بورتريه

محمود الورفلّي.. ضابط الإعدامات ومريد القذافي وحفتر

 

 

حبيب مايابى

بحروف من دماء الساسة وأصحاب الرأي، والصبية والنساء والعجزة، نقش اسمه في ساحة وُئدت فيها القوانين والأعراف بحكم المعارك التي لا تُبقي ولا تذر.

انتقل من سجين إلى قائد محوري في كتيبة الصاعقة يصدر الأحكام وينفذ الإعدام، وبعدما طلبته المحكمة الجنائية بتهمة ارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، رفض المثول أمامها وواصل إزهاق أرواح خصومه.

الرائد محمود مصطفى بوسيف الورفلي أحد الأسماء التي اشتهرت في بنغازي وعموم التراب الليبية بسفك الدماء دون حسيب أو رقيب.

وقد أنتجت الجزيرة  فيلما بعنوان ”ضابط الإعدامات“ يستقصي حقيقته والجهات التي تقف خلفه ويستمد منها قوته.

كان محمود الورفلي من الأسماء المجهولة في الجيش الليبي، حيث تقع رتبته في الطابور الخامس، وكان من فرقة كتيبة الصاعقة التي تتبع للقذافي، وعندما بدأت الثورة في ليبيا أُرسل ضمن قوات عديدة إلى بنغازي لقمع المتظاهرين، لكنه وقع أسيرا في يد الثوار حينها وأرسل لسجن بنغازي.

إرث القذافي الدموي

بعد معركة ”الكرامة“ عام 2014 التي قادها اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد الثوار في بنغازي خرج الورفلي من السجن، ليُكلف بمراقبة الدوريات في العاصمة طرابلس سنة 2015.

بدأت رحلته مع الخطف وتنفيذ الإعدام على مرأى ومسمع من الجميع، حيث كان يوثق ما يقوم به من عمليات الإجرام ويلتقط صورا مع القتلى.

يُعتبر الضابط المتهور من أكثر الجنود إيمانا بإرث القذافي، فقد تمسك بعقيدته الدموية. وحسب المحللين العسكريين فإن كتيبة الصاعقة التي ينتمي إليها لم تعد تتمسك بمبادئ الجيش وأخلاقه القائمة على حماية الوطن والمواطنين.

وفي حديثه بوثائقي الجزيرة، يقول يوسف المنقوش رئيس الأركان السابق في ليبيا ”كانت الصاعقة من القوات الخاصة ووحدة منضبطة وذات كفاءة، لكنها تغيرت وأصبحت تعتمد على مرتزقة تم جلبهم من الشارع، وليست لهم ضوابط ولا أخلاق“.

وفي لقطاته الكثيرة التي يوثق فيها إجرامه ظهر الرائد محمود الورفلي المعروف بـ“ضابط الإعدامات“ يقول إن ما يقوم بفعله هو بهدف التقرب إلى الله عز وجل.

تأثر بالفكر المدخلي

لكن إرث القذافي ليس وحده الذي يحفز الورفلي لإراقة الدماء، فهناك دور كبير لربيع المدخلي وهو أحد المشايخ السعوديين المهتمين بالشأن الليبي، إذ استغل منبره في دعوة أنصاره من الشباب للقتال في صفوف حفتر ضد من يسميهم الخوارج.

انتشر فكر المدخلي وغيره من السلفية إلى ليبيا وتبناه الكثير من الناس، وأصبحت 80 محطة إذاعية تبث المحاضرات التي تحرض على إجهاض الثورة واعتبارها خروجا على الحاكم.

وبين إيمان سابق بمبادئ القذافي، واعتناق الفكر السلفي المدخلي، والانتماء لقوات اللواء المتقاعد المدعوم من الإمارات والسعودية، تشكلت رؤية الورفلي وعقيدته من جديد.

استخدم مصطلحات دينية عميقة خلال ظهوره في تنفيذ الأعمال الإجرامية، كقتال الخوارج والجهاد والدفاع عن وطن الإسلام، فاستخدم نفس أسلوب تنظيم الدولة الإسلامية في القتل والتصوير مع الجثث.

ولم تكن أواصر العلاقة بينه وبين تنظيم الدولة في ليبيا فكرية فحسب، وإنما وصلت حد التنسيق في الميدان وتأمين هروب عناصر تنظيم الدولة نحو وسط البلاد.

فعندما كانت قوات مجلس الشورى في بنغازي تحاصر مقاتلي تنظيم الدولة تدخلت الصاعقة بقيادة الورفلي وقامت بتأمين فرار مقاتلي التنظيم دون أي اشتباك مع جيش حفتر، وتحدثت بعض المعلومات عن دفع التنظيم عشرة ملايين دينار لقائد كتيبة الصاعقة.

ولم يكن الضابط بعيدا من الاتجار بالأسرى الذين يقعون في قبضته، فعندما قام باعتقال الشاب عماد الدين نجل الوزير السابق في حكومة الإنقاذ محمد عطية الجازوي، فتح الورفلي قناة تفاوض مع والده من أجل دفع فدية مالية مقابل تحريره، ليقوم بعد ذلك بإعدامه.

وقد تحدث في وثائقي الجزيرة عدد من ضحايا ضابط الإعدامات رغم أن الكثير رفض البوح وفضل السكوت خوفا من البطش والملاحقات الأمنية.

هارب من العدالة

ظهر محمود الورفلي في مرات كثيرة يفتي بالكفر ويصدر العقوبة ويتولى تنفيذها، ويقول إن ما يقوم به ليس من الجرائم وإنما من باب الجهاد وقطع دابر الأعداء.

لم تستطع أي جهة أن توقفه أو تعترض طريق بطشه بالأرواح، بل أكد الناطق الرسمي باسم قوات الصاعقة للجزيرة الوثائقية أن ما يقوم به الورفلي ليس جريمة وإنما هو قتال للخوارج وأن من قُبض عليه في الميدان يقتل في ساحته.

قامت بعض المنظمات الحقوقية بتدويل قضيته، وتدخلت منظمة التضامن لحقوق الإنسان في زيورخ بسويسرا وحرّكت ملفه نحو الجنائية الدولية.

في مطلع أغسطس/آب 2017 أصدرت المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا مذكرة اعتقال بحقه لارتكابه أعمالا صنفت على أنها جرائم حرب وإبادة جماعية بحق مدنيين، لكن المحكمة الدولية ليست لها قوات لتنفيذ ذلك، وإنما على الدولة المعنية القيام بتطبيق أوامرها.

وعبرت القوات التابعة لحفتر عن رفضها تسليم ضابط الإعدامات، وقالت إن القضاء الليبي نزيه وعلى من يريد العدالة أن يتجه نحوه.

وعن رفض اللواء حفتر تسليم من تصر الجنائية الدولية على أن يمثل أمامها، أثيرت تساؤلات وشكوك إزاء العلاقة بينهما، ذلك أن الورفلي ليس إلا منفذا لتعليمات قائده، وتسليمه قد يكون سببا في خلق أزمة بتوسيع دائرة الاتهام بالإبادة والجرائم الحربية.

وما يكرره السفّاح في إعداماته يردده خليفة حفتر في بعض اجتماعاته مع القادة العسكريين حيث قال إن استخدام جميع الأسلحة متاح.

الأفندي نحو المجهول

بعدما أعدم الكثير من الأبرياء ونام قرير العين ورفض أصحابه تسليمه، تزايدت الضغوط الدولية وتعالت أصوات الحقوقيين في العالم تطالب بمحاكمته، فأصبح يشكل مصدر قلق لشركائه، وقام بتسليم نفسه للشرطة العسكرية في الجيش الليبي في فبراير/شباط 2018.

أحيل الورفلي للسجن، وعلى خلاف المعهود في معتقلات حفتر، جهزت له غرفة خاصة أطلق عليها ”دار الأفندي“، لكنه لم يُطل البقاء في تلك الدار حيث خرج منها سريعا بحجة أن هنالك من يحاول تصفيته والقضاء عليه.

وبعد مغادرته للمعتقل كوّن كتيبة خاصة وبدأ يخرج على تعليمات من وفَّر له الحماية ومنحه القوة وحماه من المساءلة.

لاحقا أرسل له اللواء المتقاعد حفتر قوات بقيادة ابنه صدام، وبعد شهر من المعارك في بنغازي وقع أسيرا في أيديهم، وبدأت رحلته نحو المجهول كواحد من أسرار حفتر التي قد لا يكشفها.