بورتريه

مُلهِمات بيكاسو.. الرسام الأعظم الذي ألهمته علاقاته النسائية

 

خاص-الوثائقية

كان مذهلا جدا في فنه، جسد كل شيء، ويكفيه أن يلمسه ليتحول إلى تحفة فنية. عاش حياة فريدة من نوعها، وكان على الدوام إنسانا "غير متوقع"، شديد التركيز في عمله الذي كان أكبر همه، وكل ما سواه مجرد تسلية.

يقول عنه أصدقاؤه ومحبوه "كنا نقضي معه أوقاتا ممتعة، تشعر معه بالإرهاق ويستهلك كل طاقاتك، ثم نغادر ليبدأ هو بالرسم".

شكل الفنان الإسباني العالمي بابلو بيكاسو محور كل النقاشات عن الفن الحديث في القرن العشرين. والحقيقة الكبرى بعد وفاته هي أن كل اللوحات التي رسمها ولم يرها الآخرون تضاهي أعظم لوحاته المشهورة، وهذا ما يميز هذا الفنان العظيم "أنك تكتشف أنك لا تعرفه أبدا".

 

لطالما تجنب بيكاسو ربط علاقته بالنساء مع الفن، لكن هذا الفيلم الذي عرضته الجزيرة الوثائقية يروي لنا فيه من يعرفونه قصص تلك النساء لفهم شخصية هذا الفنان وأعماله من زاوية أخرى.

إرث عظيم متناثر

يبدأ الفيلم من غرفة اجتماعات في العاصمة الفرنسية باريس يجتمع فيها ورثة الفنان في شهر سبتمبر/أيلول من عام 1979 مع المحامين للتصديق على توزيع تركته، فقد كان بيكاسو قد توفي قبل هذا التاريخ بستة أعوام.

كان من الحضور أولاده مايا كلود وبالوما إضافة إلى حفيديه مارينو وبرنار، ولم تحضر أرملته جاكلين. وقد رفض بيكاسو أن يكتب وصيته، لذا فإنه ترك أملاكه معلقة، وأي من أولاده وأحفاده الذين كانوا نتيجة لعلاقات متعددة سيرث آلاف الأعمال الفنية المتراكمة منذ عقود ولم يرها أحد، ولكن ما الذي يعنيه إرثه لتاريخ الفن في القرن العشرين؟

في الثامن من أبريل/نيسان عام 1979 انتشر خبر وفاته في منزله كالنار في الهشيم، وكان السؤال الملح آنذاك هو: ماذا سيحدث للوحات وفن أغنى وأترف فنان عرفه العالم؟

ورثة الفنان الإسباني العالمي بابلو بيكاسو مع محاميهم للتصديق على توزيع تركته

 

دُفن بيكاسو في حديقة قلعة بوفن آرت، وحضر جنازته عدد قليل من الأشخاص مع زوجته جاكلين وابنه الشرعي الوحيد بول. كانت حياته الاجتماعية معقدة، فقد تزوج مرتين وكان له ثلاثة أولاد غير شرعيين من عشيقاته تم استبعادهم من حضور الجنازة بقرار من أرملته.

وكان بول هو وريث بيكاسو بوصفه الابن الشرعي الوحيد، لكن أبناءه غير الشرعيين لجؤوا لقانون صدر عام 1972 ليتم اعتبارهم ورثة شرعيين.

علاقات تلهم فنا

كان بيكاسو فنانا ملهَما يستوحي أعماله ولوحاته وتماثيله ونقوشه من خلال علاقاته، وكان كلما غيّر عشيقة يتغير كل شيء؛ الفن والشعر والمنزل، فلوحاته تجسيد لفترات حياته والنساء اللواتي أحبهن.

بعض عناوين لوحاته واضحة مثل لوحة أولغا على كرسي ولوحة دورامار ولوحة جاكلين تشبك يديها، لكن بعضها كان أكثر غموضا كلوحة رأس سيدة نائمة ولوحة الحلم وصاحبة العقد الأصفر، وكان له نزعات فنية في كل مرحلة من حياته، وكل امرأة كان يعبّر عنها بنزعة معينة عبر ألوانه.

ولطالما سرد أسماء النساء اللواتي رسمهن لصديقه وكاتب سيرته جون ريتشاردسون بطريقة عفوية، وجسدت بعض لوحاته أربع نساء في شخصية واحدة. كان يرسم أطفاله أيضا، ولكن يحجب لوحاتهم عن الأنظار ولا يبيعها.

تناثرت لوحاته وأعماله في كل منازله، وكان لا بد من جردها من أجل أولاده وورثته، ومن أجل الفن في القرن العشرين، وكان لا بد أن يتم ذلك بطريقة منهجية وفريق عمل كبير، لذا فقد عيّنت الدولة الدلال موريس رامس الذي كان عليه أن يدخل كل المنازل والورشات لتقييم كل الأعمال حتى البسيطة منها، نظرا لقيمتها التاريخية، وساعده في ذلك فرانسوبيلي.

كان بيكاسو فنانا ملهَما يستوحي أعماله ولوحاته وتماثيله ونقوشه من خلال علاقاته

 

كانت لجنة الجرد تظن أن العمل سيستغرق ثلاثة أشهر، لكن الأمر كان أصعب من ذلك بكثير، واستغرق عملهم نحو سبعة أعوام من العمل المتعب الشاق.

أما الصدمة التي عاشها فريق البحث، فقد كانت أن أعمال الفنان بيكاسو لم تقتصر على اللوحات فقط، فقد عثروا على مئات التماثيل وأعمال البورسلان رغم أنه لم يكن مشهورا كنحّات.

كما عثروا على مسودات اللوحة العظيمة (دي لموزيل دافينيو). وبعد رحلة طويلة من البحث والمتابعة والتنقيب في كل مكان أقام فيه بيكاسو، أسفر الجرد عن 1885 لوحة و11748 رسما و1228 تمثالا و2800 قطعة سيراميك و8 سجادات، لقد كشف هذا الإرثُ النقابَ عن الحياة الغرامية لواحد من أعظم الفنانين المعاصرين.

نظرة فاتنة

استمتع بيكاسو بإثارة ردود الفعل القوية، فقد كان يتمتع وبشهادة الجميع بشخصية قوية وجاذبية لافتة، وكان يملك نظرة خارقة وعميقة في عينيه.

يقول كاتب سيرته إنه ذهل في أول لقاء معه "من القوة الهائلة التي تنبه من هذا الرجل الضئيل، ما أذهلني هو ما يعرف في إسبانيا بـ"ميرادا فولتيه" أي النظرة القوية، فالرجال في الأندلس يعتقدون أن بإمكانهم إغراء امرأة فقط بعيونهم، إنها قوة خارقة كان يملكها".

وعندما سألوه عن أي لوحة وفترة يختار لتخلده، أجاب: لا أعرف، فكل لوحة لها لحظتها الخاصة وزمنها الخاص، كانت كأنها مذكرات شخصية.

وصفوه بأوصاف مختلفة، فهو عبقري مغرور وزير نساء، وما زالت سمعته محل جدل حتى الآن. أما هو فقد صوّر نفسه في إحدى لوحاته بمخلوق أسطوري نصفه ثور والآخر رجل، "ثور يعشق النساء اللواتي يغذين حياته وفنه، وقد أثمر التحامهما أَعجب لوحات القرن العشرين الفنية".

إلى باريس وحياة الليل

في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 1900 انتقل الشاب بيكاسو من برشلونة إلى باريس عاصمة الفن في أوروبا، وكان عمره آنذاك 19 عاما، وفي مقاهي مونمارتر البوهيمية سُلطت على لوحاته أنوار العصر الحديث.

وانغمس هناك في حياة الليل والملذات واكتشف سلوكيات متحررة تجاه الفن والملذات، وتأثرت أعماله الأولى بالعلاقات التي أقامها مع النساء هناك.

كان أول تأثير أنثوي على فنه من عارضة الأزياء المعروفة باسم جيرمان، فقد وقع صديقه كازا خمينيس في حب هذه المرأة المتزوجة، وعندما صدته خلال لقاء في مقهى لم يحتمل تصرفها فأقدم على الانتحار.
ألهمت هذه الحادثة بيكاسو في المرحلة الزرقاء من حياته الفنية، إذ دفعه التفكير في صديقه خمينيس إلى الرسم باللون الأزرق، كما يقول بيير داي صديق بيكاسو.

بول من أبناء بيكاسو ووريثه بوصفه الابن الشرعي الوحيد

 

استمرت المرحلة الزرقاء ثلاث سنوات، وكان عليه أن يعشق امرأة أخرى ليخرج من اكتئابه، وهذا ما كان بالفعل عندما أحب العارضة الجميلة الأنيقة مادلين التي التقاها في حانة كان يجتمع فيها الفنانون والشعراء.

ألهمته العلاقة مع مادلين الرومانسية الشعرية للمرحلة الوردية في مسيرته، لكن مادلين هربت منه فدخل بيكاسو في علاقة جديدة في سن الـ23 حيث التقى بالفاتنة "إميلي لان" التي كانوا ينادونها فيرناند، وكتبت في مذكراتها أنها تصادفه وتراه في كل مكان تذهب إليه.

ظل بيكاسو يرسمها دون توقف وبقيا معا سبع سنوات وطور نمطا فنيا يعكس التأثير الأفريقي بقوة، وظلت مُلهمته حتى عندما اتخذ فنه منحى آخر.

نساء بيكاسو.. بائعات هوى

كما تكشف مذكراته، فإن فيرناند جسدت واحدة من الشخصيات في اللوحة الشهيرة "لي ديموزيل دافينيو"، وكانت أول لوحة تكعيبية له، فقد كانت لوحة ثورية وصادمة لم يرسم فيها بيكاسو النساء بالطريقة التقليدية حول بركة ماء وإنما رسمهن بائعات هوى في ماخور. كانت لحظة إبداع، وكان حجمها يميزها عن كل عمل قام به من قبل، وأصبحت فيرناند شاهدة على هذه الثورة التكعيبية التي ملأت معرض باريس وغيرت وجه الفن الحديث.

وفي عام 1909 عندما بدأ بيكاسو بالرسم التكعيبي انفصل عن فيرناند حبه الحقيقي الأول، ومصدر إلهامه لمعظم تحفه الفنية الثورية.

إحدى لوحات بيكاسو

 

وفي 1912 حلّت مكان فيرناند صديقتها الذكية النحيلة إيفا غوويل، وترك باريس معها هاربا من فيرناند الغيورة جدا، والتحق بصديقه الفنان جورج براك الذي كانت تجمعه معه أفكار فنية ونتج عن صداقتهما تعريف للمدرسة التكعيبية، وكانا يتحاوران ويشجعان بعضهما البعض، وقد جرب بيكاسو الرسم بالكلمات مثل صديقه براك في لوحة "أحب إيفا".

حلت الحرب العالمية الأولى في عام 1914 وتوقفت معها الحركة الفنية التكعيبية نتيجة لاستدعاء الفنانين ومن ضمنهم براك إلى ساحة المعركة، في حين لم يتجند بيكاسو بسبب جنسيته الإسبانية، لكن حدث ما لم يكن بالحسبان بعد ذلك بعام واحد، إذ توفيت إيفا وتركت بيكاسو وحيدا.

مع كل لوحة عشيقة

حملت الأيام للفنان الكبير منعطفا آخر في حياته، إذ التقى بالشاعر البارز جان كوبتو الذي شجعه للخروج من باريس مع فرقة فنية روسية إلى روما، لتصميم مسرحية راقصة بعنوان باراد.

وهناك تعرف على راقصة الباليه أولغا كوبلوفا الروسية وكانت شابة محافظة وتزوجها عام 1918 إذ كانت الحرب تضع أوزارها حينئذ في أوروبا، وعرّفته على أصدقائها، فقد كانت تتمتع بمكانه ثقافية مرموقة بحكم عملها، وكانت تحب العيش في مجتمع راق ومرفّه.

وتحوّل رسمه إلى فن كلاسيكي، وأطلِق على تلك المرحلة من فنه مرحلة "الدوقة"، وكانت أوليغا في تلك المرحلة عارِضته.

لوحة أولغا على كرسي لبيكاسو

 

أنجبت له أوليغا طفله الأول بول وكان فخورا به، واستلهم من عائلته الصغيرة فنه ولوحاته ووضعها في قلب عمله لكن بأسلوب فني جديد سُمي "العمالقة".

تغيرت ملامح أوليغا وتحولت راقصة الباليه النحيلة إلى امرأة سمينة، ساءت علاقته معها، وعبر عن حبه لها في تلك الفترة بلوحة ثورية سميت "القبلة".

في باريس مرة أخرى، وفي عام 1927 وفي أحد المتاجر وقعت عين بيكاسو على شابه شقراء بعينين زرقاوين، إنها ماريا تيريز ذات الـ17 ربيعا، يبدو أن حبها تمكن من قبله من النظرة الأولى.

ظل ينتظرها حتى خرجت كما تروي ابنتها، اقترب منها وقال "سيدتي إن وجهك جميل جدا، وأود أن أرسم لك لوحة، أعتقد أننا سنقوم بعمل رائع معا".

لم تكن المرأة تعرف بيكاسو، لكن علاقة نشأت بينهما وصارت عشيقته الجديدة، وظلت علاقته بها سرية ولم تعلم بها زوجته أوليغا لسنوات.

دورا النارية وماريا الحانية

استلهم بيكاسو من جسم ماريا تيريز الجميل لوحاته وتماثيله وتزايد اهتمامه بالتصوير، وأيقظت هذه الفتاة الاستثنائية فيه قوة الإبداع وشكّلت منعطفا في فنه، وظهرت بأشكال وألوان مختلفة في فنه.

اشترى لها منزلا كبيرا في شمال باريس وكان يقضي فيه وقتا طويلا بعيدا عن زوجته أوليغا، وكان يعتكف على رسم ونحت وجه ماريا تيريز، لكنه أصبح ممزقا بين امرأتين، حاول الجمع بين أوليغا وماريا في منزل واحد إلا أن أوليغا لم تحتمل فرحلت عنه وهجرته.

كانت تلك الفترة أصعب فترة في حياة بيكاسو وانعكس ذلك في رسوماته، وظهر في لوحته "مينو توروماكي" التي صور نفسه فيها كوحش يقوده لهيب تيريز الذي أعماه حبه لها، لكنه ظهر متخوفا من فقدان بريق عينيه يوما ما.

لوحة دورا مار وهي إحدى عشيقات بيكاسو

 

حاول بيكاسو لفترة الطلاق من أوليغا ولم ينجح، وظلت زوجته حتى ماتت. في تلك الفترة حملت ماريا وألهم حملها بيكاسو لرسم لوحة مذهلة عن أبوته المرتقبة، لكن "من شب على شيء شاب عليه"، فبعد أن وضعت زوجته حملها أصبح من الصعب عليه أن يرسمها عارية، فأفسح ذلك الطريق لعشيقة أخرى.

عاش بيكاسو لفنه، لكنه عاصر فترة شيوع الفاشية في أوروبا وتركت فيه ندوبا عميقة، وبدا أكثر التزاما في فنه، لكن ذلك لم يستمر طويلا إذ ظهرت عشيقة جديدة، في هذه المرة كانت "دورا مار" المصوّرة والناشطة السياسية التي تبلغ من العمر 29 عاما التقاها في عام 1935 وكان عمره وقتها 54 عاما.

تعكس اللوحات التي رسمها لدورا شخصيتها الثورية وعلاقتهما النارية، وفي نفس الوقت كل المآسي التي كانت تحيط بهما، وبذلك عاش من جديد حياة مزدوجة مرة أخرى بين ماريا تيريز في الريف ودورا في باريس، كان يحب كليهما، لكنهما جمعا النقيضين، دورا العنيفة والنارية وماريا الرقيقة الحانية.

الحرب الأهلية في إسبانيا

تعمقت علاقة بيكاسو مع دورا مع اندلاع الحرب الأهلية في إسبانيا، كان بيكاسو ضد الفاشية وأسهم في ذلك بفنه ولوحاته التي تسمى "أحلام وأكاذيب فرانكو" الدكتاتور الذي حكم إسبانيا في تلك الفترة.

تسبب تدمير مدينة صغيرة في إسبانيا عام 1937 صدمة لبيكاسو، وحوّل لوحاته في تلك الفترة إلى رمز للرعب وقتل الأبرياء، فرسم لوحة ملحمية سماها "غويرنيكا" عكست ما حصل في إسبانيا، ووضعت في متحف الفن الحديث ولم تنقل إلى إسبانيا إلا بعد وفاته، وكان ذلك في عام 1981.
في تلك الفترة التي شهدت أيضا نشوب الحرب العالمية الثانية، بقي بيكاسو في باريس وظلت دورا مار مصدر إلهامه في سنوات الحرب المريرة، وظهرت في لوحاته بجسد مرهق ومعذب، وعكست أهوال الحرب.

لوحة جاكلين تشبك يديها لبيكاسو

 

بعد انتهاء الحرب كان بيكاسو يطمح إلى حرية الشخصية، وسرعان ما خطفته عشيقة جديدة من دورا وماريا، إنها فرانسوازجيلو التي ترك باريس من أجلها وانتقل إلى الجنوب، وأدرك أن فيها شيئا مختلفا.

تقول عن نفسها في الفيلم إنها كانت مثل الزوجة السابعة في قصة صاحب اللحية الزرقاء الرجل ذي السمعة السيئة، كان بيكاسو يكبرها بـ40 عاما، ورغم أن علاقتهما استمرت 11 عاما فإنها بقيت لغزا بالنسبة له، كما قالت.

وقد صورها كزهرة بالأخضر والأزرق، وألهمته رسم لوحته الشهيرة لاجودافيغ التي كانت ترقص فيها عارية على أحد شواطئ المتوسط، وأنجب منها ابنه كلود 1947 الذي يتحدث في الفيلم عن حياته في عائلته الصغيرة الرائعة مع والده وأمه فرانسواز.

مع الحزب الشيوعي

يقول صديقه ريتشاردسون إن بيكاسو أراد أن يعيش حياة بسيطة بعد أن أصبح عضوا في الحزب الشيوعي كفرد عامل من دون بهرجات، وتحول بيكاسو في هذه الفترة إلى مرحلة عمل الخزف، وولدت له بنت أسماها "بالوما" أي حمامة السلام، وكانت موضوعا لإحدى لوحاته التي قدمها كهدية لمؤتمر السلام عام 1949.

وانضمت بالوما لعائلة بيكاسو الكبيرة ولمجموعته الفنية، وأخيرا أصبح أولاده جميعا في قربه. كان بيكاسو مغرما بمشاهدة مصارعة الثيران التي كانت تذكره بموطنه الأصلي إسبانيا الذي لم يستطع العودة إليه، وأصبحت هذه الثقافة "ثقافة الثيران" مهمة في فنه.

تقول زوجته فرانسواز إنها كانت حادة وهي الوحيدة التي كانت تقول له لا، وإنها تحملت على مضض زيارات زوجاته وعشيقاته له في منزلها.

وفي العام 1951 اتخذ الفنان صديقة أخرى فأرادت فرانسواز أن تتركه، وكان ظنه أنها لا تستطيع لكنها اتخذت قرارها وتركته فعلا، ولم تتأثر بذلك مثل زوجاته وعشيقاته السابقات، بل على العكس هو الذي تأثر لفراقها كثيرا.

لوحة صاحبة العقد الأصفر

 

انتهى المطاف بعاشق النساء المتيم على أعتاب باب جاكلين روك التي كانت تعمل في الخزف، فقد كانت المرأة الأخيرة في حياته، وسكنت معه في منزل كبير في مدينة "كان" الفرنسية والذي سرعان ما تحوّل إلى ورشة فنية.

جاكلين التي كانت مستعدة لتضحي من أجل بيكاسو وفنه وتزوجها وهو في الثمانين من عمره بعد وفاة أوليغا؛ أصبحت زوجته الثانية، واعتكف معها في منزله الأخير في نوتردام دوفي فكانت بمثابة الحامية له للتركيز بفنه وعمله في السنوات الأخيرة من عمره.

تركز عمله في هذه الفترة على رسم وعمل نسخ جديدة لبعض أفضل لوحاته الشهيرة مثل لوحة القُبلة ولوماتادور، كان يسابق الزمن وينتج نقوشا فريدة من نوعها، وتابع أعماله التي كانت تتمحور حول النساء اللواتي عرفهن في حياته. وعلى الرغم من بلوغه التسعين من العمر فإنه كان يتمتع بروح شابّة.

رسم حتى النهاية

يقول صديقه "بيير داي" إن آخر جلسة عمل قام بها مع بيكاسو كانت في يوليو/تموز 1972 واستمرت طويلا، وكان يعيد فيها إنتاج بعض لوحاته القديمة، "ثم انتقلنا إلى ورشة صغيرة وضع فيها صورة له بعينين متورمتين، لقد رثى نفسه وصوّرها قبل وفاته، وظل يرسم في أيامه الأخيرة وعلى فراش الموت ولم تفارقه جاكلين، لقد مات وهو يرسم".

ظل تأثيره في نسائه مستمرا حتى بعد موته بقوة شخصيته وفنه الفريد من نوعه وخياله الواسع، فلم تحتمل فقده ماري تيريز ولا جاكلين، فقد انتحرت الأولى عام 1977، وانتحرت أيضا جاكلين بعد أن نظمت في 1986 معرضا للوحاته في مدريد وكرمته به.

ظل تأثير بيكاسو في نسائه مستمرا حتى بعد موته بقوة شخصيته وفنه الفريد من نوعه وخياله الواسع

 

ترك بيكاسو إرثا لا يقدر بثمن ولم يكن له ندّ في هذا المجال، وقد قُيّمت أعماله بنحو مليار و400 مليون فرنك فرنسي عام 1981، وهو رقم خيالي في ذلك الوقت.

لكن أعماله اليوم تفوق هذا التقدير بكثير، فأسعار لوحاته ما زالت فلكية، وقد حصلت الدولة على نصيب الأسد منها كما يقول أولاده، لكنهم يعتبرون أن إرثهم الحقيقي فيما ترك أبوهم من فن عريق يهديهم إياه بفرح مثل لعب الأطفال، هذا الإرث الفني العريق هو مُلك للجميع ولكل متذوقي الفن الراقي في شتى أنحاء العالم.

ذات صلة

"ليوناردو بريشته".. "دافنشي" يكشف اللثام عن وجهه بعد خمسة قرون
نقد سينمائي

"ليوناردو بريشته".. "دافنشي" يكشف اللثام عن وجهه بعد خمسة قرون

أحدث التقنيات العلمية وأكثرها تقدما تعيدنا 600 عاما إلى الوراء في حياة الرسام الشهير ليوناردو دافنشي للكشف عن صورة قديمة ذات سمات مألوفة بشكل غريب فيما إذا كانت صورة شخصية لليوناردو غير معروفة سابقًا.

"الرسامة واللص".. سرقة تقلب حياة الجاني والضحية
نقد سينمائي

"الرسامة واللص".. سرقة تقلب حياة الجاني والضحية

قصة واقعية غريبة جمعت بين لِصّ وفنانة تشكيلية، ومع الوقت تطورت إلى مستوى صداقة حقيقية، غدت لوحاتها للّص المُدمن علاجا نفسيا، وجددت عند الرسامة قناعتها بأن الفن قادر على الغور في أعماق الكائن البشري من دون حواجز أو معوقات.