بورتريه

مريانا مراش.. رائدة الشعر النسائي السوري وأول صالون أدبي

سنان ساتيك

شاء القدر لمريانا مراش أن تكون صرختها الأولى في حلب في أغسطس/آب عام 1848

”لأقدام سيدة حضرة مولانا وسيدنا الخليفة الأعظم والخاقان الأفخم صاحب الشوكة والاقتدار السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني بُعيد جلوسه المأنوس في 15 ذي الحجة سنة 1306 هـ“.

هذا إهداء ديوان مريانا مراش ”بنت فكر“ سنة 1893 للسلطان عبد الحميد الثاني[1]، لتكون أول سيدة تنشر مجموعة شعرية بعدما حصلت على إذن بطبع الديوان عندما نظمت قصيدة بمدح السلطان عبد الحميد الثاني، جاء في بعض أبياتها:

لا ينعم المرء في الدنيا بلا أمل
فالوعد منك وأنت الغوث والمدد

وكل من رام شيئاً من سواك غوى
ولا يقر له حال ولا سند

يا من يجيب نداء المستغيث به
يا من عليه جميع الناس تعتمد

فالعدل ديدنه والحلم مذهبه
لذاك كل الورى بالأمن قد رقدوا

 

أسرة ثورية مثقفة

شاء القدر لمريانا مراش أن تكون صرختها الأولى في حلب في أغسطس/آب عام 1848، ففتحت عينيها على الحياة فيها لأنها كانت مركزاً فكرياً مهماً في ذلك الوقت، فكثير من أبنائها مشغولون ببناء المستقبل والنهضة العربية، وتأسيس حضارة شبيهة بالحضارة الأوروبية.

والدها فتح الله مراش امتلك مكتبة نفيسة عُرفت بمكتبته ”المراشية“، وكان من روّاد الدعوة إلى الأنظمة الدستورية في العالم العربي، كما أن أخويها فرنسيس وعبد الله مشهوران في عالم الأدب، إذ إن فرنسيس من أوائل الليبراليين العرب، ورائد حقوق الإنسان في الفكر العربي، كما كان أديبا وشاعرا وروائيا ومجدّدا في اللغة، تأثرت به تأثراً شديداً، فقد كان قائد التجديد الفكري العربي مع طاهر الجزائري وعبد الرحمن الكواكبي، ولما مات قالت في رثائه:

ما لي أرى أعين الأزهار قد ذبلت
وما غصن صباها من ذرى الشجر

ما لي أرى الورق تنعي وهي نادبة
فراق خلٍّ وتشكو لوعة الغير

خنساء صخر بكته حينما نظرت
إليه ملقى بلا سمع ولا بصر

فحزن يعقوب لا يكفي لندبك يا
ندباً تفرد بالأجيال والعصر

وعُرف عبد الله بمقالاته الثورية في الصحف العربية في لندن وباريس، فكانت هذه الأسرة في طليعة مثقفي تلك الفترة، حتى جعلها الفيكونت فيليب دي طرازي ذات منزلة تضاهي منزلة اليازجيين والبساتنة[2].

أنشأت مريانا مراش صالونا أدبيا في حلب يجتمع فيه الرجال والنساء والمثقفون بلا فوارق أو عوائق

حياة باريسية ساحرة في حلب

في زمن لم يكن للمرأة فيه نصيب من التعليم، خالف والدها السائد وأدخلها إلى المدرسة المارونية في حلب، ثم انتقلت إلى بيروت لتدرس في المدرسة الإنجيلية[3]، ثم عادت إلى حلب، وتابع والدها تعليمها، كما تدربت على عزف الموسيقى، وصارت تعزف على البيانو والقانون[4].

في المدرستين اللتين درست فيهما تعلمت اللغة الفرنسية، فتأثرت بها وبفرنسا بلد الحرية والمساواة، لذا رغبت في زيارتها، حيث سحرتها الحياة الباريسية الثقافية والصالون الأدبي، إذ يلتقي الأدباء والمثقفون يتناقشون ويتجادلون في قضايا إنسانية تحررية، ويستمعون إلى الشعر، فعاشت أجواء الفكر والحضارة وتعلمت ونهلت منها ثقافيا وفكريا، حتى قررت حمل ما شاهدته وتعلمته والعودة به إلى حلب.

عند عودتها أنشأت صالونا أدبيا في حلب يجتمع فيه الرجال والنساء والمثقفون بلا فوارق أو عوائق، فكانت أول شرقية تقيم هذا النوع من الصالونات الذي يرتاده عدد من أدباء ومثقفي تلك الفترة، مثل الشاعر والناقد قسطاكي الحمصي والشاعر جبرائيل دلال الذي وصفها في شعره:

ربّة الفضل والفضائل مريا
نا التي ذكرها يسر السامعْ

والتي زانها الكمال إذا زا
نَ سواها الحلي وسدل البراقعْ

ومن رواد صالونها رزق الله حسون صاحب جريدة مرآة الأحوال؛ أول جريدة عربية في إسطنبول[5]، يجتمعون فيه لتعزف لهم على البيانو، وأحيانا تنشد بصوتها الحسن، فيستمعون إلى الشعر مناقشين قضايا الأمة.

دخلت مراش أجواء الفكر والثقافة قبل بلوغها الثانية والعشرين من العمر

”شامة الجنان“.. الشامة الأولى

دخلت مراش أجواء الفكر والثقافة قبل بلوغها الثانية والعشرين من العمر، ولم تكتف بصالونها الأدبي ونقاشاته وحواراته، فأرادت نقلها إلى الخارج لتستثير المجتمع وتحثه على النهوض والاستنارة، فأقحمت نفسها في عالم الصحافة تنشر باسمها الصريح، فكانت أول مقالة نشرت لها بحسب الفيكونت فيليب دي طرازي ”شامة الجنان“، نشرتها في مجلة ”الجنان“ في الجزء الخامس عشر لعامها الأول سنة 1870[6]، فاستحقت الريادة بهذا الخرق الذي أحدثته في المجتمع.

لكن هناك من يرى أنها لم تكن الأولى في هذ المجال، إذ إن دي طرازي –على ما يعتقدون– لم يكن دقيقاً عندما اطّلع على مجلة الجنان، وعلى اعتبار أنه ربما لم يطلع عليها، ولم يتحقق من كون مقالة ”شامة الجنان“ أول مقالة صحفية منشورة لامرأة عربية، لأن أول مقالة صحفية منشورة كانت بعنوان ”هنري وإميليا“ بقلم الست أديليد بستاني –كما جاء في المقالة- ونُشرت في يونيو/حزيران ويوليو/تموز 1870، أما مقالة مريانا ”شامة الجنان“ فنُشرت في سبتمبر/أيلول عام 1870[7].

مهما يكن الأمر، وسواء أكانت مراش الأولى أم الثانية، فذلك لا ينتقص ريادتها وجرأتها على نشر مقال باسمها الصريح في مجتمع يعاني الفقر والجهل، ويرى ذلك انحرافا عن مساره الطبيعي.

 

نقد أدبي ومجتمعي

تكتب الصحفية الناشئة مقالة بعنوان ”جنون القلم“ التي يمكن اعتبارها نقدا أدبيا، لأنها انتقدت فيها الكتّاب مشتكية من انحطاط موضوعاتهم، داعية إلى تحسين أساليبهم وتجديد موضوعاتهم واللغة، واستخدام الإنشاء فيها، لتغدو ذات جمالية لغوية تنهض بها وتعيد لها ألقا فقدته.

لم تكتف بمجلة ”الجنان“ فكتبت في جريدة ”لسان الحال“ تنشر فيهما مقالات عن مجتمعها وعاداته وتقاليده وعمّا حولها من آثار تخلف، وتستحثه على النهوض والابتعاد عن الجمود، وتدعو بنات عصرها إلى الاستنارة والتحرر من القيود، منتقدة عاداته، ومشجعة البنات على الكتابة، كما حثتهن على العلم، داعية المجتمع إلى تحرير المرأة والتمدن والاقتباس من الحضارات، فجاءت دعواتها واقعية جريئة على المجتمع المستكين، وتنثر بين الفتيات روح التمدن والأخلاق والجرأة والشجاعة الأدبية.

لم تهدف من خروجها عن التقاليد أن يكون شكلياً، بل تغيير نمط الفكر السائد لتتحلى المرأة بالشجاعة على التعبير والتفكير[8]، كما بينت أسباب الانحطاط في المجتمع، مُقارِنة بين المرأة الأوروبية والعربية.

جاءت مقالاتها احترافية مشبعة بلغة جديدة متخلصة من التقليد السائد، فلم تكن بدائية لسيدة صحفية تكتب للمرة الأولى بروحها، إذ لا يوجد تجارب نسوية سابقة تستفيد منها.

طبعت مريانا مراش ديوان شعر باسم "بنت فكر" أهدته للسلطان عبد الحميد الثاني

”بنت فكر“.. ولوج إلى عالم الشعر

بعدما خاضت تجربة في الصحافة وفي الصالون الأدبي، وسمعت وقرأت شعرا عربيا وفرنسيا كثيرا راكمت العديد من المعارف والصور، فقررت الولوج إلى عالم الشعر، لأن نفسها تموج بشعرية تداخلت فيها عوالم خفية كونتها ورتبتها لتكون أول امرأة تقتحم هذا الفن، فقد اكتمل وعيها ونمت مداركها، واكتسبت خبرات تفتحت بشعر وجداني:

للعاشقين بأحكام الغرام رضا
يمسون صرعى به لم يأنفوا المرضا

لا يسمعون لعذل العاذلين لهم
فلا تكن يا فتى للجهل معترضا

قف واستمع سيرة الصب الذي قتلوا
وكان يزعم أن الموت قد فرضا

أصابه سهم لحظ لم يبال به
فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا

أرادت المزيد، فلا بدّ أن يكون مرورها في الحياة ذا تأثير أكبر، لذا قررت نشر كتاب باسمها، فتوجهت إلى بيروت وطبعت ديوان شعر باسم ”بنت فكر“ أهدته للسلطان عبد الحميد الثاني، وقد سمّته بهذا الاسم لأنه نتيجة أفكار بديهية صادرة عن قريحة غريزية، ومما جاء فيه تصف حالها:

ولا غرو أن كان العذول يلومني
وهل يسلم الإنسان يوماً من ضد

فلو كانت الأيام تنصف أهلها
لما كان بينٌ شتت الشمل بالبعد

ولولا ضما بالنفس ما لذ شارب
بماء ولم يحلُ بالزلال من الورد

تلك هي مريانا مراش رائدة الفكر النسوي السوري التي تميزت بروح فكهة محبة، لكنها أواخر حياتها أُصيبت بمرض عصبي ألزمها دارها حتى وافتها المنية عام 1919.


[1] نبيل صالح (تحرير)، رواية اسمها سوريا، ط 2 (2007)، ص 56.

[2] راجع الرابط: https://bit.ly/2ZpVT3o

[3] فيليب دي طرازي، تاريخ الصحافة العربية، ج 1 (بيروت: المطبعة الأدبية، 1913)، ص 242.

[4] صالح، ص 53.

[5] صالح، ص 54.

[6] دي طرازي، ص 242.

[7] راجع الرابط: https://bit.ly/2XPq3N5

[8] راجع الرابط: https://bit.ly/2XOmxTb