بورتريه

فاطمة مير.. ثائرة من جنوب أفريقيا ضد الفصل العنصري

 

مهدي المبروك

شخصية شجاعة، صنعت قواعدها الخاصة بنفسها، لم تطع أوامر الآخرين، ولم تعجز عن فعل ما تريد، مجاهدة دؤوبة من أجل الحرية وعالمة اجتماع وصديقة مقربة من نيلسون مانديلا أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، وعضوة ناشطة في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الذي قاد جنوب أفريقيا نحو الديمقراطية.

المناضلة فاطمة مير لم تعش لذاتها، بل وقفت إلى جانب الفقراء والضعفاء وآثرتهم على نفسها، صنعت معالم حياة حقيقية للطبقة السوداء التي وقع عليها الظلم وأعلت من قيمة الإنسان في كل مكان على وجه هذه الأرض وحاربت مظاهر التفرقة العنصرية في كل مكان.

وعلى الرغم من مآثرها الحميدة التي تركتها كناشطة سياسية ومؤمنة بحقوق الإنسان فإن اسمها وبعد عشرين عاما لا يكاد يُذكر، وخبا ذكرها بين العالمين.

بين أيدينا الفيلم الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية بعنوان "فاطمة مير" وهو يتحدث عن قصة حياتها، ويختار مخرج الفيلم أن يبدأ الحكاية بحكمة قالها الزعيم الروحي للهند ألمهاتما غاندي مفادها أن "الفرق بين ما نفعله وبين ما نحن قادرون على فعله يكفي لحل معظم مشاكل العالم".

ثم ينتقل إلى مشهد تصويري آخر تظهر فيه مير وهي تكتب مشاعرها الجيَّاشة على قرطاس داخل زنزانة اعتقالها عام 1976 قائلة: وحدي في زنزانتي في منتصف الشتاء، والجو باردٌ جداً اخترق الفراش، شعرتُ وكأنَّه يأكل عظامي.

 

أصول هندية.. إنجاز إنساني

بدأت هجرة الهنود إلى جنوب أفريقيا عندما أبدت القبائل الأفريقية المعروفة بـ"الزولو" عدم استعدادها للعمل في حقول قصب السكر، الأمر الذي دفع الاستعمار البريطاني للبحث عن عمالة بالسخرة في جميع أنحاء العالم.

شكلت تلك الهجرة في مدينة "ديربن" أكبر جالية هندية خارج الهند في حقبة الاستعمار البريطاني على مستوى العالم. وفي بداية القرن العشرين هاجر موسى مير والد فاطمة إلى جنوب أفريقيا بصفته مسافرا هنديا وليس عاملا بالسخرة.

بعد انتقاله إلى جنوب أفريقيا تزوج من راشيل التي غيَّرت اسمها إلى أمينة، وذلك بعد أن كان متزوجا في الهند من زوجته الأولى كاثيغا.

لم يكن والد مير سياسيا، ولكن اختلاطه مع السياسيين جعل منه كاتبا في القضايا السياسية، وأنشأ صحيفته الخاصة التي كتب فيها عن قضايا الجالية الهندية في جنوب أفريقيا.

وسط أجواء سياسية نشأت مير وتطور نشاطها السياسي عام 1946

 

مقاومة سلبية.. نتائج إيجابية

وسط أجواء سياسية نشأت مير وتطور نشاطها السياسي عام 1946 عندما شاركت في حملة المقاومة السلبية المناهضة لمختلف القوانين التي كانت تقيّد حركة الهنود.

شكّلت هذه المقاومة أول حراك في المجتمع الهندي، في وقت كان يخيم فيه شبح وصول الحزب الوطني السابق إلى الحكم. كما أنَّها كانت بداية ظهور النساء ذوات الوعي السياسي كشخصيات عامة، الأمر الذي أكسب هذا الحراك أهمية كبيرة على صعيد قضايا الهنود الداخلية.

لعبت مير أدوارا في هذه المقاومة وفقا لشاهيناز ابنة فاطمة التي تقول: اعتلت والدتي وهي في السابعة عشرة من عمرها شاحنةً في الميدان الأحمر في مدينة ديربن، ثم طُلب منها أن تخطب في ستة آلاف شخص، وبعد ذلك طلب منها أيضا قيادة مسيرة ضمت أشخاصا مثل مونتي نيكر والدكتور دادو.

لعبت مير أدوارا في هذه مقاومة ضد العنصرية

 

فرّق تسد.. وسنظل متحدين

مارس الاستعمار البريطاني إستراتيجية "فرق تسد"، وبدوره ورث نظامُ الفصل العنصري في جنوب أفريقيا هذه السياسة، وخاصة بعد أن تحول هنود مدينة ديربن إلى أرباب عمل، في حين بقي السكان الأفارقة على حالتهم البائسة.

أثّر هذا التفريق على تفاقم الأزمة بين الهنود والسكان الأفارقة ثم سرعان ما تحولت إلى أعمال عنف عام 1946. ولرأب الصدع أسست فاطمة مير أول منظمة نسائية تضم في عضويتها نساء أفريقيات وهنديات وأطلقت عليها اسم "جمعية ديربن النسائية" لمناهضة سياسة الفصل العنصري.

لم تؤمن فاطمة بسياسة التفريق بين الناس، فعلى الرغم من تمتع بعض الأجناس بأصول ثقافية لا يمكن إنكارها فإنّ ذلك لا يمنحهم الحق بالانفصال عن بقية البشر.

ثم انتقل مخرج الفيلم بنا إلى مشهد لفاطمة وهي تكتب رسالةً تقول فيها: أشعر بأني معفية من كل مسؤولياتي، لكي يطول عمرك عليك أن تتخلص من القلق.

لم تؤمن فاطمة بسياسة التفريق بين الناس

 

في الجامعة.. ينشأ الثائرون

يقول فاروق مير شقيق فاطمة: التحقت فاطمة بجامعة ويتس في جوهانسبرغ عقب إنهائها المرحلة الثانوية، علما بأنَّ الآباء لا يرسلون بناتهم إليها بسبب الأجواء السلبية المسيطرة على حالة المدينة.

وفي الجامعة تعرفت فاطمة على ابن عمها إسماعيل بشكل أعمق لتتكلل هذه العلاقة بالزواج عام 1951 ورزقا بثلاثة أطفال هم شامين وشاهيناز ورشيد.

كان ابن عمها رجلا أنيقا اجتماعيا ضخما ووسيما، معتادا على الاجتماعات الجماهيرية، وكان متعلما وعاصر نيلسون مانديلا وجي إم سينغ ووالتر سيسولو ويوسف دادو.

لعب إسماعيل دورا هاما عبر مسؤوليته في الكونغرس الهندي الترنسفالي في تغيير فكرة المؤتمر الوطني الأفريقي المتمثلة في اعتبار أنَّ أفريقيا ملك للأفارقة وأن المؤتمر الوطني الأفريقي يجب أن يبقى منظمة أفريقية حيث دعاهم للعمل معا.

ومن جديد عادت فاطمة إلى مدينة ديربن وأكملت دراستها في جامعة كوازولو نتال وحصلت عام 1956 على شهادة الماجستير ثم أصبحت أول امرأة من المجتمع الأفريقي والهندي تُلقي محاضرة في جامعة من جامعات البيض بجنوب أفريقيا.

أسست فاطمة مير أول منظمة نسائية تضم في عضويتها نساء أفريقيات وهنديات

 

أسمى من الأمل.. نيلسون البطل

ألفت فاطمة عددا من الكتب وكتبت المقالات التي تبرز حقيقة ما كان يحدث في جنوب أفريقيا، ومن أكثر منشوراتها إثارةً كتابها عن السيرة الذاتية لنيلسون مانديلا المعنون "أسمى من الأمل"، وقد نشر في يناير/كانون الأول من عام 1990 بثلاثة عشر لغة في جميع أنحاء العالم، وبيعت منه مئات الآلاف من النسخ، وقُدمت جميع عائداته إلى عائلة مانديلا.

من منشوراتها أيضا كتاب "تدريب ألمهاتما" الذي يقول عنه نائب مدير معهد بحوث السود راميش هار إنه "عبارة عن وثيقة مبسطة عن حياة غاندي في جنوب أفريقيا تستهدف القراء الصغار". وقد تأثرت فاطمة مير بغاندي كثيرا حيث إنَّ ثلاثة أرباع مكتبتها كانت عن حياته وأفكاره.

من أكثر منشوراتها إثارةً كتابها عن السيرة الذاتية لنيلسون مانديلا المعنون "أسمى من الأمل"

 

على خطا غاندي.. هذا ديدني

كان غاندي مصدر إلهام لفاطمة في إنشاء مراكز للتدريب على المهارات لمساعدة من لا يملك المال على امتلاك مهارة تؤهله للعمل.

ففي العام 1976 أنشأت فاطمة معهد دراسات السود، وهو منظمة بحثية من أجل تدريب الباحثين السود وتشجيعهم بعد أن أدركت انعدام المساواة في توزيع المواهب البحثية، وحقيقة أنَّ حكاية السود يرويها آخرون عنهم. تقول ويني مانديلا عضو برلمان جنوب أفريقيا: كان المعهد جزءا من عملية تمكين الناس والارتقاء بهم.

وينتقل مخرج الفيلم بنا في جولة قرب المركز الواقع في سوق الأعشاب الملائم للتجار غير الرسميين حيث كانوا يتدربون على المهارات وفي الوقت ذاته يبيعون بضاعتهم لسكان المنطقة. ثم يُظهر الفيلم صورة مدرسة على جهاز هاتف أنشأها أحد طلاب المراكز حيث بلغ عدد طلابها 15 طالبا.

تعرضت فاطمة لمحاولة اغتيال فاشلة كان الهدف منها إسكاتها بعد أن أصبحت خطرا حقيقيا على الحكومة

 

السجن.. أحب إلي

في عام 1956 شهدت جنوب أفريقيا حملة اعتقالات واسعة شملت العديد من القيادات التي اتهمت بتهمة الخيانة. لم تجعل هذه الحادثة فاطمة مير تترك ساحة المواجهة، بل قادت الاحتجاجات ووصفت إيلا غاندي حفيدة ألمهاتما غاندي خطاب فاطمة أثناء الاجتماع الذي قادته وغاب عنه العديد من القيادات بسبب السجن: كانت هذه أول مرة أستمع فيها إلى سيدة تتحدث بتلك القوة.

وكسائر الباحثين عن الحرية تعرضت فاطمة عام 1976 للاعتقال مرتين؛ الأولى في القلعة المعروفة باسم هضبة الدستور، والثانية في سجن الحصن القديم بجوهانسبرغ الذي أصبح مقرا للمحكمة الدستورية. تلك السجون غُيِّبت فيها شخصيات ذات رمزية تاريخية، فسجن الحصن شهد اعتقال غاندي عام 1906، وكان مانديلا في عام 1962 يواجه ذات الأمر ويقبع خلف نفس القضبان.

ما زالت شاهيناز تتذكر المكالمة التي تلقتها أختها من والدتها وتقول فيها "الشرطة هنا، سيأخذونني إلى السجن"، كان عام 1976 عصيبا على العائلة، ففيه اعتقل ابن فاطمة البالغ من العمر 21 عاما، وزوج ابنتها أيضا.

وأثناء فترة اعتقالها كتبت فاطمة مذكراتها التي صدرت لاحقا في كتاب يحوي رسوما تحكي قصتها داخل السجن. يقول الكاتب والرسام أندرو فيرستر "رسوماتها تبدو أحيانا متوحشة تلقائية، لكنها نابضة بالحياة والطاقة".

ثم تظهر في الفيلم صورة لغرفة الطعام التي دهمتها الشرطة وكانت فاطمة برفقة مجموعة من الأصدقاء في حفل عشاء، وتبين أنَّ عددا من المشاركين في الحفل مسجلين لدى الشرطة ضمن قائمة الحظر حيث لا يحق لهم التحدث مع بعضهم البعض ولا أن يكونوا ضمن الحضور.

كانت فاطمة تمارس التنكر والاستلقاء في المقاعد الخلفية من السيارة كي تستطيع الذهاب إلى حيث شاءت في محاولة منها للعيش بحياة طبيعية بعد أن أفسد الحظر المفروض على من يشكلون خطرا على الدولة استقرارها.

ألفت فاطمة عددا من الكتب وكتبت المقالات التي تبرز حقيقة ما كان يحدث في جنوب أفريقيا

 

محاولة اغتيال.. نهج المستبد

في وقت متأخر من الليل قرع أحدهم جرس الباب، الأمر الذي دعا زولينا الخادم المقيم في غرفة الكتب للرد، وأثناء وقوفه خلف الباب تلقى رصاصة اخترقت كتفه واستقرت في إطار الباب. تلك الرصاصة كانت موجهة إلى رأس فاطمة، ولأنَّ الخادم كان أطول منها فقد أصابته في كتفه.

محاولة فاشلة كان الهدف منها إسكات فاطمة بعد أن أصبحت خطرا حقيقيا على الحكومة بسبب الضجة التي كانت تحدثها دوليا ومحليا بشأن الظلم السائد في البلاد.

مع فلسطين.. رمز الحرية

قادت فاطمة احتجاجا على الأمم المتحدة مع "دينس بروتس" الشاعر والصحفي المناهض لسياسية الفصل العنصري وغيره من النشطاء المحليين، معربةً لـ"ماري روبنسون" -مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 1997 و2004- عن شدة غضبها من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة والتمييز بصفة عامة في جدول أعمال الأمم المتحدة.

يظهر في الفيلم صورة مَسيرة المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية في ديربن عام 2001 وخطاب فاطمة الموجه للسيد "مبيكي" رئيس جمهورية جنوب أفريقيا الحادي عشر وإعلان المنتدى الاجتماعي لديربن عن تضامنه وتكاتفه ضد العنصرية في العالم.

مشهد آخر يظهر فيه مجموعة من الثائرين يغنّون أغاني نضالية، فيتساءل مدير مركز المجتمع المدني في جامعة ناتال باتريك بوند قائلا: مع من ستقف فاطمة للاحتجاج؟ ثم يجيب أعتقد أنها ستقف مع الجبهة الديمقراطية اليسارية الناتجة من الحركات الاجتماعية الحضرية.

ساعدت فاطمة السكان المعرضين للطرد على إنشاء "رابطة سكان شقق بايفيو"

 

تشاتسورث.. رابطة سكان شقق بايفيو

أنشأت حكومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بلدة تشاتسورث بغالبية هندية، وقبيل انتخابات عام 1999 وبسبب التوزيع الجديد للسكان أصبحت تضم العديد من الأعراق.

قررت فاطمة مع مجموعة من النشطاء المناهضين للفصل العنصري تشكيل مجموعة اسمها "مجموعة المواطنين المعنيين" للحصول على التصويت الهندي لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي.

تقول أورلين نايدو رئيس الجمعية الأهلية لمقاطعة ويست كليف: كنا نعلم أن الحكومة ستعود وتفرض علينا الإخلاء من الأكواخ والمنازل، فدعونا فاطمة لاجتماع.

بكل شجاعة استجابت فاطمة للدعوة وأخذت المايكروفون وطلبت من الناس التصويت لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وقبل أن تنطق باسم الحزب أخذ الناس بالهتاف والصراخ والإساءة إليها لفظيا قائلين: أين كنت كل هذا الوقت؟ نحن نعاني من الطرد ولا أحد يساندنا.

عندها سألت الناس: كيف يمكنكم التصويت لمن ظلمكم من قبل؟

قالوا: لا يهمنا من ظلمنا في الماضي، إنَّ المؤتمر الوطني الأفريقي هو الذي يظلمنا الآن.

بدأت فاطمة بتأييد قضية الشعب والفقراء بعد رؤيتها -كما تقول رئيس الجمعية الأهلية لمقاطعة "باي فيو" براندو بيلا- ما يعانيه الناس من ظلم اجتماعي وانقطاع مستمر للكهرباء والمياه وخطر التعرض للطرد والنقل.

ثم وقفت إلى جانب عائلة معرضة للطرد من الأكواخ فحضرت صباح يوم الاثنين في تمام الساعة الثامنة صباحا للدفاع عنها، ويظهر في الفيلم صورةً للفقراء وهم يصطرخون ويتساءلون عن تلك الحالة الصعبة التي يعيشون فيها ما بين حالة البؤس والفقر الشديدين.

أدركت فاطمة أنَّ مجلس مدينة ديربن غير العنصري لا يزال يواصل السياسات العنصرية للحكومة القومية والتي تحمي البيض من تكاليف الخدمة التي يعيش فيها السود.

ساعدت فاطمة السكان المعرضين للطرد على إنشاء "رابطة سكان شقق بايفيو" للتفاوض مع البلدية وإيجاد طريقة لتحسين حياة الناس عبر التأكيد على الحق في الحصول على السكن والمياه والمرافق الأساسية.

وينتقل الفيلم إلى مشهد تظهر فيه مير وهي تعتلي مركبة وتخطب في الجماهير المحتشدة مهاجمة الحكومة بسبب عدم وضعها للموازنات اللازمة لتحسين حياة الناس.

يتحدث صديقها هار عن مدى إخلاصها قائلا: تلقت مكالمة هاتفية مفادها أنَّ أمن البلدية يقوم بطرد السكان، وفي ذات الأثناء كانت قد أجرت عملية جراحية لزراعة شرايين في القلب ولم يمنعها المرض عن الخروج للتظاهر.

ومن الطريف أنَّه عندما اتصل زوجها للاطمئنان عليها أخبرته كذبا أنها ما زالت في المستشفى وهي في حقيقة الأمر تشارك في المظاهرات.

لعب إسماعيل دورا مؤثرا في حياة فاطمة     

 

رحيل إسماعيل.. الزوج الوفي

كان إسماعيل زوج فاطمة رفيق سفر لمانديلا وكاتب خطبه، وبعد انضمامه إلى حكومة المقاطعة توفي عام 2000 ولم ينته من كتابة سيرته الذاتية فتعهدت فاطمة باستكمال كتابتها بالنيابة عنه.

لعب إسماعيل دورا مؤثرا في حياة فاطمة عبر توفير المناخ الملائم لتمكينها من مواصلة نشاطها الاجتماعي والسياسي.

يقول باولوس زولو أستاذ العلاقات العرقية في جامعة كولوزو نتال: وصف رئيس وزراء جنوب أفريقيا إسماعيل أثناء مشاركته في جنازته بأنه صانع سلام.

نظرت إلى جميع البشر بكل احترام وخاضت كفاحا من أجل عدم انقطاع الماء والكهرباء المستمرين، رفعت قضية أمام المحكمة ضد ممارسات الحكومة العنصرية، وقالت سنُبلغ الناس إذا لم تستطع الحكومة أن تقدم حلولا لهم، وإذا كان ذلك يعد ثورة مضادة فهي مع الثورة المضادة.

يقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة جوهانسبرغ أشوين ديساي: ليس من المعتاد أن يأتي شخص من أعماق حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ويستطيع التمرد على الطبقة الحاكمة وجعلها تواجه نفسها بهذه السرعة، ولهذا يعتقد أن ذلك هو السبب الوحيد الذي يدعو إلى عمل فيلم وثائقي عنها.

تقول ويني مانديلا "سعت فاطمة إلى حرية كاملة غير منقوصة، إذ ليس برفع العلم وحده تحل المشاكل، لذلك لا بد من تحقيق الحرية الاقتصادية إلى جانب الحرية السياسية".

يتذكر فيرستر حين اتصلت فاطمة بنيلسون مانديلا هاتفيا ووبخته على شيء قام به في ليلة سابقة ليقول: إن من لديهم الجرأة على مواجهة شخص بهذا الشكل هم قلةٌ قليلة من الناس.

ترى فاطمة أنَّ حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الذي تنتمي له وتمتلك فيه العديد من الأصدقاء؛ إذا لم يدافع عن حقوق الفقراء فإنها ستقف مع الناس ضده. وتعتقد نايدو أنَّ جمهورية جنوب أفريقيا انتقلت من التقسيم العرقي إلى التقسيم على أساس الفصل العنصري الطبقي، وبالتالي مازالت الفجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء.

في 12 مارس/آذار 2010، لفظت مير أنفاسها الأخيرة

 

الرحيل.. هكذا يغادرنا الأبطال

تعرضت فاطمة لسكتة دماغية نقلت على أثرها إلى المستشفى، يقول هار: أتذكر ذاك الصباح عندما اتصلت بي شامين ابنة فاطمة وقالت لي إنَّ البروفيسورة مريضة جدا وطلبت مني أن أذهب لرؤيتها. شعرتُ بصوت من داخلي قال لي: لا تراها لأنها تحتضر.

في النهاية ترك هار العمل في الموعد المعتاد وبعد وصوله الساعة الرابعة ودقيقة واحدة في 12 مارس/آذار 2010، وجدها قد لفظت أنفاسها الأخيرة قائلا "كانت تنتظرني لتقول وداعاً لهذا العالم الفاني". هنا ينقل مخرج الفيلم مشاهد من الجنازة التي حضرها العديد من رفاق دربها، وكذلك صورا للقبر الذي ترقد فيه.

شهادات.. نحو الخلود

أدركت نايدو أنها كانت مقربة من امرأة تعد الأكثر أهمية في تاريخ جنوب أفريقيا، خاصة بعد أن وجدت رئيس الوزراء وممثلي الرئيس يتحدثون بجدية عن مشاركتها في مكافحة نظام الفصل العنصري.

أمَّا ويني مانديلا فتقول: عاشت فاطمة طوال حياتها وهي تحاول تغيير المجتمع وحياة شعبها، ومع ذلك لا يحضرني أي جسر أو مستشفى سمي باسمها كما اعتاد الناس في التعامل مع رموزهم.

يتحدث شقيقها فاروق عن وصيتها قائلا: كانت ترى أننا نعيش في هذا العالم فترة محدودة وأن هناك الكثير من الظلم في هذا العالم، وعلينا فعل كل ما بوسعنا لانتشال الناس من الفقر والنهوض بهم إلى حياة أفضل.

حُفر على شاهد قبرها مفاهيم تتحدث عن شمولية البشر والأمة والإنسانية والتوحيد، وهي مفاهيم آمنت بها وتجسدت في شخصيتها، آمنت أنَّ السلاح الحقيقي هو امتلاك الحق الذي يمنح الإنسان القوة للقتال من أجله.

انتهت حياتها الزاخرة بالنضال ضد الفصل العنصري ملهمةً من سيأتي بعدها بالاستمرار في مقاومة طبقة المنتهكين لحقوق العرق الأسود. فاضت روحها إلى بارئها بعد أن صنعت تاريخا من النضال الذي انتقل إلى ضريحها ولم يُذكر إلا قليلا.

ذات صلة