بورتريه

هتلر.. الفوهرر الذي أودى بالجيش الألماني

 

تفتح الجزيرة الوثائقية ملف "أدولف هتلر" الزعيم الألماني في سلسلة من ستة أفلام، تحقق في الرجل الذي يقف وراء "هتلر" وتدرس شخصيته من العمق، وتحدد اللحظات الأساسية في صعوده الصاروخي وسقوطه المدوي. وفي الحلقة الخامسة التي تحمل عنوان "هتلر.. الوحش" يتتبع الفيلم المسار السياسي والعسكري لهتلر أثناء الحرب العالمية الثانية، وخصوصا في الفترة الواقعة بين 1942 و1944، ويتطرق لقضية المحرقة والقتل الرحيم للمعاقين، ويقف عند معركة ستالنغراد التي كانت فاصلة في طريق سقوط الجيش النازي.

حبيب مايابىِ

بتسجيله الكثير من الانتصارات في سبيل تحقيق حلمه باستعادة العظمة لألمانيا، أصيب أدولف هتلر بجنون العظمة، ووجد متعته في السيطرة على العالم من خلال الحروب المدمرة التي لا تُبقي ولا تذر.

وعندما وجد ذاته زعيما منتصرا يعز على الأعداء منافسته، زادت رغبته في الاعتداء والهيمنة، ورمى بجيشه في معارك عالمية لا يستطيع الصمود في ميدانها، فكانت سببا في انهيار قواته.

وفي محاولته للصمود، كان يتصرف بشكل وحشي مع جيشه الباسل، حيث نزع منه الصلاحيات وأرغمه على دخول المعارك التي لم يكن قد خطط لها عسكريا، وتركه يواجه الخسائر والموت الجماعي.

وضمن سلسلة هتلر التي عرضتها الجزيرة الوثائقية، جاءت الحلقة الخامسة من الفيلم الوثائقي بعنوان "هتلر.. الوحش" لتتتبع المسار السياسي والعسكري لهتلر أثناء الحرب العالمية الثانية، وخصوصا في الفترة الواقعة بين 1942 و1944.

إبادة اليهود

بعد أسابيع معدودة من إعلانه الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية، خرجت الجماهير بالألوف في ساحات برلين لسماع خطاب أدولف هتلر.

تمحور خطاب الزعيم حول إقناع مواطنيه بأن الأمريكيين أجبروا الألمان على دخول حرب عالمية جديدة، وأنها ستؤدي إلى إبادة اليهود في القارة الأوروبية.

ولعلها المناسبة الأبرز التي أعلن فيها ضمنيا عن الهولوكوست والإبادة الجماعية لليهود. وكان هتلر قبل ذلك قد تبنى برنامج "القتل الرحيم" بحق الأشخاص المعاقين جسديا وعقليا عام 1939.

لم يكن هنالك دليل مادي على تورط هتلر في عمليات الإبادة العرقية. ويرى روبرت سيتينو أستاذ التاريخ في جامعة نورث تكساس أنه لا يوجد أي دليل في سجلات الدولة يربط هتلر بمحرقة اليهود، بمعنى أنه تم اتخاذ التدابير اللازمة لعدم توريطه في تلك المشكلة.

وخلال تصفية اليهود بقي هتلر بعيدا عن ساحات القتل والإبادة، فلم يزر معتقلا ولم يحضر تنفيذ عملية إعدام.

ورغم أن هتلر كان قد ألقى كثيرا من الخطب في برغهوف في العديد من المناسبات المتعلقة بالمسائل التي تدور في الساحة المحلية، فإنه لم يتطرق لقضية اليهود.

وفي 23 يناير/كانون الثاني 1942، وعلى مائدة غداء فاخر؛ أعطى هتلر موافقته لقائد قواته الخاصة الجنرال هيملر على عملية الهولوكوست.

فهم هيملر أوامر القائد التي قدمها بشكل يطبعه التحفظ، وبدأ في تنفيذ علميات الإبادة، حيث جمع اليهود داخل غرف الغاز وتركهم يموتون بشكل جماعي وسريع.

اقتنع هتلر أن الحرب التي يخوضها حرب أعراق وصدام حضارات ولا مجال فيها للتراجع

حرب الأعراق

بعد احتلال فرنسا وضرب بريطانيا ودخول قواته في عمق الأراضي الروسية، كان هتلر لا يزال منتصرا بشكل كبير يتحدث عنه الألمان كقائد فاتح وشجاع، لكن الحرب على الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في وقت واحد بدأت تغير معادلة القوة والنصر الذي لطالما خرج به الجيش الألماني من المعارك التي خاضها.

اقتنع هتلر أن الحرب التي يخوضها حرب أعراق وصدام حضارات ولا مجال فيها للتراجع، إذ لا بد من إبادة الألمان أو السوفيات.

ومن داخل عرين الذئب (مقر قيادة القوات الألمانية أثناء الحرب) اتخذ هتلر قرارا سنة 1941 بشن هجوم شرقي جديد. وأثناء العمليات تعرضت قواته لهجوم مضاد بشكل مفاجئ، فبدؤوا في الانسحاب، لكن الزعيم المغرور تدخل وأمر الوحدات العسكرية بالصمود حتى الموت.

وفي حديثه بالوثائقي قال أستاذ التاريخ العسكري في جامعة باكنغهام سول ديفد إن فكرة الانسحاب العسكري التي يتخذها كل قائد في ظروف معينة لم تكن في قاموس هتلر، لأنها ستضعف المعنويات. وأضاف أن العلاقة بين القائد وجنرالاته لم تكن على ما يرام، فقد كان يقف عقبة في تنفيذ خططهم التي لا تعجبه.

ومن أجل إحكام القبضة على القوات المسلحة، وتنفيذ القرارات والخطط العسكرية التي يراها مناسبة، اتخذ مقر عرين الذئب عنوانا له في سنة 1942، وكان يرسم مسيرة الفشل بنفسه.

من داخل عرين الذئب (مقر قيادة القوات الألمانية أثناء الحرب) اتخذ هتلر قرارا سنة 1941 بشن هجوم شرقي جديد

إبادة الجيش

وفي 28 يونيو/حزيران 1942 أطلق هجوما عسكريا شرقيا جديدا، وتم تسليح ما يربو على مليون عسكري، وبينما كان الجنرالات يريدون التوجه نحو العاصمة موسكو، قرر هتلر مخالفة القادة المتمرسين وأمر بالتوجه نحو جنوب الاتحاد السوفياتي لغزو مدينة ستالنغراد (مدينة شاطئية أخذت تسميتها من الرئيس جوزيف ستالين) لتوجيه ضربة يعتقد أنها ستشكل إهانة لنظيره السوفياتي.

وإثر قراره القاتل، بدأت الخلافات تزداد بينه وبين قادة القوات المسلحة، وعندما نبهه الجنرال وليام ليست إلى قصور إدراكه في الحرب فأقاله من منصبه واستلم مكانه، وأصبح يتولى إدارة الخدمات اللوجستية في الجيش.

ومع حلول الشتاء في ستالنغراد طلبت القوات الألمانية المرابطة السماح لها بالانسحاب.

وفي يناير/كانون الثاني 1943 بدأت الأوضاع تزداد سوءا، حيث أحاطت قوات الاتحاد السوفياتي بالوحدات الحربية الألمانية التي تعاني من نقص في الإمدادات والمؤن العسكرية، وسقط خمسون ألف جندي نازي في ذلك الحصار.

حينها وجه هتلر خطابا عبر أثير الإذاعة، وأكد أن الشيء الحاسم في المعركة هو الضربة النهائية، وأنها ستكون لصالحه. ولكنه رغم المتاعب التي لحقت بجنوده رفض مرة أخرى السماح لهم بالانسحاب.

وفي 23 يناير/كانون الثاني 1943 وجه قائد المشاة الألمانية في ستالنغراد الجنرال فريدريك باولوس نداء استغاثة، وطلب السماح له بالانسحاب لأن الذخيرة نفدت والجنود أكلوا خيولهم من شدة الجوع، لكن هتلر كان يرى أن جنوده أبطال ولن يسمح لهم بالتراجع، وعندما يهزمون فعليهم الانتحار.

وبعد أيام قليلة من مكابرة هتلر وعظمته العمياء، اضطر فريدريك للاستسلام أمام قوات الاتحاد السوفياتي، ففقد الجيش الألماني نحو ربع مليون جندي في تلك المعركة. ويصف المؤرخون تصرف هتلر تجاه جنوده بالخيانة العظمى للوطن وأبنائه الأبرار الذين لم يجدوا نجدة في ساحة المعركة ولم يسمح لهم بالانسحاب.

لم يتحمل هتلر وقع الهزيمة، وفقد توازنه وبدأ يتصرف كالمجنون، وكان إذا أخبره أحد الجنرالات بنتائج المعارك السيئة يقتله أو يطرده من الخدمة.

وفي تسجيلات صوتية خاصة سُجلت له في تلك الفترة، كان هتلر يتحدث كالمختل عقليا، ويعطي أرقاما كاذبة وتبريرات واهية لهزيمته في المعارك مع السوفيات.

لجأ هتلر لأسلوبه القديم في الدعاية الكاذبة التي لطالما خدع بها شعبه

الدعاية الكاذبة

وسعيا للخروج من ورطة هزيمة القوات الألمانية التي تسبب بها، لجأ هتلر لأسلوبه القديم في الدعاية الكاذبة التي لطالما خدع بها شعبه.

وفي صيف 1943 أمر وزير الدعاية جوزيف غوبلز ببث أفلام تظهر فيهن النساء المقاتلات على الجبهة يتمتعن بحياة كريمة وجو من الهدوء والراحة. لكن قصف هامبورغ في 27 يوليو/تموز 1943 جعل هتلر في كذب مكشوف وفاضح لا يمكن التستر عليه.

ويرى أستاذ تاريخ ألمانيا في جامعة ساثرن إلينوي أن هتلر لم يقم بمبادرة تجاه شعبه ليشعرهم بأسفه على معاناتهم وتضامنه معهم، وبدلا من انشغاله في الهزائم التي بدأت تلاحقه، قام بالإنفاق على المتحف واشترى آلاف اللوحات الفنية.

وبعد أن كان شغوفا بالمنابر والخطابات، فإنه بعد الهزيمة شعر بالخيبة وأصيب بالاكتئاب ولم يعد قادرا على مخاطبة الجماهير.

في 28 يونيو/حزيران 1942 أمر هتلر بالتوجه نحو جنوب الاتحاد السوفياتي لغزو مدينة ستالنغراد

إنقاذ موسوليني

وفي 9 يوليو/حزيران 1943 غزت قوات الحلفاء مدينة صقلية وفتحت جبهة غربية جديدة، وتم اعتقال حليف ألمانيا بينيتو موسوليني، فأراد هتلر إعداد خطة لإنقاذه.

ويرى المراقبون أن تصرفات هتلر في هذه المرحلة كانت صبيانية وتافهة، وبدلا من التركيز على مقاومة الهجوم، صرف جهده ووقته في تنفيذ خطط لإنقاذ شخص كان قد قُبض عليه من قبل حكومته.

وبعد أن حددت المخابرات العسكرية الألمانية مكان اعتقال موسوليني في جبال الألب الإيطالية، قامت وحدات من القوات الخاصة وسرب من الطائرات باقتحام مقر اعتقاله، وتم حمله بسرعة إلى أدولف هتلر.

وفي سبتمبر/أيلول 1943 احتلت القوات الألمانية أجزاء كبيرة من المدن الإيطالية، وتمت تسمية موسوليني رئيسا جديدا لإيطاليا من قبل هتلر، وقد حدث ذلك في الوقت الذي كانت فيه القوات النازية في الجبهة الشرقية مسحوقة من قبل الجيش الأحمر السوفياتي.

إيفا براون عشيقه هتلر

العشق رغم الدماء

ومع تضاعف الهزائم الألمانية بسبب مواقف الزعيم المزاجية، وقف قائد القوات الجنرال مانشتاين في وجه هتلر وحذره من الاستمرار والتمادي في تصرفاته، وطلب منه أن يترك الخطط العسكرية للجنرالات المتمرسين، لكن هتلر سرعان ما تخلص منه ومن كبار القادة الحربيين، وطهر الجيش من كل شخص يخالفه.

وبعد التخلص من القادة الكبار في الجيش وتعيين آخرين ينفذون أوامر هتلر دون معارضة أو إبداء رأي، شعر بالطمأنينة والمحافظة على منصبه.

وفي الوقت الذي كان الجيش الأحمر يقترب من فيينا، والحلفاء يخططون لضربة عسكرية منظمة، انشغل هتلر في ذاته وبدأ يستمتع بوقته في برغهوف بصحبة عشيقته إيفا براون.

وبعد أن أمضى ليلة أنس وسمر مع عشيقته في برغهوف، استيقظ صباحا على خبر نزول المظليين الأمريكيين في شواطئ نورماندي في المرحلة الأولى من غزوهم لألمانيا في الخامس من حزيران/يونيو 1944.

وفي 6 يونيو/حزيران 1944، أي بعد يوم واحد من الإنزال الجوي الأمريكي، كانت قوات الحلفاء على شواطئ نورماندي في أكبر عملية غزو بحري في التاريخ، ليبدأ عهد جديد من الهزائم التي لم يكن هتلر يتوقعها.