بورتريه

نوري المالكي.. الصورة الكاملة لرجل صنعته إيران وأمريكا وإسرائيل

حبيب مايابى

ولد نوري المالكي عام 1950 لعائلة شيعية محافظة

"أنا شيعي أولا وعراقي ثانيا".. آمن صاحب هذه المقولة بفكرة الإمام الأكبر، وفي سبيل دفاعه عن المذهب حمل السلاح وكون معسكرات للتدريب في الأهواز لقتال الجيش العراقي.

انخرط في العمل السياسي في ستينيات القرن الماضي، ولاحقا تولى قيادة جناح عسكري خارجي بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران.

وعندما غزت أمريكا العراق سنة 2003 جاءت به وكلفته باجتثاث خلايا حزب البعث الذي حكم العراق لعدة عقود.

وفي تقرير سري بعثت به للبيت الأبيض، خلصت الاستخبارات الأمريكية إلى أنه الرجل الأنسب لحماية مصالح واشنطن.

أثخن في دماء المدنيين وقام بتصفيات طائفية واسعة ضد السنة في العراق صُنفت على أنها جرائم ضد الإنسانية، وكذلك اتهم بالتعاون مع الموساد الإسرائيلي في اغتيال 350 عالما نوويا عراقيا.

هذا الرجل هو نوري المالكي المولود عام 1950 لعائلة شيعية محافظة، وتروي الجزيرة مسيرته السياسية في فيلم بعنوان "نوري المالكي.. الصورة الكاملة".

 

في حضرة الصدر

 

باكرا تشرب المالكي أفكار مؤسس حزب الدعوة محمد باقر الصدر الذي كان ينادي بإقامة دولة إسلامية.

وقد كان المالكي من أوائل المتحلقين حول الصدر والمقتنعين بمشروعه الذي يتبنى فكرة الإسلام السياسي ويهدف إلى الاستحواذ على الحكم في العراق.

واصل الحزب نشاطاته وزاد توسعه، وبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979 بايع قادتها.

وجه الخميني رسالة للصدر بأنه قائد الثورة في العراق، وبدأ الحزب في التظاهر والعمل المسلح للاستحواذ على الحكم، لكن طموح الخميني في التوسع تزامن مع تولى صدام حسين مقاليد الحكم في بلاد الرافدين.

وقف صدام بحزم ضد أتباع الخميني، وكان نوري المالكي من بين مئات أُلْقِيَ بهم في السجون.

وفي عام 1980 اعتقل زعيم حزب الدعوة محمد باقر الصدر ونفذ عليه حكم الإعدام، وبدأ التنكيل يطال قيادات التنظيم الذي أسسه.

تشرب المالكي أفكار مؤسس حزب الدعوة محمد باقر الصدر الذي كان ينادي بإقامة دولة إسلامية

قائد التمرد

لم يمكث المالكي كثيرا حتى خرج من السجن رفقة بعض الشباب، وبعد إعدام الأب الروحي لتيار حزب الدعوة قرر أنصاره تشكيل جناح عسكري مسلح، فشُكِّلت لجنة جهادية وأسندت رئاستها للمالكي.

غادر قائد التمرد العراق نحو سوريا وتوجه بعدها لإيران وأنشأ معسكرا للتدريب في منطقة الأهواز العربية المتاخمة للحدود العراقية.

وفي حديثه بوثائقي الجزيرة يقول مدير مكتب وزير الدفاع العراقي قبل الغزو الأمريكي العميد وليد الراوي "كان معسكر الصدر في الأهواز يقوم بتدريب المنتمين لحزب الدعوة من داخل العراق وخارجه، وقد تخرج منه سبعة آلاف مقاتل".

ورفعت اللجنة الجهادية شعار محاربة النظام، وشرعت في ضرب مصالح العراق داخليا وخارجيا، ففي شهر أبريل/نيسان 1980 تم القيام بمحاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء العراقي صدام حسين في الجامعة المستنصرية على يد اللجنة الجهادية التي يترأسها نوري المالكي.

كثف المتمردون نشاطاتهم العسكرية فاستهدفوا المدنيين، ففي عام 1981 فُجِّرت سينما النصر في بغداد ووقع كثير من الضحايا.

وفي نفس العام استُهدفت السفارة العراقية في بيروت بسيارة مفخخة من قبل مليشيات المالكي، وخلف الحادث عددا من الضحايا بينهم بلقيس الراوي زوجة الشاعر نزار قباني.

تزامنت فترة التمرد المسلح لأنصار حزب الدعوة مع الحرب العراقية الإيرانية، وفي تصريح موثق بالصورة والصوت يقول جمال الإبراهيمي وهو صديق نوري المالكي إنهم كانوا يقاتلون في صفوف الجيش الإيراني ضد العراق.

عام 1981استُهدفت السفارة العراقية في بيروت بسيارة مفخخة من قبل مليشيات المالكي، وخلف الحادث عددا من الضحايا بينهم بلقيس الراوي زوجة الشاعر نزار قباني

تسليم العراق لإيران

بعد سقوط صدام حسين، رجعت المعارضة للعراق وجاء نوري المالكي تحت مظلة الأمريكيين. أراد حاكم العراق إبان الاحتلال بول بريمر أن يقتلع رموز حزب البعث من النظام العراقي، فشكل لجنة لذلك واختار رجل إيران المخلص نائبا له في قيادة تلك الهيئة.

قام المالكي بحجة محاربة خلايا حزب البعث بالكثير من الاغتيالات والتصفيات الطائفية في صفوف المدنيين وخاصة الشخصيات العلمية والدينية.

وحسب تقارير أمنية سرية حصلت الجزيرة عليها فإن المالكي أشرف شخصيا على تصفية العديد من الشخصيات المدنية ذات التأثير الكبير في الساحة العراقية.

وبعدما تولى إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء سنة 2006 شهدت أرض الرافدين صراعا طائفيا حصد آلاف الأرواح، فسعت الولايات المتحدة للتخلص منه وبدأت تبحث عن الشخص المناسب لحماية مصالحها أولا.

حينها رفعت الاستخبارات الأميركية تقريرا للرئيس بوش يوصي بالمالكي، فوقع الاختيار عليه وكان محل إجماع من قبل قيادات حزب الدعوة المتصارعين على قيادة البلاد.

تولى المالكي قيادة الحكومة في مايو/أيار 2006 وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من ذات العام وقّع على إعدام صدام حسين، وهو ما تم تنفيذه في عيد الأضحى الموافق 30 ديسمبر/كانون الأول 2006.

ورغم أن المجلس الأعلى للقضاء أرسل له برقية خاصة يخبره بعدم دستورية تنفيذ حكم الإعدام فإنه رمى برأي القضاة عرض الحائط.

قام المالكي بحجة محاربة خلايا حزب البعث بالكثير من الاغتيالات والتصفيات الطائفية في صفوف المدنيين

اغتيال علماء العراق

وقد كان اختفاء 350 من علماء الذرة و80 ضابطا من سلاح الطيران العراقي لغزا محيرا، لكن وثائق ويكيليكس كشفت أن نوري المالكي تعاون مع الموساد الإسرائيلي والاستخبارات الإيرانية للقضاء عليهم.

وفي مشاركته بوثائقي الجزيرة يقول رئيس لجنة العراق في البرلمان الأوروبي الأسبق ستراون ستيفنستون إن طهران استحوذت على العراق بالتنسيق مع المالكي، حيث وظف 400 شخص من عملائها في مناصب قيادية حساسة.

وفي وثيقة موقعة من نوري المالكي بوصفه رئيسا للوزراء بتاريخ 2007 حصلت الجزيرة عليها فقد تم التنسيق مع الحرس الإيراني بهدف اغتيال شخصيات عراقية.

وخلال فترته الأولى شكل جيشا سريا وأدار سجونا خاصة تتبع لمكتبه بعيدا عن وزارة العدل يمارس فيها التعذيب والإعدام في حق المدنيين من السُنة حسب تسريبات ويكيليكس.

أدار المالكي سجونا خاصة يمارس فيها التعذيب والإعدام في حق المدنيين من السُنة حسب تسريبات ويكيليكس

الإفلات من القضاء

في العام 2010 فاز إياد علاوي في الانتخابات العراقية لكن لم يسمح له المالكي بتشكيل حكومة لأن إيران لا ترى فيه الشخصية المناسبة لكونه قوميا وشيعيا غير متمذهب حسب ساسة ومراقبين. وبالتنسيق بين طهران والبيت الأبيض أعيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

وعندما خرج أهل الأنبار في فترة الربيع العربي في مظاهرات حاشدة تطالب بالإصلاح ورفع الظلم خاطبهم رئيس الوزراء بقوله "انتهوا قبل أن تُنهوا".

لم يكن المالكي يخفي حبه وإخلاصه للنظام الإيراني الذي يعتبره حاضنة لكل الشيعة، وفي مقابلة له مع صحيفة غارديان البريطانية عرّف عن نفسه بأنه شيعي أولا وعراقي ثانيا، في إشارة منه إلى أنه يؤمن بدولة الشيعة قبل دولة العراق.

وتثبت التقارير الأمنية إلى أنه ترك تنظيم الدولة يدخل مدينة الموصل دون أي مواجهة أو تدخّل.

احتلت العراق في فترة حكم المالكي المركز السادس على مستوى الفساد في العالم

إمام الفساد

ويصف مراقبون حُكم المالكي بأنه أسوأ فترة حيث شهدت فيه البلاد اختلاس أكثر من 350 مليار دولار من عائدات النفط. وقد احتلت العراق في فترته المركز السادس على مستوى الفساد في العالم.

وفي نهاية عام 2014 قدمت لجان تحقيق برلمانية تقريرا يوصي بسجن المالكي وإحالته للقضاء.

لم تلق دعوة البرلمانيين لمساءلة الرجل أي اهتمام، فغالبية النافذين في السلطة من خُلَّصِه الذين زرعهم في مؤسسات الحكم ويحمون مصالحه.

ورغم أنه أدار البلاد في ولايتين متتاليتين وخرج دستوريا من المشهد السياسي فإنه لا يزال نافذا ويقال إنه يتحكم في مفاصل الدولة.