بورتريه

فارس بيك الخوري.. رجل الثورة السورية والتحرر من فرنسا

 

سناء نصر الله

وصف بأنه عميد السياسة السورية، وأنه سار في سائر أدوارها منذ العهد العثماني، وأنه ذو دماغ جبّار، وعُدّ أكبر وأقدر مفكر في الشرق الأدنى، ضليع في القانون والاقتصاد السياسي والأدب ومعروف بثقافته السكسونية.

كان مجيء فارس بيك الخوري إلى رئاسة الوزراء في سوريا عام 1944 وهو مسيحي بروتستانتي؛ يشكل سابقة في تاريخ البلاد الحديث، حيث أسندت السلطة التنفيذية إلى رجل غير مسلم مما يدل على ما بَلَغته سوريا من نضج قومي.

لا يزال موقفه مع المندوب الفرنسي في مجلس الأمن عام 1946 شاهدا على ذكائه وفطنته وقوة حجته، فقد جلس على المقعد الخاص بالمندوب الفرنسي الذي فوجئ به يحتل مقعده، فطلب منه الانتقال إلى المقعد الخاص بسوريا، لكن فارس الخوري تجاهله، وأخرج ساعته من جيب سترته وراح يتأمل فيها، بينما المندوب الفرنسي استشاط غضبا، وعند الدقيقة الـ25 قال له فارس بيك بلغة فرنسية واضحة: سعادة السفير، جلستُ على مقعدك 25 دقيقة فكدتَ تقتلني غضبا وحنقا، سوريا استحملت سفالة جنودكم 25 سنة، وآن لها أن تستقل.

يروي الفيلم الذي نستعرضه هنا حياة فارس بيك الخوري، أحد الشخصيات المؤثرة في تاريخ النضال في سوريا واستقلالها عن الاستعمار الفرنسي، وهو من إنتاج الجزيرة الوثائقية.

يقول الباحث صقر أبو فخر عنه إنه شخصية نادرة وفريدة في تاريخ المشرق العربي وسوريا على وجه الخصوص، وإن دراسة شخصيته هي دراسة للمستقبل، لنستخلص صورة سوريا المستقبلية على الأسس الدستورية التي بني عليها فكره.

الطفل الأديب

ولد فارس يعقوب جبور الخوري عام 1877، وهو ابن "سوريا الكبرى" كما كانت تُعرف؛ من قرية الكفير قضاء حاصبية جنوب لبنان التي كانت تتبع دمشق زمن الدولة العثمانية، ويتبع الديانة المسيحية البروتستانتية.

كان لبلدته الأثر الكامل في تكوين شخصيته، فقد كبر وترعرع فيها ونشأ في بيت عريق وسط البلدة لا يزال شاخصا حتى يومنا هذا، بل إن معظم موجوداته لا تزال على حالها حتى مكتبته وكتبه.

كان قارئا نهما يحفظ أماكن الكتب وعدد صفحاتها ومحتوياتها، فهو مثقف شامل من طراز رفيع مثل مثقفي أوروبا في عصر التنوير، فقد جمع بين الأدب والعلوم والفلسفة والفن والسياسة.

هو الأكبر بين إخوته الثمانية، وعُرف بطلّته البهية ورأسه الكبير وقامته القصيرة وكان مميزا في شكله وأطلق عليه سياسيون من أوروبا "الرأس الأبيض الكبير".

عمل والده نجارا، وكانت أمنية الوالد أن يصبح ولده مثله، بينما كان جده جبور طبيبا متعلما يداوي المرضى بالمجان، ويصنع العقاقير الطبية بنفسه وقد تأثر به فارس كثيرا، لكن صاحب التأثير الأكبر في حياته كانت والدته حميدة التي أصرت على تعليمه هو وإخوته.

أراده الجد مبشرا إنجيليا، وأراده والده فلاحا، أما أمه فتوقعت له أن يكون شيئا مميزا. تقول الباحثة منى عواد: كانوا يسمونها "البطلة" لأنها أصرت على تعليم أبنائها رغم المشاحنات الكثيرة بينها وبين زوجها.

أجرى المبشرون مقابلة مع فارس الطفل، واتخذوا قرارا بتعليمه عندما رأوا فطنته وذكاءه، وقد درس في مدرسة القرية ثم انتقل إلى صيدا وهناك التحق بالمدرسة الأمريكية وبرزت قدراته في الرياضيات والعلوم، كما ظهرت ميوله الأدبية باكرا.

التحق فارس بيك بالكلية الإنجيلية في بيروت وحصل على شهادة في العلوم

ضد السلطان العثماني

التحق فارس بيك بالكلية الإنجيلية في بيروت والتي تعرف اليوم بالجامعة الأمريكية، وتخرج منها عام 1897 وحصل على شهادة في العلوم. وفي حفل تخرجه ألقى قصيدة من 100 بيت أذهلت الحاضرين.

عُرف في بداياته شاعرا وأديبا وكاتبا، فحفظ القصائد الزجلية، وله قصائد كثيرة في مناسبات مختلفة سياسية واجتماعية وأدبية، وكان إذا أراد التعبير لجأ إلى قلمه.

بعد تخرجه دعته الجامعة للتدريس في القسم الإعدادي كمعلم للرياضيات واللغة العربية، لكن فارس كان على موعد مع حاضرة بلاد الشام دمشق، حيث أصبح فارس الشخصية الوطنية.

يقول الكاتب والمؤرخ فاروق مردم بيك إن فارس حضر إلى دمشق واستقر فيها، لتُثبت هذه المدينة أنها قادرة على استيعاب جميع الهجرات ودَمْشَقة الجميع.

من أزقتها القديمة بدأ فارس خوري رحلته في الحياة، ففي البداية عمل مدرسا في المدرسة الآسية، وتنقل مدرسا في أكثر من مكان ومدرسة، حتى العام 1908 حيث أُعلن الدستور العثماني.

بدأ وعي فارس ورؤيته السياسية تتشكل وكأنه يتحضر لدور ريادي تجاه وطنه، وأخذ يُعدّ نفسه فدرس الفرنسية والتركية والحقوق وحده.

وأصبح هذا الحقوقي غير المأذون أستاذا في معهد الحقوق بدمشق ونقيبا للمحامين وعضوا في لجنة الحقوق الدولية التابعة لهيئة الأمم المتحدة، وألف مجموعة من الكتب منها كتاب أصول المحاكمات الحقوقية في الصكوك الجزائية، وهو الكتاب الذي يعتبر مرجعا مهما حتى يومنا هذا.

دخل فارس الخوري معترك السياسة بانتمائه إلى جمعية الاتحاد والترقي، وألقى خطابات في تحسين مستوى التعليم والبريد والبرق، وتصدى لمسألة فتح المكاتيب ومراقبتها.

أخذت الأحداث تتسارع بشكل كبير في مهد الخلافة العثمانية، وعملت جمعية الاتحاد والترقي ضد السلطان العثماني وشوهته، وعملت على عزله إلى أن تم ذلك فعلا في العام 1909، ووُضع السلطان تحت الإقامة الجبرية.

وقد هجاه فارس الخوري بقصيدة مطلعها:
الله أكبر فالظُلّام قد علموا
لأي منقلب يهوي الأولى ظلموا

لقد هوى اليوم صرح الظلم وانتفــ
ــضت أركانه وتولت أهله النقم

كانت القصيدة قاسية بحق السلطان، لكن فارس كتب في آخر حياته: "لم أندم في حياتي على شيء قدر ندمي على القصيدة التي نظمتها وهجوت فيها السلطان عبد الحميد، وتأكد لي فيما بعد بما لا يقبل الجدل أن هذا الخليفة المسلم راح ضحية ثأر اليهود، فشرعت منظماتهم للعمل مع الدول الاستعمارية على مناوأته شخصيا وعلى كيان الدولة العثمانية.

ألف فارس بك مجموعة من الكتب منها كتاب أصول المحاكمات الحقوقية في الصكوك الجزائية، وهو الكتاب الذي يعتبر مرجعا مهما حتى يومنا هذا

في البرلمان

أصبح الخوري جاهزا للولوج إلى عالم السياسة، ففي البداية شغل منصب عضو في بلدية دمشق عام 1910، وبعدها خاض الانتخابات البرلمانية في الدولة العثمانية عام 1914 وفازا فوزا كاسحا بأغلبية الأصوات في دمشق.

وأصبح فارس عضوا في مجلس المبعوثان العثماني (البرلمان)، يقول عن نفسه: أخذتني المحاماة إلى مجلس المبعوثان العثماني بعد نجاح بأكثرية عظيمة، وقد سرني هذا النجاح كثيرا، ربما كان أعظم يوم في حياتي.

يقول جمال باروت "كان برنامجه الانتخابي ثوريا، وحاول أن يكرس لإلغاء نظام العشور الضرائبي، وأن يطرح قضية إنصاف الفلاحين، وكانت هذه الأفكار تعتبر تحريضية ضد الدولة عند الفلاحين". وغالبا ما كانت مشاريعه تنجح داخل البرلمان العثماني.

يروي الكاتب غالب سليقة أن نائبا تركيا جاء من أوروبا وكان يعمل على تغيير الأنظمة دون أن يراعي القوانين الشرقية مما أغضب الناس، وتشكلت لجنة كان مقررها فارس خوري، فتكلم في إحدى الجلسات لأكثر من ساعة باللغة التركية، مما حمل النائب التركي أحمد أفندي على خلع عمامته وألبسها لفارس قائلا "هذه العمامة تليق بكم أكثر مما تليق بممثلي الإسلام في هذا الموقف".

في 1914 عُين جمال باشا المعروف بـ"السفاح" لشدة بطشه وعنفه؛ واليا على الشام

أحداث متوالية

توالت هزائم الخلافة العثمانية، وأصبحت تُعرف برجل أوروبا المريض. وفي 1914 عُين جمال باشا المعروف بـ"السفاح" لشدة بطشه وعنفه؛ واليا على الشام. كان عنفه يزداد مع ازدياد الهزائم، وطال النخبة السياسية والمثقفين. عايش فارس تلك الفترة وسعى جاهدا لإيقاف أحكام الإعدام.

نشأت حركة تحررية معارضة ضد ذلك البطش، وكان فارس جزءا منها. وفي تلك الأثناء كان صوت القومية العربية يتردد في كل مكان، وزُج بالعشرات في السجون بسببها.

واستدعى جمال باشا فارس الخوري وكان كلاهما عضو في جمعية الاتحاد والترقي، وطلب منه ألا يتدخل ضد قراراته، ثم سجنه دون أن يحاكمه، وتوسط المفكر شكيب أرسلان لدى الأتراك، وقد كان صديقا حميما لفارس كما كانت تجمعه علاقة وثيقة بالأتراك فأفرج عنه.

خلال الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) هُزمت الدولة العثمانية، ووجد العرب أنفسهم أمام واقع جديد بعد إبرام اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 التي قسمت بلاد الشام بين بريطانيا وفرنسا، تلاها وعد بلفور عام 1917 الذي قضي بجعل فلسطين وطنا قوميا لليهود.

وبعد انسحاب تركيا من دمشق نودي بالأمير فيصل ملكا على سوريا عام 1920. وواجهت الدولة العربية بعد طرح "فكرة التحرر من الطغيان التركي" التي قادها فيصل والنخب الشامية والعراقية؛ خطرا أشد فتكا بالأمة العربية ألا وهو اتفاقية سايكس بيكو، فكان إنشاء كيان عربي موحد معاصر مستقل معضلة.

ورغم ذلك تشكلت حكومة عسكرية في زمن الملك فيصل برئاسة رضا باشا الركابي، وأصبح فارس الخوري وزيرا للمالية، وقد رُشح لهذا المنصب لأنه كان ضليعا في الاقتصاد، وقام بإصلاحات جذرية، فربط العملة السورية بالذهب وجعله معيار حماية لها من خط التذبذب في الهبوط والصعود الذي حدث للعملة الورقية المصرية.

لم تستمر المملكة السورية سوى ثلاثة أشهر، لأن فرنسا كانت على أبواب دمشق وهبت رياح الاستعمار، وجاءت معركة ميسلون التي وقعت في 24 يوليو/تموز 1920 بخسارات فادحة، وسيطرت فرنسا على الدولة الوليدة ونُصّب الجنرال غورو الذي قاد الزحف على دمشق مندوبا ساميا على سوريا.

أحكام الإعدام طالت النخبة السياسية والمثقفين في عهد جمال باشا

الاستعمار الفرنسي

دخلت سوريا نفق الاستعمار المظلم وقُسمت بلاد الشام لتصبح سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني.

وهنا تُذكَر حادثة لفارس الخوري مع غورو حين قرر الأخير لقاء أعيان ووجهاء دمشق وأقام لهم مأدبة عشاء في قصر ناظم بيك، فقد أخذ غورو يتهكم على القصر، لكن فارس قال له "كل من سكن هذا القصر رحل، وسترحل أنت يوما ما". توقع الحاضرون أن يسجنه غورو لكنه لم يفعل.

إبان فترة الانتداب الفرنسي نشط فارس بيك في الدفاع عن الوطنيين المعتقلين، وكان يمارس المحاماة وأصبح أول نقيب للمحامين في سوريا، وعمل أستاذا في معهد الحقوق الذي أسهم في تأسيسه، واعتبر المعهد رمزا للدفاع عن الحريات في وجه فرنسا.

شكل فارس بيك وعبد الرحمن الشهبندر حزب الشعب وطالبا بالاستقلال عن فرنسا. يقول جمال باروت: عام 1925 بدأت تتطور أعمال فارس الخوري وأسس حزب الشعب، وقد ضم الحزب المثقفين والأحرار السوريين.

كان فارس من رجالات الحركة العربية ونائبا لرئيس الحزب الذي اتخذ موقفا واضحا ضد الاستعمار الفرنسي. وحين اندلعت ثورة السوريين في يوليو/تموز 1925 اعتُقل فارس بيك وعبد الرحمن الشهبندر في سجن جزيرة أرواد السيئ السمعة، وفي 1926 نُفي إلى الحسكة وفرضت عليه الإقامة الجبرية.

يقول فايز سارة: عندما كانت ثورة سوريا الكبرى مشتعلة حاولت السلطات الفرنسية أن توحي بأن مسيحيي سوريا يطالبون الانتداب بحمايتهم لأنهم نصارى، وضغطت على سكان منطقة شمال دمشق.

كان فارس خوري من الرافضين لتلك السياسة، وسُجل له موقف عظيم حين ذهب إلى المسجد الأموي واعتلى المنبر وقال: إن الفرنسيين يقولون إن المسيحيين يطلبون حماية منهم، وأنا من هنا أعلنها أنني أطلب الحماية من شعبي.

ويقول فاروق مردم بك: حاول الفرنسيون أن يلعبوا لعبة الطائفية وتقسيم سوريا إلى عدة مناطق طائفية، وحاولوا استمالة المسيحيين، لكن موقف فارس بيك والذين كانوا معه أحبط ذلك المخطط.

ويقول فايز سارة: كان دور فارس سياسيا، وحاول ترجمة الثورة السورية إلى توافقات تفضي لتحويل الانتداب إلى معاهدة، وقيام جمهورية مستقلة في هذا الإطار.

عاد فارس من المنفى عام 1928 أشد عودا وأكثر إصرارا على النضال، فوُلدت الكتلة الوطنية وأصبح الناطق باسمها. يقول جمال باروت: عندما نتحدث عن سوريا لا بد أن نذكر الكتلة الوطنية؛ هذا الرعيل هو الذي بنى المؤسسات السياسية وهو باني سوريا.

ترأس الخوري الوفد السوري المكلف بحث الجلاء في الأمم المتحدة وعُين مندوبا لسوريا فيها

عهد الاستقلال

في 1936 جاءت الخطوة الأبرز وهي استقلال سوريا وتحويل الانتداب إلى معاهدة، فقد اعترف الفرنسيون بالكتلة الوطنية ككيان سياسي، وبدأت المفاوضات بين الفرنسيين والسوريين في باريس، وكان فارس خوري عضوا فاعلا في تلك المفاوضات، وكان دوره صياغة المعاهدة.

في ذلك الوقت تطور الصراع في الداخل السوري بين الشباب المعتدلين الوطنيين والشهبندريين المنحدرين من تجربة حزب الشعب الذين رأوا في المعاهدة تفريطا من الوطنيين، لكن فارس اعتبر المعاهدة عرسا وطنيا لسوريا.

وقد أُجريت انتخابات برلمانية فازت فيها الكتلة الوطنية التي ينتمي إليها فارس بالأغلبية الساحقة، وأصبح أول رئيس للبرلمان في عهد الاستقلال عام 1936 وحصل على 81 صوتا من أصل 82.

يقول الكاتب فايز سارة بهذا الصدد: المسألة الوطنية لا تتعلق بالأديان ولكن تتعلق بفهم المجتمع للمسألة الوطنية، والدور الذي يمكن أن يلعبه الأشخاص بطبيعة الحال، فكلما كانت المسألة الوطنية في موقع السمو والتقدم وإيمان البشر انحصرت النظريات والأفكار والممارسات ذات المستوى ما قبل الوطنية.

في العام 1939 اندلعت الحرب العالمية الثانية، وكان لها بالغ الأثر على فرنسا التي خرجت مكسورة الجناح، وهو ما دفع الوطنيين في سوريا إلى المضي قدما نحو الاستقلال وإجلاء الجنود الفرنسين الذين بقوا بعد المعاهدة.

مضت سوريا نحو الاستقلال، وأصبح فارس بيك رئيسا للوزراء عام 1945، وترأس الوفد السوري المكلف بحث الجلاء في الأمم المتحدة وعُين مندوبا لسوريا فيها، وبدأ مشواره بالمحافل الدولية خلال جلسات التفاوض مع الفرنسيين، وحصلت حادثة الكرسي التي ذكرناها في المقدمة في هذه الفترة، وعلى أثر تلك الجلسة استقلت سوريا. كانت لحظة توقف عندها الزمن بالنسبة لفارس فقد أثمر النضال ولم يعد للمستعمر وجود.

يقول جمال باروت: كان فارس رجل التسويات، وكان رجلا معتدلا، لكن مسألة الاستقلال لا تحتمل الاعتدال إلا على أساس الأساليب، لقد كان حاسما، أما الحكومة فأرادها على أساس توافقي.

في عام 1947 انتُخب فارس بك عضوا في مجلس الأمن الدولي، ثم أصبح رئيسا له في العام نفسه

رئاسة مجلس الأمن

بدأ فارس رحلة جديد، ففي عام 1947 انتُخب عضوا في مجلس الأمن الدولي، ثم أصبح رئيسا له في العام نفسه. وكانت فلسطين محور العالم وقتها، وحاول وقف موضوع التقسيم بكل قوة لكنه لم يفلح، وقال كلمته الشهيرة: قضية فلسطين لن تحل في أروقة مجلس الأمن، لكنها ستحل على ثرى فلسطين.

عاد فارس في يوليو/تموز عام 1951 إلى سوريا بعد غياب طويل في المحافل الدولية، وكان الرجل الأبيض -كما كان يُعرف وقتها- في العقد الثامن من عمره، لم يتوقف عطاؤه، فشكل حكومة جديدة عام 1955 ولكنها لم تستمر طويلا، إذ إن ألوان سوريا كانت آخذة بالتغير وأخذت ترتدي رداء عسكريا بسبب الانقلابات المتتالية.

يقول جمال باروت: أعتقد أنه تقاعد سياسيا في هذه الفترة لظهور جيل جديد، وأصبح هو من جيل الوطنيين القدامى، وأصبح هذا الجيل يعيش نهايات دوره ومن بينهم فارس بيك الخوري.

مرض فارس كثيرا بسبب إصابة في ساقه، وبقي فترة طويلة بالمستشفى زاره فيها رفاق الدرب والشركاء والمحبون، وكانت هذه الزيارات بمثابة وداع الفارس قبل أن يترجل. توفي فارس الخوري في الثاني من يناير/كانون الثاني عام 1962 في دمشق المكان الذي أخلص له وضمه ثراه.