بورتريه

فوزي بنسعيدي.. وسينما النبش في الهوامش

د.الحبيب ناصري

المخرج المغربي فوزي بنسعيدي الآتي إلى السينما من بوابة المسرح والأدب والتكوين

قليلة هي الأصوات السينمائية التي تشدك في العديد من التجارب السينمائية العربية، أقصد تلك التجارب التي تجعل من الصورة السينمائية وسيلة أو غاية هادفة إلى البحث في تلك الهوامش الإنسانية، ومن موقع التسلل إلى العديد من المواقع الوجدانية والزمنية/التاريخية والاجتماعية والمكانية، إلى غير ذلك من الموضوعات التي عادة ما تُصنف ضمن الموضوعات المحرجة للمخرج والمتلقي وسياقاتهما الثقافية والمجتمعية ككل.

في تاريخ الإبداع كلما اقتربنا من الهوامش تلذذنا بفعل الكتابة والتلقي معا، بل تمكنا من جعل الإبداع في محكّ إنساني مخلخل وطارح للأسئلة الحارقة، تلك الأسئلة التي تقترب كثيرا من حقل الفلسفة وحقل المعرفة الإنسانية التي تجعلنا نتجاوز البسيط نحو المركب والمعقد، لا سيما في مجتمعات تبحث عن مكانة ما تحت شمس العولمة وما بعدها.

ضمن هذا الإطار، يموقع العديد من النقاد السينمائيين ما تخطه ”كاميرا“ المخرج المغربي فوزي بنسعيدي الآتي إلى السينما من بوابة المسرح والأدب والتكوين. سنحاول هنا النبش في سيرته الذاتية في ضوء ما يبدعه، وما بصم به المشهد السينمائي المغربي والعربي من أفلام أثارت جدالا مفيدا للجميع. 

 

بنسعيدي المتعدد

وأنت تنبش في ذاكرة المخرج من خلال مشاهدة أعماله تشعر بأنه متعدد، أي أن فوزي بنسعيدي لم يكتف فقط باختيار رؤية فنية واحدة مثل الإخراج أو التمثيل أو كتابة السيناريو، بل هو متعدد وجامع بين كل هذا.

لقد كتب السيناريو وأخرج ومثّل، لكن يبدو أن مثل هذا الجمع ليس في إمكان الجميع، وهو هنا مقصود لأنه يعي قيمته وقيمة هدم الحدود الفاصلة بين العديد من الفنون، فتكوينه الأكاديمي وتجريبه للعديد من الممارسات الفنية كالمسرح والكتابة والتمثيل والإخراج؛ جعله يدرك أهمية الجمع الفني، وأثر ذلك في العمل الذي يكتبه أو يخرجه لا سيما في السينما، حيث نجد بين الفينة والأخرى بصمة المسرح تحضر ولو بشكل باهت، لكنه حضور -في اعتقادي- مفيد وباصم لعمله السينمائي.

على سبيل المثال لا الحصر، نجد أن بنسعيدي الممثل متمكن من أدوراه العديدة سواء في الأعمال التي كتبها وأخرجها بنفسه مثل دور سمير في فيلم ”ألف شهر“ سنة 2003، ودور كمال في فيلم ”يا له من عالم رائع“ سنة 2006، ودور المفتش في فيلم ”موت للبيع“ سنة 2011، ودور سي محمد في فيلم ”وليلي.. الحب والحكرة“ سنة 2017، وأدوار عديدة أخرى قام بها في أفلام لم يكتبها مثل كمال الراوي في فيلم ”مكتوب لنبيل عيوش“ سنة 1997، وإدريس في فيلم ”حصان الريح“ لداود ولاد السيد سنة 2001، وعلي في فيلم ”وداعا المغرب“ لنادر موكنيش سنة 2011، وفوزي في فيلم ”صوفيا“ لمريم بن مبارك لسنة 2019.

نماذج تؤكد أن تجربة بنسعيدي فنية ثقافية، وقصدنا بهذا المفهوم المركب أن ما يقدمه هنا هذا المخرج يعي قيمة الاشتغال على المزج الفني وأثره في خلخلة المتلقي.

من المؤكد أن فوزي الممثل ليس هو فوزي المخرج السينمائي أو الممثل المسرحي، سواء في أعماله أو الأعمال التي يشارك فيها، لكن هذا التعدد في الأدوار من شأنه أن يساهم في تخصيب الصورة لديه وجعلها أكثر بحثا عما يمكن أن يضيفه للمشهد السينمائي المغربي والعربي ككل. ولعل الكثير من الجوائز التي حصدها سواء على المستوى الوطني أو العربي أو الأجنبي خير دليل على ما طُرح هنا، وهو ما سنعمق فيه القول لاحقا.

الهامش في أعمال بنسعيدي

قصدنا بالهامش هنا هو ما ينبش فيه المخرج بواسطة رؤيته الإخراجية في أعماله السينمائية تحديدا، سواء تعلق الأمر بالهامش المكان أو الهامش الإنسان أو الهامش الزمان، إلى غير ذلك من الهوامش الاجتماعية أو السياسية، والتي شكلت موقع جذب بالنسبة للمخرج، إلى درجة أن اسمه أصبح مرتبطا بهذه الرؤية السينمائية الانزياحية عن السائد والمتداول. من أجل هذا سنبحث ونفكك الهامش الوارد لديه من خلال أفلامه التالية:

لقطة من فيلم "وليلي"

الحافة.. نبش في هوامش الطفولة وعوالم الكبار

لماذا اختيار هذا الفيلم القصير كعينة ممثلة لأفلامه القصيرة، إن لم نقل وحتى أفلامه الروائية ونظرته للفن ككل؟ السبب راجع في اعتقادنا إلى كون هذا الفيلم يمثل طبيعة الفعل السينمائي والفني بشكل عام لدى المخرج فوزي بنسعيدي، وهو فيلم شغل فيه اللغة السينمائية وجعلنا كمتفرجين ندرك قيمة المكان الذي يتحول إلى شخصية فاعلة في الحكي السينمائي. من خلال فيلم الحافة القصير نعي قيمة جعل الصمت اللغة الحقيقية في السينما حد سماعنا فقط أصوات الأرجل، إلخ.

الحافة هو فيلم ينبش في الهوامش الطفولية وعوالم الكبار (الباحثين عن متع محرمة في المجتمع مثل الخمر)، حيث يجدون في الشاطئ البعيد عن الرقابة؛ الفضاء الذي يفرون إليه بدراجاتهم النارية، وداخل دوائر رسمت في رمال البحر بعجلات هذه الدراجات النارية كدوائر دالة على اللاحرية، حيث يمارسون شغبهم وفرحهم الذي لا تسمح به بنية التقاليد والعادات.

الحافة هو فيلم بُني على رؤية إخراجية سينماتوغرافية قوية ودالة قابلة للعديد من التأويل، حيث يكفي استحضار صورة الطفل المهمش وهو يعثر على قنينة رمى بها البحر ليعيش لحظة فرح طفولي، بل أطلّ على العالم من خلال النظر عبر هذه القنينة، ومن ثم القبض على تلك الرؤية الضبابية للعالم، هو نوع من الرفض لهذا المجتمع والعالم ككل. فغياب الرؤية الصافية والواضحة هو مضمون الرسالة والخطاب المبحوث عنه من خلال هذا المشهد.

من هنا وجب القول في اعتقادنا طبعا إن فيلم الحافة منذ سنة 1998 لا يزال يمثل طبيعة التفكير السينمائي الفني عند فوزي بنسعيدي، بل كل الأفلام التي أخرجها من بعد هي بشكل أو بآخر تفكيك لعنصر من عناصر هذا الفيلم، إذ إن متونه السينمائية القصيرة أو الطويلة التي أتت بعد الحافة ما هي إلا ذلك النبش المستمر في هوامش إنسانية عديدة كما سنرى لاحقا.

إذن، فيلم الحافة يندرج ضمن الجنس الروائي القصير (مدته الزمنية 18د)، أخرجه -وكما أشرنا سابقا- سنة 1998. عملٌ نال به بنسعيدي عشرات الجوائز كاعتراف في حق فكرة الفيلم وطبيعة الرؤية الإخراجية، فبمجرد مشاهدة الفيلم تشعر بالعديد من أوجه الانزياح، وكيفية تمكنه من الكشف عمّا يجري في بعض العوالم الخفية (حضور المقدس والمدنس). فالمقدس هنا يحضر من خلال المقبرة كمكان له حرمته، حيث فيها يُدفن الميت ويُقرأ القرآن وتقدم التعازي ويُدعى للميت. إذن فهو مكان يستدعي الخشوع والتأمل.

على نفس المكان/المقبرة يتردد كل من الشابين المراهقين سعيد وأخوه حكيم للبحث عن ”متعة الحياة“ المفقودة في المجتمع، حيث يبحثان عن بعض الدريهمات كمقابل لمهمتين متناقضتين هما: مهمة دهن القبور بالأبيض، ومهمة جمع قوارير الخمر.

 

دهن القبور.. هروب من قسوة الكبار

مهمة دهن القبور بالأبيض؛ مهمة غايتها الحفاظ على قبور الموتى، وذلك بتجميل هذه القبور باللون الأبيض، وهو لون الولادة والموت. لون الولادة لأننا به نُستقبل في هذه الحياة، واللون نفسه نغادر به هذه الدنيا (الكفن)، مما يؤكد قيمة هذا اللون في مرجعياتنا الثقافية الروحية، ناهيك عن كونه يحيل على الكتابة.

العمل في المقبرة من طرف سعيد -”اللاسعيد“- بجانب أخيه حكيم -”اللاحكيم“- يضعنا أمام مجموعة من القراءات لهذا الفعل، أي فعل القيام بدهن مقابر الموتى في المقبرة باعتباره فعلا أو مهمة خاصة بالكبار. أقل ما يمكن قوله ضمن هذه القراءات إنهما يحيلان على بنية الفقر والتهميش الاجتماعي. صحيح قد يشعران بنشوة ما وهما ينتشلان بضعة دريهمات من أهالي الموتى، ومن ثم القبض على لحظة ”سعيدة“ وأخرى ”حكيمة“، لا سيما وهما في مرحلة الطفولة، ومن هناك تحقيق انزياح ما في هذا الفضاء المقدس، وهو فضاء الموت المحيل على الآخرة، حيث الكبار وهم يصاحبون موتاهم للدفن يكونون في حالة ”خوف“، بينما هما في حالة شغب وبحث عن فرح طفولي مفقود.

ممارسة الشغب داخل المقبرة قد يبدو لنا سلوكا عاديا ممارسا من طرف فئة عمرية طفولية مشاغبة لا تزال لم تدرك عوالم وحقيقة وثنائية الدنيا والآخرة، لكنه ومن ناحية سيكولوجية هو نوع من الرد على تهميش الأحياء لهم، ومن ثم الهروب إلى عوالم الموت، وذلك لكونها عوالم لا تمارس سلطة الرقابة عليهم.

هل من الممكن الذهاب نحو الأبعد في هذه القراءة من خلال جعل البياض الذي ينظفون به المقابر هو نوع من الكتابة أو الرد على عوالم الكبار الأحياء الذين ”لا رحمة“ فيهم، والرحمة هنا، في عوالم الموتى؟

اختيار الفيلم “وليلي” كأفضل الأفلام المغربية لعام 2018

جمع قوارير الخمر.. هروب آخر

بجانب طلاء القبور من الأخوين سعيد وحكيم، فقد مارسا ”مهمة“ أخرى تتجلى في جمع قوارير الخمر، وذلك من أجل بيعها بحثا عن بعض الدريهمات، وهذا يؤكد لنا مرة أخرى طبيعة الهامش ومحاولة جعله محورا رئيسيا ليس في هذا الفيلم، بل في معظم أعماله السينمائية والمسرحية.

جمع قوارير الخمر يدفعنا إلى تعميق فكرة المقدس والمدنس الواردة في الفيلم، أي كيف يتم اللجوء إلى المقبرة لاحتساء الخمر ورمي زجاجاته الفارغة لتصبح في قبضة هذين الأخوين، ومن ثم ”احتساء“ ما تبقى فيها من ”قطرات“ تقليدا للكبار وبحثا عن ”المتعة“ المفقودة في وسطهم العائلي، ومن ثم مجتمعهم ككل.

يبدو أن المقبرة كمكان هنا ومن منظور فلسفي؛ فضاء لـ“البحث“ عن ”المتع“ المفقودة في المجتمع، بل فضاء يتم الهروب إليه تحت ضغط ممارسة الرقابة المجتمعية المستمدة من الدين والعائلة. ثنائية زمنية  وشخوصية ضدية هو ما يميز الفعل الممارس داخل المقبرة/المكان.

هناك تضاد خفي يميز زمن الموتى وزمن الأحياء (مرافقو الموتى وسعيد وحكيم وشاربو الخمر وسائق الشاحنة…)، ونفس البنية الضدية على مستوى الشخوص، حيث حضور الأحياء بجانب الموتى.

كل هذا ساهم في خلق بنية متوترة في هذا العالم الرهيب، بل داخل بنية الزمن والشخوص نجد أيضا صراعا خفيا يتجلى في كون زمن مرافقي الموتى ليس هو زمن حكيم وسعيد ومتناولي الخمر وسائق الشاحنة، والشيء نفسه يُقال عن طبيعة الشخوص الأحياء، حيث هناك من يعيش لحظة خوف (مرافقو الموتى) مقابل بقية الأحياء الباحثين عن لحظة فرح (متناولو الخمر وسعيد وحكيم وسائق الشاحنة)، بل حتى على مستوى ”اللذة“ المبحوث عنها من طرف متناولي الخمر وسعيد وحكيم وسائق الشاحنة، والتي نجدها تأتي في سياقات مختلفة بل وضدية، إذ نجد أن الأخوين سعيد وحكيم يأتيان في سلم أدنى بالمقارنة مع متناولي الخمر، حيث على سعيد وحكيم انتظار تناول الخمر من الآخرين ليستمتعا في النهاية بالقوارير الفارغة من أجل بيعها، وهو بيع لم يتحقق لأنهما باعا ضمن هذه القوارير واحدة مكسورة، مما أدى إلى إصابة العجوز الأعمى المشتري في يده، فصرّخ على إثرها صرخة مدوية جعلت مساعده (الخادم) يطاردهما داخل الأزقة الضيقة بالمدينة التاريخية القديمة، وقد تمكن فعلا من استرجاع ما حصلا عليه (توقف حلم البيع).

تم تغييب الحوار من فيلم "الحافة" وبشكل مقصود، لا سيما والصمت الحاضر هنا ومولّد للعديد من الدلالات

في دلالة الصمت

تم تغييب الحوار من الفيلم وبشكل مقصود، لا سيما والصمت الحاضر هنا ومولّد للعديد من الدلالات. حيث ترك المخرج للهامش ”سلطته“، بل ترك للمتلقي فرصة التماهي مع شخصيات الفيلم، لا سيما سعيد وحكيم. إنه صمت دال ومولد لواقع أليم، وكأن المخرج أرادنا أن نشاهد ونرى ولا نسمع، بل نسمع بعيوننا، لكون الصورة وكما يًقال مولدة لآلاف المعاني.

الصمت في هذا الفيلم موجع، ويجعلنا نعيش كل لحظات الفيلم سواء تعلق الأمر بمشاهد تبييض القبور بالطلاء الأبيض أو أثناء دفن الموتى أو أثناء جمع قوارير الخمر.

مشاهد تجعلك تحضر مرجعياتك البلاغية لتفكك بها هذا الصمت الذي ينقلك من واقعك الذي تعيشه وكيفما كان هذا الواقع غنيا أو فقيرا، نحو واقع الفيلم بشخوصه وزمنه ووقائعه الأليمة.. وقائع الدفن والتهميش عوالم ”تراجيدية“ بامتياز، يتداخل فيه ”ضحك“ سعيد وحكيم بإيقاعات الجنازة والموت.

 

الأبيض والأسود.. ثنائية رمزية

يتعمق الجرح حينما يوظف المخرج ثنائية لوني الأبيض والأسود، فقد نتساءل ما علاقة هذين اللونين بالهامش والتهميش في فيلمنا هذا؟ إنه توظيف غايته الرفض وتغييب ألوان الحياة، لا سيما وهما يحيلان على التناغم مع اللحظات الأليمة التي جسدها كل من سعيد وحكيم ومن يتردد على المقبرة بحثا عن لذة الخمر. الكل يرغب في التخلص من تهميش المجتمع له، مما جعل من هذين اللونين خطابا خادما لغرض المخرج وهو المدرك لرمزية الألوان. لونا الأبيض والأسود إدانة للواقع المفرز لمثل هاته الشخصيات الجريحة.

يبدو -ومن خلال ما فككناه سالفا- مدى قيمة وأهمية ورمزية عنوان هذا الفيلم ”الحافة“، إنه الحاجز المعرقل للحياة، والفاصل بين فئات المجتمع وبين عالمين متناقضين؛ عالم الأنا الأعلى حيث سلطة الدين والمجتمع والتقاليد، وعالم الأنا حيث الرغبة في تحقيق المتع المغيبة من الواقع.

هذا على مستوى فيلم ”الحافة“ كنموذج من أفلامه الروائية القصيرة، وهو -وكما قلنا سابقا ونعيدها هنا- يشكل زاوية الرؤية الفنية الممثلة لأعماله السينمائية ككل، بل وحتى المسرحية ولطبيعة العديد من الأدوار التشخيصية التي أداها.

 

الرباعية الفيلمية

سنقدم قراءة تركيبية لأربعة أفلام روائية مطولة هي في الأصل استمرارية لفيلم الحافة بشكل أو بآخر، فهذه الرباعية الفيلمية هي ”ألف شهر“ (2003)، و“يا له من عالم رائع“ (2006)، و“موت للبيع“ (2011)، و“وليلي.. الحب والحكرة“ (2017)، وهي رصيده الفيلمي المطول إلى حد الآن، وهي رباعية من الممكن تلخيصها وفق ما يلي:

– النبش في ذاكرة المهمش المغربي سواء تعلق الأمر بما هو اجتماعي أو سياسي أو مكاني أو زماني.
– محاولة الاقتراب من المسكوت عنه، ليس من موقع دغدغة عواطف المتلقي أو بحثا عن ”البوز“، لكن من موقع المحكي الفيلمي المبرر والخادم لتصوره الفيلمي وغاياته من الكتابة الفيلمية بالصورة.
– الانتصار الدائم لقضايا المهمشين والمغلوبين وخلخلة القوى المهيمنة.
– طرح الأسئلة الكبرى من خلال الحق في الحب والحياة والحرية والكرامة.
– الميل الدائم لعوالم الطفولة الممزقة، ومن خلالها إدانة المجتمع والإنسانية ككل.
– محاولة قول المحكي الفيلمي من خلال البحث عن الفضاءات المظلمة والتاريخية المنبوشة، مما يوحي بطبيعة الجروح الممارسة في التاريخ والسياسة.
– تميزه بالقدرة على كتابة ”سيناريستية“ محبوكة، ويتجلى هذا عادة في طبيعة ما تمارسه أفلامه من ”سلطة“ على المتلقي الذي يجد لذة التلقي في أفلامه. (مخرج عادة ما يفوز بجوائز النقاد والأندية السينمائية بجانب جوائز كبرى أخرى، وتجذب أفلامه عينات مجتمعية متعددة من المتفرجين، وتثير أسئلة الإعلاميين والنقاد والباحثين السينمائيين).

هذه العناصر التركيبية هي الخطوط العامة التي من الممكن أن نموقع فيها طبيعة العمل السينمائي الذي يوقعه المخرج السينمائي والمسرحي والممثل المغربي فوزي بنسعيدي الآتي إلى هذه الممارسة الفنية من خلال وعيه بقيمة الفن في الكشف عن الهوامش والعوالم الباطنية للإنسان، وصراعه مع من يتحكم في ”أنفاسه“، وكل أشكال السلطات الرمزية التي نبتت في أحشائه منذ صرخته الأولى.

شارك فوزي بنسعيدي بدور فوزي في فيلم "صوفيا" لمريم بن مبارك لسنة 2019

أسئلة ترفض ”تعليب الحياة“

الانتصار للمهمشين ومحاولة قول لا بلغة الصورة في السينما والجسد في المسرح والنظرات في التمثيل؛ هو ذلك الخطاب الدلالي (السيميولوجي) المميز لطبيعة أعمال هذا الفنان المنفتح على الآداب والفنون ككل. أعمال نشعر من خلالها أنها تنهض على مشروع ورؤية فنية وإنسانية عميقة ترفض الإهانة أو ما يسمى في الدارجة المغربية بـ“الحكرة“ ، كما ورد في عنوان فيلمه الأخير المشار إليه ضمن رباعيته السالفة.

أعماله الفنية ككل ما هي سوى رفض لـ“تعليب“ الحياة وجعلها في يد فئة قليلة فقط، بل يبقى فوزي بنسعيدي صوتا سينمائيا وفنيا قابلا لتفكيكه من زوايا نقدية وإنسية متعددة، إذ يجد فيه الباحث السوسيولوجي والسيكولوجي وغيرهما لذة البحث، لا سيما وهي متون سينمائية جريئة تخلخل الواقع المغربي، بل ومن خلاله تُسائل الإنسانية عمن خوّل البعض أن يقهر البعض الآخر؟ ومن أعطى لهذا البعض أن يعرقل الحق في الاستمتاع بالحياة والجمال والخير؟

أسئلة جماهيرية قوية ودالة وعميقة من الممكن استخراجها من هذه المتون السينمائية، والتي اعتبرنا فيها الحافة تلك النواة السينمائية والفنية، بل إن الصورة البلاغية السينمائية وصلت أوجها حينما مات الأخ الأكبر في الفيلم ضحية البحث عن قوارير خمرية لبيعها من أجل العيش وهو يتسلق علوا لجمع ما تبقى من قوارير تركها السكارى.

وهنا حققت الكتابة بالصورة قيمة فنية قوية ودالة، لا سيما حينما ركب هؤلاء دراجاتهم النارية للمغادرة، وقبل رحيلهم رسموا بعجلات دراجاتهم الدائرية مجموعة من الدوائر وبشكل شبه جنوني، مما ولّد دلالات متعددة أقلها أن الكل موجود داخلها لا يعيش خارجها. إنها دوائر سلطة المجتمع والتقاليد والعادات وغياب الحق في السعادة والاستمتاع بالحياة.

النبش في ذاكرة المخرج فوزي بنسعيدي الفنية بشكل عام والسينمائية بشكل خاص؛ من الصعب تحقيقه خارج نبشه في العديد من الهوامش الاجتماعية والسياسية والمكانية والزمنية. لكن يبقى فيلم الحافة تلك النواة الفيلمية والفنية والثقافية التي من خلالها من الممكن القبض على الرؤية الفنية الفلسفية لهذا المخرج المتعدد والجامع بين السينما والمسرح تمثيلا وإخراجا.