بورتريه

محمد عابد الجابري.. على نهج ابن رشد

 

خاص-الوثائقية

من القلة الذين يستعصي نسيانهم على ذاكرة العقل العربي، وصل صدى فكره إلى كل البلاد العربية، أصبحت مؤلفاته ومناهجه من أبجديات المقاربات الحديثة، ومرجعا مهما في قراءة الفكر العربي المعاصر ومساءلة التراث والديمقراطية وحقوق الإنسان والهوية والعروبة والإسلام في إطار عام أسماه المشروع النهضوي العربي.

هذا الفيلم الذي أنتجته قناة الجزيرة الوثائقية يحكي لنا سيرة المفكر المغربي محمد عابد الجابري، يأخذنا إلى عالم طفولته ليسرد لنا كيف تشكل هذا العقل العربي وكيف درس وكيف كان يعيش ومن كان يرافقه؟

الجابري الطفل ثم الجابري الشاب الذي كان يلتهم الكتب، محب للخلوة التي تتركه ينسجم مع كتاب، تفرغ للقراءة والكتابة وكان يعيش مع شخصيات هذه الكتب، فلا يكاد يزور أحدا لأنه كان يعيش مع ابن خلدون وابن رشد، ودّع الدنيا ومكتبه لا يزال على حاله، وكأنه عائد لكتبه وحاسوبه يتمم ما بدأه.

ولد المفكر المغربي محمد عابد الجابري في 27 ديسمبر/كانون الأول عام 1935، مناضل ديمقراطي ملتزم، كتلة من تلاقي المطامح والتطلعات للأجيال المقبلة، كان ”منفتحا على جميع الآراء الفكرية والتيارات والفلسفات المغايرة“، كما يقول عنه الوزير السابق عبد الله العساف.

أما صديقه عبد القادر الحضري فيقول عنه إنه قرر في خضم مشاغله أن يهتم بالإنسان وأن ينشغل بالإنسان، وأن يعمل على رفع الظلم والاستبداد والغبن والجهل عنه بكل ما أوتي من قوة.

كان شخصية متواضعة على الرغم من ”دوره العميق الدسم“، كان لطيف المعشر متواضعا ومنغلقا على نفسه، قليل الكلام تأثرا ببيئته الصحراوية.

حفريات من الذاكرة

جاء من بلدة وجدة الفقيرة البسيطة التابعة لمدينة الفكيك قرب الحدود مع الجزائر، ورغم غناها التاريخي والاقتصادي وخاصة إبان الاستعمار فإنها هُمشت فيما بعد.

ولد لأبوين تربطهما علاقة متوترة، لذلك انفصلا في طفولته المبكرة، فعاش عند والده ولم ير والدته بعد ذلك، وقد بقي تحت كنف جديه لأبيه.

غادر مدينة الفكيك فترة من حياته، وعاش مع عمه الذي أخرجه من المدرسة العربية وأدخله الفرنسية، لكن ذلك تسبب في غضب والده الذي أعاده إلى المدرسة العربية.

في كتابه ”حفريات من الذاكرة“ تناول الجابري حياته الخاصة، وتحدث فيه عن طفولته وذهابه إلى الكتّاب ومرافقته لجده دائما. كان والده غنيا، وقد سكن حي تاشرافت أورتان، وكان وضعه المادي مختلفا عن باقي زملائه، وكان مشهودا له بحسن الخلق والسلوك.

كان الجابري شغوفا بالقراءة، وكان الكتاب جليسه في كل مكان وفي كل وقت، حتى إنه كان يبقى مستيقظا لوقت متأخر من الليل، إلى أن يأتي جده ويأمره بالنوم.

في عام 1949 فتحت مدرسة النهضة المحمدية أبوابها في مدينته والتحق بها الجابري، ومنها حصل على أول شهادة في حياته، انتقل بعدها إلى الدار البيضاء، كانت نقلة كبيرة ونوعية كما يقول سعيد السعيد، هناك احتضنته الحركة الوطنية المغربية على أن يكون أحد أبنائها وتلاميذها.

في الدار البيضاء تلك المدينة التي تزخر بالحياة، لم يكن لدى شخصيتنا في هذا الفيلم دخل مالي يتصرف به لقضاء شؤون حياته، فاضطر للعمل في مهنة الخياطة.

تذكر زوجته أنه اشترى ذات يوم وهو يتجول في شوارع الدار البيضاء كتابا وجلس في حديقة يقرؤه. شكل هذا الكتاب حافزا قويا للجابري ليستأنف دراسته، فاجتاز الامتحانات المدرسية ونجح فيها، وعمل في مدرسة النهضة المحمدية الابتدائية.

وفي امتحان البكالوريا تخصص باللغة العربية وكان مشرفه المهدي بن بركة، فقام باستدعائه لمقابلته، وعلم منه أنه يعمل مدرسا في المدرسة المحمدية، فطلب منه أن يعمل معهم في جريدة العلم.

كانت تلك بداية مرحلة أخرى من حياته، انفتح فيها على عالم وطني وصحفي وفكري مختلف بشكل كلي عن نشأته، كانت النقلة الحقيقية في الكلية، وكانت رسالة الدكتواره الأولى عن ابن خلدون عام 1967.

تقول زوجته: بعدها بدأ بتحضير ”رسالة الدولة“ -وهي درجة علمية معتمدة في المغرب بعد رسالة الدكتوراه- ”وقتها كنت أنا من يكتب له كتبه، وقد جلب لي آلة طباعة وتوليت الكتابة بنفسي“.

المفكر المبدع

يتسابق المتحدثون في الفيلم إلى ذكر مزايا الجابري وصفاته، فيقول عبد الله العساف ”كانت شخصيته مركبة تجد فيه المُربي والباحث في التراث والمفكر المبدع والسياسي“، أما علاقته بالتعليم فكانت على عدة مستويات، فبصفته مسؤولا تربويا كان إنسانا ملتزما بكل قضايا العمل والمسؤولية التربوية والفكرية.

ومن جهة أخرى ونتيجة الاحتكاك المباشر كتب عن التعليم مناقشا ومسجلا ومقترحا، ومن كتبه ”من أجل رؤية تقدميه لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية“، كما ألف مقرر كتاب الفلسفة في كتابه ”من دروس الفلسفة والفكر الإسلامي“، وكان لهذا الكتاب تأثير على جيل بأكمله.

بدأ الجابري بعد ذلك بالتحرير في جريدة المحرر، وهي أول جريدة باللغة العربية في المغرب، وكانت ذات طابع رصين وتعتبر مدرسة في عالم الصحافة.

بدأت الحركة الوطنية المغربية أعمالها عام 1957، وألقي على عاتق الجابري مهمة برنامج رجال التعليم، ثم بدأت مهامه تنمو وأعطي رئاسة التحرير في جريدة المحرر. ولما كان أستاذا للفلسفة بدأ يُدخل مفاهيم جديدة على حقل الصحافة.

يصف عبد الرحمن اليوسفي دوره في الجريدة فيقول ”كان القلم الرئيسي، وهو المنشط الأساسي لها، وبفضل مجهوداته أصبحت المحرر الجريدة الأولى في المغرب، وقد أسس للمعارضة في البلد“.

بعد تركه الصحيفة، تفرغ للعمل الفكري إذ اكتشف أن البلاد بحاجة لمجلة، فأسس مجلة ”فكر ونقد“، وكان يظهر كصحفي أثناء تحضيره مع زملائه لإطلاق المجلة، وقيل إنه هو من ”أسس صحافة الصراع الأيدولوجي في المغرب العربي“.

ينتمي الجابري إلى جيل الباحثين والمثقفين العرب الذين أسهموا -كل بطريقته- بطرح أسئلة عن الذات وعن الآخر وعن مسائل التراث والمجتمع والسياسة والفن.

يقول سعيد بن سعيد ”صادفَت كتاباته قبولا من القارئ العربي من الشام لمصر والخليج والمغرب، وقد طبعت كتبه عدة مرات في حياته ولاتزال تطبع حتى الآن. ويُعتبر أن الجديد في فكر الجابري هي الجرأة في الطرح عن التراث: لماذا التراث يعاني؟ ولماذا الثقافة متقلصة ولا تستجيب لحاجاتنا ومستجداتنا؟ إنها محكومة لهيمنة الفكر اللاعقلاني، وأي انطلاقة في نظر الجابري يجب العودة فيها لابن رشد والتنوير الذي استطاع أن يمزج بين التوجه العقلاني والتوجه البياني العقلاني“.

ينتمي الجابري إلى جيل الباحثين والمثقفين العرب الذين أسهموا بطرح أسئلة عن الذات

الكتلة التاريخية

المرحلة الثانية البارزة والمثيرة في حياة الجابري هي الكتلة التاريخية ومازال يستمر الجدل فيها حتى وقتنا الحاضر ويتبناها عدد من المثقفين ويشتغلون عليها.

يقول سعيد بن سعيد إن الكتلة التاريخية مرحلة من المراحل التاريخية والاجتماعية التي يقتضي الأمر فيها تكتل جهود تيارات فكرية وسياسية، ”إذا أزحنا جانبا نقاط الاختلاف والفروق، يقع الاتفاق وقتها“.

أما عبد الله العساف فيقول إن ”الناس كانوا يتحدثون عن الفكر العربي والثقافة العربية والحضارة العربية الإسلامية، لكن الجابري ذهب مباشرة إلى العطب والنواة التي تشكل بالفعل الميكانيزم الضرورية من أجل البقاء في طور المحيطات“.

كان هناك موقف آخر يقول إذا أردنا أن نلتحق بركب الإنسانية المتقدمة فيجب أن نضرب صفحا عن الماضي كلية ونتجه تماما نحو الحداثة، أما الجابري فكانت فكرته هي العودة إلى التراث الإسلامي وأخذ ما ينفع والمزواجة بينه وبين المعاصرة والحداثة، كان يرى أن الفكرة الموجهة للمشروع مهمه لأنها تحرك الوظيفة الأساسية للفلسفة والفكر.

وفي مقال له بعنوان ”الكتلة التاريخية.. بأي معنى؟“ يقول الجابري عن هذه الفكرة: طرحتُ مسألة الكتلة التاريخية أول مرة في حوار نشر لي بمجلة المستقبل العربي (عدد نوفمبر/تشرين الثاني 1982)، كان من بين الأسئلة التي طُرحت فيه سؤال حول الطبقات في المجتمع العربي وأيها يمكن أن تقود فيه النضال من أجل التغيير. وفي إطار الجواب عن هذا السؤال قلت ما يلي: إن ما يحتاج إليه النضال العربي في المرحلة الراهنة هو في نظري شيء أقرب إلى ما سماه غرامشي بـ“الكتلة التاريخية“.

وكان (غرامشي) هذا المفكر الإيطالي والمناضل السياسي اليساري (1891-1937) يفكر في طريق للتغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي يناسب معطيات المجتمع الإيطالي في زمنه، وكان الإشكال الذي يعترض الإصلاح آنذاك في هذا البلد ذلك التفاوت الكبير بين شمال إيطاليا الذي كان قد بلغ درجة متقدمة في مستوى التصنيع والتحديث، وبين جنوبها الذي كان يحمل سمات المجتمع المتخلف الخاضع لسلطة الكنيسة.

ومن أجل الحفاظ على وحدة الأمة الإيطالية والقيام بنهضة شاملة اقترح فكرة الكتلة التاريخية، وهي تضم إلى جانب قوى التغيير والإصلاح في الشمال من ماركسيين وشيوعيين وليبراليين، القوى المهيمنة في الجنوب بما فيها الكنيسة.

وبمقارنة حال الأقطار العربية في زمننا مع حال إيطاليا زمن غرامشي، اقترحتُ الفكرة نفسها مع تَبْيِئَتها وتكييفها مع الوضع العربي.

وهكذا فالكتلة التاريخية كما ناديتُ وأنادي بها هي كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلق أولا بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانـيا بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها -إلى درجة كبيرة- التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج.

وبما أن مشكلة التنمية مرتبطة في الوطن العربي بقضية الوحدة، فإن هذه الكتلة التاريخية يجب أن تأخذ بعدا قوميا في جميع تنظيراتها وبرامجها ونضالاتها.

ولد المفكر المغربي محمد عابد الجابري في 27 ديسمبر/كانون الأول عام 1935

تحريك الفكر العربي

يقول المتحدثون في الوثائقي إن الجابري كان على قناعة بأنه يسهم في تحريك الفكر العربي على الرغم من أن كثيرا من أبناء بلده لا يعون الدور العظيم الذي قام به. كان كلما كتب كتابا رد عليه مفكرون عرب بكتاب مضاد، كان الجابري يحترم ذلك الاختلاف والحرية في الاختيار.

ويرى المتحدثون في الوثائقي أن الفكرة تكون قوية عندما تحقق الصدمة أو التصادم لفكرة أخرى مضادة لها، والاختلاف شيء طبيعي لأنه لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة.

يقول عبد القادر الحضري إن الجابري لديه القدرة الكبيرة على الإقناع، وعندما جاء وقت المؤتمر التأسيسي لحزب الاتحاد الاشتراكي، ورغم أنه قيل وقتها إن الجميع شارك في طرح رؤيا الحزب ومرتكزاتها، فإنه في الحقيقة كان هو من صنع ما سُمي بالتقرير الأيدولوجي للاتحاد الاشتراكي.

ويقول عبد الرحمن اليوسفي إنه عندما كان مشرفا على رئاسة التحرير كان الجابري كاتب التحرير وكان بالنسبة للحزب رجلا توافقيا يحاول أن يساوي بين الإخوة، ولكنه أصيب بخيبة أمل نتيجة التعصب الفردي داخل الحزب، ففضل الاستقالة، ولكنه لم يدخل في قطيعة وبقي على تواصل، فخرج فقط من الطابع الشكلي وبقيت العلاقة الوجدانية والنضالية.

ويرى عبد الله العساف أن النزوع السياسي للجابري بقي ولكنْ في نهاية المطاف انتصر الجانب المثقف، وكان ذلك انتصارا وربحا للثقافة العربية والمغربية على وجه الخصوص.

الجابري كان على قناعة بأنه يسهم في تحريك الفكر العربي

زهد بالمناصب

لم يكن الجابري يتطلع في يوم من الأيام إلى تحمل مسؤولية سياسية أو انتخابية، وكان يفضل الابتعاد وكان زاهدا في ذلك، ويؤمن بنضاله وبمشروعه الأيدولوجي السياسي للاتحاد الاشتراكي، وعمل بذلك بكل ما يملك.

يقول اليوسفي عندما كُلفت رئاسة الوزراء كنت أزوره وأستشيره حتى في بعض أعضاء الحكومة، وكنت أدوّن ملاحظاته وأعمل بالكثير منها. كان لا يطمح للمسؤولية، ودائما يتهرب من التكريمات والأوسمة.

في آخر أيامه، أصبح الجابري يميل إلى الوحدة، لا يحب زيارة أحد ولا يخرج من البيت

وفاته

في آخر أيامه، أصبح يميل إلى الوحدة، لا يحب زيارة أحد ولا يخرج من البيت. تقول زوجته ”كان يقول سأعيش مع ابن خلدون وابن رشد. كان في مكتبه تلك الليلة، وعندما أتينا في الصباح وجدنا كتبه مفتوحة أمام الحاسوب. بقي ليلتها يعمل حتى الثانية صباحا من يوم 3 مايو/أيار 2010، وكان مرتاحا كما لو أنه نائم ويبدو أنه لم يحس بألم عند وفاته“.

لقد غادر مبكرا، وتم تأبينه بحفل مهيب حضرته كل الأحزاب السياسية والفكرية، وأقيمت مؤسسة حملت اسمه يقول صديقه عبد القادر ”لا نريدها أن تكون تحت اسم الدول ولا حزب، بل تبقى مكتسبا للشعب المغربي لا توجه ولا تمييع ولا توظيف لأي جهة من الجهات، وسنعمل على تطوير فكره“.

لقد أثرت حياته وطفولته في تكوينه وتوازنه السيكولوجي وتركت جرحا عميقا صاحبه طيلة حياته، وقد بنى شخصيته على ما استنبطه في صغره وكان رجلا مبدعا ومؤثرا.

تختم زوجه بالقول إنها عاشت معه حياة جميلة، ولو أنها خيرت لاختارته مرة ثانية، وكانت حياتهما زاخرة بالتنوع بين الفكر والسياسة وحبه لها ولأولاده ولعلاقتهما الوطيدة.