بورتريه

محمود شاكر.. العلّامة المحارب الذي أبى الاستسلام

 

حبيب مايابى

وقف بصرامة أمام الغزاة الثقافيين، وقاد معركة القلم واللسان ضد المشككين والعابثين في التراث والأدب. لكن الإعلام ودورَ الثقافة لم تعطه حقه في الظهور والعناية فبقي اسمه حبيسا بين بعض القراء والمثقفين.

”العلامة محمود شاكر.. ملامح من سيرته“ عنوان لفيلم أنتجته الجزيرة الوثائقية عن حياة أديب ومحقق قدم كثيرا لثقافة الأمة، سلطت الضوء فيه على صراعه الفكري مع طه حسين ولويس عوض وغيرهما من المشككين في تراث الأدب العربي.

وقد تضمن الفيلم الكثير من الإفادات لأساتذة ومتخصصين وبعضٍ ممن عايشوه، بالإضافة لاحتوائه على مشاهد تمثيلية تُقرِّب الصورة والفهم من المُشاهد.

ابن العلماء

في بيت يملؤه وقار العلم وسكينة التدين ولد محمود محمد شاكر في مطلع فبراير/شباط 1909 في مدينة الإسكندرية التي كان والده شيخا لعلمائها.

كان والده محمد شاكر أحد الشخصيات العلمية المعروفة حينها، ويتمتع بعلاقات واسعة في المحيط العلمي والثقافي، حيث عمل وكيلا لجامع الأزهر بعد أن كان إماما للعلماء في الإسكندرية.

تلقى محمود الحضانة في بيت والديه على يد جارية من السودان كان أبوه قد اشتراها ضمن أخريات عندما ذهب إلى السودان.

وفي صباه تلقى بدايات التعليم على والده وأخيه الأكبر الشيخ أحمد شاكر، فحفظ القرآن الكريم وبعض الدواوين الشعرية وجملة من كتب الحديث قبل أن يتجاوز مرحلة الطفولة.

وفي حديثه للجزيرة الوثائقية يقول الأستاذ ورئيس قسم البلاغة الأسبق في جامعة الأزهر الدكتور محمد أبو موسى ”كانت عائلة محمود شاكر عائلة علماء“.

وعندما عُيّن والده وكيلا للأزهر وانتقل للقاهرة، انتسب في المدارس النظامية التي تُدرس باللغة الإنجليزية حينها، وواصل فيها تعليمه حتى حصل على الثانوية العامة.

محمد شاكر والد محمود شاكر وهو أحد الشخصيات العلمية المعروفة حينها

مواجهة مبكرة

نظرا للمكانة العلمية والمهنية لوالده، تعرف محمود شاكر على ألمع الأوجه الثقافية في القاهرة وأفاد منهم حيث كان يلتقي بهم في منزل أبيه.

وعندما أراد أن يسجل في كلية الآداب مُنع من ذلك لأن شهادته الثانوية علمية، لكن طه حسين تدخل لدى إدارة الجامعة وسُمح له بالانتساب وسجل في قسم اللغة العربية.

لم يكن محمود شاكر جهولا بالأستاذ طه حسين، فقد عرفه في مجلس أبيه وسمع عنه في الساحة الثقافية وقرأ له في المجلات والصحف، وبعد دخوله للجامعة استمع له عن قرب وتعرف على منهجه ومذهبه.

كان طه حسين يزعم أن الشعر الجاهلي عبارة عن ثقافة موضوعة ومكذوبة لا يستطيع أهل الجاهلية إنتاجها، وإنما أساطير اكتُتبت بعد ظهور الإسلام.

وفي مشاركته مع الوثائقية، يقول أستاذ النقد والأدب المقارن بجامعة عين شمس الدكتور حسام عقل ”في عام 1926 سمع شاكر من طه عن قرب أفكارَه التي تتعلق بالشعر الجاهلي والتشكيك في الحقبة التي قيل فيها، وأنه منحول بعد ظهور الإسلام“.

وفي قاعات الدروس برحاب كلية الآداب عمل شاكر على إقناع الطلاب بتهافت آراء الأستاذ، مبينا أنها تفتقر للأسانيد والأدلة التي تقوي حجته وادعاءاته.

وكان المستشرق البريطاني ”ديفد مرغليوث“ كتب مقالا في المجلة الملكية الآسيوية حاول أن يثبت فيه أن الشعر الجاهلي لا أساس له وإنما انتحله المسلمون ليثبتوا أن لهم تاريخا، فانتقلت الفكرة إلى طه حسين دون أن ينقح فيها حسب تعبير الدكتور حسام عقل.

ويرى الدكتور ”محمد أبو موسى“ أن الأدهى والأمر هو تسرب فكر مرغليوث إلى طلاب العلم عن طريق طه حسين، فأصبح معبّرا عن المستشرق ووسيلة لنقل أفكاره.

في قاعات الدروس برحاب كلية الآداب عمل شاكر على إقناع الطلاب بتهافت آراء الأستاذ ”طه حسين“

اقتنع شاكر أن أستاذه في الجامعة قام بسرقة أفكار غيره رغم رداءتها ومعارضتها للحقائق والمعطيات التاريخية، وأن كتابه الموسوم بـ“الشعر الجاهلي“ إنما يحمل حزمة من الكوارث التي تطعن في الثوابت التاريخية.

وبعد الكثير من النقاشات والجلسات الحوارية بين الطالب وأستاذه، قرر محمود شاكر الرحيل عن الجامعة في نهاية العام الثاني، لأنها سقطت في عينه باعتبارها تعتمد على مناهج تنتهج التحريف وتنفي الحقائق دون دليل.

ويقول أستاذ النقد الأدبي والدراسات الإسلامية بجامعة عين شمس الدكتور إبراهيم عوض ”إن شاكر كان معتزا بذاته، وتركُه للجامعة نتيجة لاعتداده بنفسه، ولكن خروجه من الجامعة كان خطأ كبيرا“.

وقد كان شاكر معجبا ومتأثرا بنرجسية أبو الطيب المتنبي وعظمته التي طغت على خطابه في الشعر:

وما الدهر إلا من رواة قصائدي
إذا قلتُ شعرا أصبح الدهر منشدا.

بينما يرى الكاتب والناقد الأستاذ شعبان يوسف أن بقاءه في الجامعة لم يكن ليضيف له الكثير.

كان شاكر معجبا ومتأثرا بنرجسية أبو الطيب المتنبي وعظمته

ومن الحب ما قتل

وبعد مغادرته للجامعة سافر إلى المملكة العربية السعودية، وبفضل ما ترك له والده من العلاقات استطاع أن يفتح مدرسة جدة الابتدائية الخاصة ويعمل مديرا لها، وبعد أن أقام بها سنتين ونتيجة لظروف عائلية خاصة قرر الرجوع من جديد إلى مصر.

وفي بداية مشواره الأدبي غاص في أعماق الشعر وخلفياته العاطفية حتى اعتبر صاحب مذهب ”التذوق“ في الأدب.

وبسبب قصة عشق وقع فيها كلف حبا حتى الهيام، وتأثرا بالحاسة الرومانسية والعاطفية التي يمتلكها حاول الانتحار في ريعان شبابه.

وفي حديثه للوثائقية، قال نجله فهر محمود شاكر الأستاذ بكلية الآداب في جامعة الأزهر ”إن محاولة الانتحار كانت بسبب قصة الحب والضغوطات التي كان يعيشها كتركه للجامعة ومرض أخته ومضايقته من المحيط الأدبي“.

وعلى أثر الحب ووقع خَيبته، انكمش على نفسه وتوارى عن الأنظار طيلة عشر سنوات حاول فيها أن يرسم لنفسه خطا جديدا في الحياة غير الذي كان يسلكه وبدأه في صباه.

وفي عام 1937 نُشرت له في مجلة الرسالة أشعار متنوعة ومتعددة في الرومانسية، ولكنها ليست الرومانسية الحالمة وإنما تلك الغاضبة التي تعبر عن الحزن والخيبة، وهو ما أملته قصة عشقه الفاشلة.

حصل على جائزة الملك فيصل العالمية عام 1984 عن كتابه ”المتنبي“

مع المتنبي

يقول الأدباء والباحثون في العلاقات الإنسانية إن علاقة العلم والأدب أقوى من رابطة القرابة والنسب. وكان محمود شاكر ذا علاقة خاصة بشاعر الفخر أبو الطيب المتنبي حيث حفظ ديوانه أيام الطفولة والصبا وأعجب بشعره وبلاغته.

وعندما أراد فؤاد صروف أن يصدر عددا خاصا من مجلة المقتطف الثقافية احتفاء بالشاعر المتنبي، طلب من شاكر أن يشارك بقلمه في تلك النسخة الخاصة من المجلة، فكتب العاشق عن المتنبي دراسة كاملة أسست لاحقا لكتاب ”المتنبي“.

كان ذلك المقال بداية البداية، فبعد ذلك بفترة كتب عن المتنبي وأتى عنه بالكثير، حيث قال إنه كان عاشقا لأخت سيف الدولة، وتكلم عن علاقته بالعلويين وشكك في عدد من المعلومات التي كان المجتمع الأدبي يعرفها عن الشاعر.

وعندما نشر طه حسين كتابه الموسوم ”مع المتنبي“ والذي قال فيه إن أبا الطيب المتنبي ابن سِفاحٍ لأنه لم يفخر بوالده في شعره؛ اعتبر محمود شاكر أن كثيرا من الأفكار التي جاء بها الكتاب الجديد إنما هي سرقة لأفكاره وجهود بحثه، فكتب مقالا في صحيفة البلاغ بعنوان ”المتنبي.. بيني وبين طه حسين“.

يعتبر شاكر أحد رجال المقاومة الذين كانوا في الجبهة الثقافية ضد الغزو الأجنبي

التصدي لـ“لويس عوض“

لويس عوض أستاذ أدب إنجليزي تولى الإشراف على القسم الثقافي في جريدة الأهرام، ومن خلال تلك الجريدة برز اسمه بين القراء، فكتب عن المعري وقال إنه تأثر بالرهبان وأن أفكاره منقولة عن الفلاسفة.

ويرى الكاتب والناقد الأستاذ شعبان يوسف أن لويس عوض اعتمد فيما كتبه عن المعري على أفكار ومعلومات طه حسين، وهي معلومات تحمل أخطاء فادحة كشفها وفضحها محمود شاكر.

ويقول الدكتور فهر محمود إن شاكر لم يكن يريد أن يرد على لويس عوض، لأنه يعتبره ”دمية لا يستحق أن يفرغ فيه مداد حبر“.

وعندما زادت مقالات عوض التي تناولت أكثر من جانب في التطاول على الأدب العربي، كتب شاكر ردا عنيفا سماه أباطيل وأسمار، وهو كتاب يحمل تهكما من خلال العنوان قبل المضمون.

وفي الأباطيل والأسمار كان الكاتب ينتقد دون تحفظ، ووجد شخصا غير مختص ومتطاول على التراث من دون علم، فمزقه ثقافيا حتى صار مضرب مثل كما يقول شعبان يوسف.

ويُعتبر الدفاع عن قضايا الأمة هو أبرز سمات القرن العشرين الذي عاش فيه محمود شاكر، وبعد كتابه العنيف الذي بيّن فيه سقطات عوض، تعرض لحملة شرسة في الإعلام من قبل أنصار لويس كانت من أسباب اعتقاله بعد ذلك.

اعتبر محمود شاكر أن كثيرا من الأفكار التي جاء بها كتاب طه حسين إنما هي سرقة لأفكاره، فكتب مقالا بعنوان ”المتنبي.. بيني وبين طه حسين“

التتويج في الخارج

نتيجة لبحوثه المميزة في مجال الأدب حصل على جائزة الملك فيصل العالمية عام 1984 عن كتابه ”المتنبي“، وعند تسلم جائزته ألقى خطابا أمام الأمراء والملوك ورجال الأدب والثقافة في العالمين العربي والإسلامي.

وكان المستعمر يعمل على تفكيك المنظومة الثقافية، لكن شاكر كان من اليقظين لتلك المحاولات فوقف بقوة ضد جميع التيارات التي تريد المساس بموروث الأمة.

ويعتبر شاكر أحد رجال المقاومة الذين كانوا في الجبهة الثقافية ضد الغزو الأجنبي، وكتابه ”رسالة في ثقافتنا“ تثبت ذلك.

ورغم أنه كان قارئا نهما للأدب الإنجليزي فإنه لم يتأثر بذلك سلبا، ووظف معارفه من أجل خدمة التراث العربي فصحّحَ ونقّحَ وألّفَ وحقّقَ.

في السابع من أغسطس/آب 1997 ودع محمود شاكر الحياة

ظلم ذوي القربى

لم يكن محمود شاكر يُعلّم طلاب العلم بقدر ما كان يقنعهم بقراءة ثقافتهم، ويزرع فيهم المجد والاعتزاز بالذات.

ويقول بعض تلامذته ومحبيه إن طلاب لويس وطه حسين هم من أمسك بزمام المؤسسات الثقافية في الفترة الماضية فغيبوه عن الإعلام ولم يحتفوا به.

وطول حياته ظل بيته مفتوحا للزائرين وطلبة العلم من جميع المذاهب والاتجاهات، ومن مصر والشام والمغرب كان زواره ومحبوه يجتمعون على موائده أمما، ومن معين علمه يسمعون فكرا وثقافة وطُرَفاً.

وفي السابع من أغسطس/آب 1997 ودع محمود شاكر الحياة بعدما ترك ثناء وذكرا مخلدا.