في هذا الصدد يتذكر الجمهور الدور الجميل والمؤثر الذي لعبه عز العرب في الفيلم الإيطالي "رأس السنة الميلادية" للمخرجين "بايكوني" و"فيغارا"، وقد جسّد فيه شخصية نبي الله يعقوب، وما رافقها من قصة يوسف عليه الصلاة والسلام وتحامل إخوته عليه، بعد أن رموه في جب عميق وجاؤوا أباهم عشيا بقميصه عليه دم كذب.

ملامح هذا الفنان تتغير من دور لدور، لكنه مع إطلاق لحيته يكون قريبا إلى الممثل الأسطورة "أنتونيو كوين"، تقديرا لممثل عالمي كبير قدّم أفلاما رائعة، لعل أبرزها فيلم "عمر المختار" لمصطفى العقاد، الذي يجسد ملحمية أسطورية في التاريخ والنضال والجهاد والتضحية والسحر السينمائي الذي لا يموت.

لا يجد عز العرب غضاضة في تشبيهه بالأسطورة "كوين" بل إنه يفتخر بهذا اللقب، لكنه لا يريد أن يكبر في جلباب الآخرين، ولا يعمل على تقليد أو محاكاة أي فنان مهما كان، بل يريد أن يكون له أسلوبه الخاص في التشخيص، في مختلف الأدوار التي يلعبها، ولعل التاريخية أحبها إلى نفسه. كما يشبهه آخرون بالممثل البريطاني "شين كونري" الذي كرّمه المهرجان الدولي للفيلم بمراكش سنة 2013، وهي تشبيهات لا تزيد عز العرب الكغاط إلا تواضعا.

الممثل المغربي عز العرب الكغاط في دور الجنرال في فيلم "البحث عن السلطة المفقودة"

 

بين مكانة السيناريو ولمعان البطولة.. جوهرية الأدوار السينمائية

ليس عز العرب من الذين يشترطون دور البطولة في أي عمل يُعرض عليه، وربما كانت هذه خصلة في بداياته الأولى، أما الآن فهو يلعب أي دور مهما كان صغيرا، بشرط أن يكون مؤثرا غير ثانوي ويشكل حلقة قوية في السياق العام لباقي المشاهد.

يرى عز العرب أن الممثل السينمائي بالخصوص ليس من الضروري أن يزاحم على دور كبير، فليس في السينما دور كبير وصغير، وليس هناك ممثل كبير وآخر صغير، بل دور مؤثر يستمتع به المتفرج، ويكون متجانسا مع باقي الأدوار، لأن السينما -في نظره- عمل متكامل مترابط بين الممثلين والمخرج والكاتب وكل مشارك في الفيلم، وإن كان ثانويا.

كما يرى بأن المسرح يظل الفضاء الفني والتلقائي الممتع للقاء المباشر مع الجمهور في محكيات مشخصة، وقصص إنسانية متنوعة، يقدم فيها الممثل موهبته سواء في قالب تراجيدي أو كوميدي، بعكس السينما التي تتدخل فيها الكثير من التقنيات لصناعة الفرجة بطريقة دقيقة، مما يستدعي البحث عن المشاهد المؤثرة والصادقة مهما تكرر تصويرها.

 

مكتبة السينما والتلفزيون والمسرح.. أرشيف زاخر

على المستوى المسرحي يتذكر الجمهور مسرحيات عدة باللغة العربية الفصحى تألق فيها صاحب الوجه المؤثر، ومنها مسرحية "وليلي" ذات الإسقاطات التاريخية والرومانية العريقة، وقد مثل فيها إلى جانب شقيقه الراحل محمد الكغاط، فضلا عن مسرحية "لي كذب على الملائكة" في نهاية الستينيات التي أخرجها شقيقه أيضا، واقتبسها الحسين المريني عن قصة للكاتب المصري علي سالم.

كما شخّص الكغاط أدوارا مختلفة في عدة مسرحيات جسّد فيها قيم الخير والشر والقيم الإنسانية والوجدانية، والكثير من الإشراقات التاريخية والآلام النفسية والأحلام المستقبلية، ولعل أبرزها "ضحية الواجب" و"بشار الخير" و"ذكريات من المستقبل" و"مرتحلة فاس" و"شاري الهم" و"قلة الشغال".

قدم عز العرب كما هائلا من المسرحيات مُستعيدا فيها شطحات وأمجاد طواحين الهواء التي يحاربها "دون كيشوت" الإسباني (شخصية خيالية في رواية إسبانية)، وأحلام "بريخت" (كاتب مسرحي ألماني) و"هاملت" (شخصية في مسرحية لشكسبير)، ورغم كل ذلك فإن سحر السينما وحميمة التلفزيون غربته عن عالم المسرح الذي يحتاج إلى الوقت والالتزام.

هكذا وجد عز العرب في السينما والتلفزيون ملاذه الأخير، فهما يوفران تعويضات مهمة ويصنعان الشهرة لكل فنان، عكس المسرح الذي تظل تعويضاته شحيحة، وهو ما يجعل غالبية المسرحيين يعانون ويتألمون في صمت، مما يستدعى مزيدا من الدعم والاهتمام لأحباب أبي الفنون.

على المستوى السينمائي قدم عز العرب ما يقارب من 100 فيلم سينمائي بين قصير وطويل، منها ما هو مغربي وما هو أجنبي، ولعب في أبرزها دور البطولة، وهو ما جعله فنانا محترفا بكل ما تحمله الكلمة من المعنى.

 

"كابوس".. خرافات عصر الاستعمار الفرنسي

عرف عز العرب كيف يقف أمام الكاميرا ببراعة، ويكاد بابتسامة حزينة أو قهقهة بحجم زهو شيوخ القبلية، أو نظرة صامتة في الفراغ على صهوة حصان؛ أن يصنع للصورة مجدها، ويؤثر في المتفرجين كبارا وصغارا.

استهل عز العرب ظهوره في السينما بالفيلم الروائي الطويل "كابوس" (1982)، وهو فانتازيا سينمائية للمخرج الراحل أحمد ياشفين، وتأليف محمد الكغاط، وتمثيل عدد من النجوم آنذاك، منهم شريفة العلوي ومحمد المريني ونعيمة يسرى وخديجة المحمدي ومحمد فيصل وعز الدين القفاط، ومن تصوير عبد الكريم الدرقاوي.

يحكي الفيلم (100 دقيقة) قصة واقعية أقرب إلى الخيال، خاصة أنها ترحل بالمتفرج عبر تقنية الحلم إلى فترة الاستعمار الفرنسي خلال الأربعينيات من القرن الماضي، ليتعرف المشاهد على نمط عيش المغاربة في تلك الحقبة والكثير من الظواهر الاجتماعية المتفشية مثل الشعوذة والسحر، وذلك بكثير من التشويق والمشاهد الهتشكوكية (ألفريد هيت) المتأرجحة بين الحقيقة والخيال.

 

"خلف الأبواب المغلقة".. معركة الجنرال المتسلط لاستعادة أمجاده

من أبرز الأفلام المغربية التي تألق فيها الممثل مع مخرجين كبار، نذكر على سبيل المثال "قلوب محترقة" لأحمد المعنوني، و"الوتر الخامس" لسلمى بركاش، و"دموع الرمال" لعزيز السالمي، و"البحث عن السلطة المفقودة"، و"خلف الأبواب المغلقة" لمحمد عهد بنسودة، وهو الفيلم الذي حمل فيه لقب الجنرال.

في هذا الفيلم -المقتبس عن رواية شهيرة للكاتب الفرنسي "مارسيل بروست"- يلعب عز العرب إلى جانب الممثلة نعيمة بن شهيدة دور الجنرال المتسلط الذي يحاول استعادة أمجاده على طريقته الخاصة من موقعه الحساس.

يحاول الجنرال إرغام زوجته المغنية -التي التقى بها في أحد الملاهي- على العيش معه وفق عادات وطقوس مخملية خاصة، بعيدا عن الحياة الاجتماعية البسيطة التي عاشتها، وهو ما لم يرق لزوجة العسكري العنيف التي تأزمت وضعيتها بشكل كبير، لتزداد تأزما وتعقيدا أثناء تعرضها لحادثة سير.

وقد فاز هذا الفيلم الطويل بعدد من الجوائز، أبرزها جائزة أحسن ممثل في الوطن العربي، إذ نالها عز العرب خلال مهرجان مالمو للسينما العربية بالسويد سنة 2017.

ومن السينما ننتقل إلى التلفزيون، فقد خاض عز العرب كثيرا من التجارب الناجحة سواء على مستوى المسلسلات أو على مستوى الأفلام التلفزيونية، نذكر مسلسل "الأخطبوط" لمحمد قصايب، و"سيف الظلام" لإبراهيم شكيري، و"الغريب" لليلى تريكي.

كما تألق في أفلام تلفزيونية كثيرة، منها "التذكرة رقم 13″ لمحمد منخار، و"الكنز" لمحمد قرطبي، و"خيال الذئب" لمحمد عهد بنسودة، والدراما التاريخية "الحرة" لإبراهيم شكيري، وهي تحكي قصة أحداث تاريخية وقعت في القرن السادس عشر بمدن شفشاون وتطوان وفاس.

الممثل المغربي عز العرب الكغاط رفقة الممثل سعيد باي في فيلم " الكماط " لزكية الطاهري

 

"لوسي".. أب يبحث عن ابنه في الديار الألمانية

وجد المخرج عز العرب العلوي في الكغاط الوجه السينمائي المثير والشخصية المحورية في عدد من أفلامه، وهي "الأعمى والغجرية" (2011)، و"كليكيس.. دوار البوم" (2018)، و"أندرومان من دم وفحم"، وهو فيلم فانتازي مليء بالأحداث الغرائبية والمشاهد العجائبية المستوحاة من التراث الشعبي المغربي القديم القريب من الأسطورة والمحكيات الأمازيغية القديمة.

كما شارك أيضا بتميز في الفيلمين الدراميين "الصرخة الأخيرة" للمخرج محمد نصرات، و"حياة" لرؤوف المصباحي، فضلا عن "الكماط" للمخرجة زكية الطاهري، و"لوسي" لعبد الفتاح الديوري الذي أُنتج عام 2020.

ويلعب الكغاط إلى جانب فاطمة الزهراء رمان في الفيلم دور الأب الباحث عن ابنه المتوفى في الديار الألمانية، في قصة تُعالج مواضيع عدة كالهجرة والهوية والضياع والغواية والموسيقى والموت والأمل والحلم والمستقبل.

كما راكم عز العرب خلال مسيرته مشاركات وازنة في العديد من الأفلام الدولية، لعل أبرزها الفيلم الألماني "أبسوردستان" لمخرجه "هالمر فييت"، و"ملكة الصحراء" للمخرج "فرنار هارتزوغ".

 

المهرجان العربي الأفريقي للسينما الوثائقية.. تكريم محبوب الجماهير

بهذا التنوع الفني الخصب الذي ميّز الممثل المغربي المخضرم ابن مدينة فاس، يكون هذا الفنان السبعيني الذي ما زال شابا في عطائه وحضوره الدائم في أبرز المهرجانات والمناسبات السينمائية المغربية؛ قد بصم على تجربة ثرية بمواضيعها وفرجتها الراقية التي استمتع بها الجمهور كثيرا.

ويظل عز العرب الكغاط ببساطته وتواضعه الجم وأدائه المتميز في كل الأعمال التي يظهر فيها عزيزا ومحبوبا من قبل الجمهور، لا لشيء إلا لأنه يرى بأن الفنان يحمل رسالة نبيلة، ويجب أن يكون قريبا من الناس بأدواره، ويقيس نبض تطلعاتهم وآمالهم وأحلامهم.

هكذا هو عز العرب الكغاط الذي كُرّم خلال الدورة الأخيرة من المهرجان العربي الأفريقي للفيلم الوثائقي بمدينة زاكورة، فهو فنان متواضع، كلما جالسته شعرت بأنك أمام فنان تلقائي دائم الابتسامة، وحين يحكي طرائقه في عالم السينما يجد لذة في سرد أرقاها مع ممثلين ومخرجين مغاربة وعرب وأجانب، جمعهم عشق الصورة، وتحدي الواقع والخيال لتقريبها إلى الجمهور على طابق من ذهب.

ذات صلة